العنوان صفحات من دفتر الذكريات (٢٢): الإسلام أقوى رباط
الكاتب الدكتور توفيق الشاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
مشاهدات 77
نشر في العدد 1124
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
- الإسلام
وحَّد الأمةَ والقرآن جمعها على لسان واحد فيلتقي المصري بالتونسي فلا يشعران
بالغربة.
- أفلام
السينما المصرية تترك تأثيرًا سيئًا لدى الشعوب العربية عن الشعب المصري.
ولقد سعدت جدًا
بلقاء «الطاهر جيجة» وذكرت له القصة وكذلك أخبرته بضيق الوقت حتى يساعدني في لقائي
ببعض الإخوة المسؤولين في حزب الدستور، قال لي: من تريد أن تلقاه؟ قلت له:
إنني أريد أن ألقى السيد «المنجي سليم» المسؤول
عن الحزب، وأبلغه رسالة من «جلولي فارس» من
باريس ومن «الحبيب بورقيبة» بالقاهرة، وقال: إذن سأذهب وأرد عليك، وما عليك إلا أن
تعود إليَّ غدًا في الصباح. وعدت إلى المدرسة، والتقيت بنخبة من أصدقاء الرحلة، وتعشيت
معهم، ونمت وأنا أتحسب ما الذي سيحمله لي الصباح!
وفي الصباح توجهت
إلى منزل «جيجة» فقال لي: إنني عملت ترتيبًا
مع «منجي سليم» لكي يلقاك في هذا الصباح وسيرافقك
أحد أعوانه وهو «الطيب السحباني» وأنت تعرفه وهو مدرس من أعضاء الحزب وسيحضر لك هنا،
وفعلًا جاء «الطيب السحباني» في الموعد وأخذني إلى منزل قريب في ساحة الغنم أيضًا،
والغريب أن كل ذلك لم يخرج عن الساحة التي نزلت فيها، ولذلك ذهبنا على أقدامنا إلى
أحد المنازل وفتح الباب بمفتاح كان معه، ولم يكن في البيت أحد من السكان، وجلس معي
بعض الوقت وبعد وقت قصير دق الباب ودخل «المنجي سليم» ولم أكن عرفته ولا رأيته من قبل،
وقدم لي نفسه وحياني وقال: إنني سمعت عنك من بعض طلابنا في فرنسا، وهم يعرفونك هناك
ويعرفون اهتمامك بقضايانا؛ ولذلك أنا سعيد بلقائك.. وسلمته الرسائل التي أحضرتها.
وبعد أن بلغته
الرسائل الشفوية التي كلفت بها، قلت له: هناك موضوع آخر يهمني أيضًا أن آخذ رأيك فيه،
قال: ما هذا الموضوع؟ قلت له: إنك تعرف أنني من الإخوان المسلمين وهدفنا هو نشر الدعوة
الإسلامية وخصوصًا بين الشباب والطلاب، وحيث إنني مكلف بالتعاون مع الأحزاب الوطنية
في تونس والجزائر والمغرب فإنني لا أستطيع أن أقوم بأي نشاط لمصلحة الدعوة، وخصوصًا
إذا كان يؤدي إلى دعوة الشباب للعمل مع الإخوان إلا بموافقة هذه الأحزاب والاتفاق معها،
وأنا شخصيًا أعتقد أنه من المصلحة أن تكون لي فرصة للاتصال ببعض الطلبة أو الشباب هنا،
أو في باريس لكي أنشر بينهم فكرة الإخوان المسلمين وهي لا تتعارض مطلقًا مع الحركة
الوطنية ولا مع أهدافها، ولا مع التزامهم نحو الحزب. فقال لي: هذه مسألة مهمة ولا أستطيع
أن أعطيك الجواب لأنني لابد من أن أرجع إلى المكتب السياسي وأستشيره، وقلت له: أنت
تعرف أن أمامي الآن مهلة 24 ساعة فقط وهناك احتمال كبير بأنني
سأضطر إلى الخروج يوم الاثنين صباحًا، فهذا اليوم وهو يوم الأحد هو الوحيد الذي سأضمن
وجودي في تونس خلاله، فقال لي: من حسن الحظ أننا سنجتمع اليوم وسأرسل لك الرد عن طريق
«الطيب السحباني» في المساء قبل الغروب، وما عليك إلا أن تتفق معه على الموعد والمكان.
وبعد أن تمتعنا
بالحديث عن أحوال تونس وأعمال الفرنسيين وبطشهم، والظلم الواقع على الشعب التونسي كله
ورغبته في التحرر والاستقلال، وبعد أن طمأنته على أحوال السيد «الحبيب بورقيبة» ومن
معه في القاهرة وعلى السيد «جلولي فارس» في باريس ودعته، وعدت إلى المدرسة وقد صحبني
«الطيب السحباني» جزءًا من الطريق واتفقت معه على الالتقاء في ساعة معينة بعد العصر
في منزل السيد «جيجة» وأن عليه هو أن يبلغه ذلك.
وعدت إلى المدرسة
كأن لم يحصل أي شيء ووجدت زملائي في الرحلة ما زالوا يستعدون للخروج إلى الأسواق والتفرج
على العاصمة والسياحة فيها، وخرجت معهم وقضينا النهار وتغدينا في أحد المطاعم الشعبية
بداخل المدينة، وفي العصر انفصلت عنهم وذهبت مباشرة دون أن يشعر بي أحد إلى منزل السيد
«طاهر جيجة» القريب من المدرسة فوجدته في انتظاري وحضر «الطيب السحباني» في الموعد
وخرجت معه وركبنا سيارة أجرة وتوجه بي إلى أحد المقاهي المطلة على خليج تونس في حلق
الواد، ووجدنا في انتظارنا أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب في ذلك الوقت وهو «السيد
الباهي الأدغم» وعرفني به وقدمني له، وجلسنا معًا نتجاذب أطراف الحديث.
وأذكر حادثة
طريفة أثناء جلوسنا؛ جاء شاب ممن يمسحون الأحذية فقلت له: أرجوك أن تنظف لي حذائي،
فنظر إلى الحذاء، وقال لي: أنت مصري؟ فقلت له: من قال لك إنني من مصر؟ قال: لأنك قلت
لي نظف (الجزمة)، وهذه كلمة مصرية، وليست من كلمات تونس، وقلت له: من قال لك إنها ليست
من لغة المغرب أو سوريا، أو غيرها؟ قال: لا إنها من مصر، وقد عرفتها من الأفلام المصرية
التي أشاهدها في السينما، فقلت له: إن هناك بلادًا أخرى مثل سوريا
تستعمل هذه الكلمة.
وتدخل الجالسون
معي وصاروا يحدثونني عن أثر الأفلام المصرية في تونس، وأنها تظهر بمظهر لا يعجبهم،
وقال أحدهم: من المدهش أن ترى في الأفلام كثيرًا من المصريات المنتسبات إلى الطبقة
الراقية يستعملن كلمة «ميرسي» وغيرها من المصطلحات الفرنسية، ويظهر فيها مشاهد المسلمات
يرقصن مع الرجال على الطريقة الإفرنجية التي تتعارض مع تقاليد المسلمين، وشكوا لي كثيرًا
من الأثر السيئ الذي تتركه بعض الأفلام المصرية.
في
نقطة الشرطة
وبعد أن شربنا
الشاي الأخضر بالنعناع وتحدثنا طويلًا قال لي السيد «الباهي الأدغم»: إن الاقتراح الذي
عرضته على السيد «المنجي سليم» ليس مناسبًا في الوقت الحاضر وإن الإخوة أعضاء المكتب
السياسي يرون أن هذا قد يتسبب في انشقاق داخل الحزب، وأنه يحسن تأجيله، وربما يأتي
وقت آخر تكون الظروف أفضل إن شاء الله.
وشكرتهم وعدت
إلى المدرسة كما كنت، وأنا أهيئ نفسي وحقيبتي للذهاب غدًا إلى نقطة البوليس في الميناء
لأعرف مصيري، وقلت لرئيس الرحلة: إن الأمر جد وأنا الآن مطلوب للشرطة في الميناء، وماذا
سأفعل؟ قال لي: حسبما اتفقنا، ولكن لا تورطني، وتظاهر بالجهل والسذاجة، ولو طردوك فستذهب
إلى نيس كما اتفقنا، وسأرسل معك اثنين من أعضاء الرحلة ليبلغوني ما تم في شأنك، وهذا
خطاب شخصي لرئيس المخيم الصيفي هناك.
وفعلًا حضر معي
اثنان من المسافرين في الرحلة وذهبنا إلى الميناء ومعي جواز السفر ودخلت على الضابط
النوبتجي وكان فرنسيًا، وقلت له: أنا فلان، وعرفتهم بالموضوع، فأخذ جوازي وأدخلني عند
أحد أمناء الشرطة وكان تونسيًا، وأذكر أن اسمه عبدالكريم، فأخذ الجواز ليختمه على اعتبار
أن المسألة هي مسألة أنني مررت دون ختم، ولم يدر بخلده أنه لم يكن هناك تأشيرة دخول،
ففتح الجواز ليبحث عن التأشيرة، ثم نظر إليَّ مندهشًا، وقال: أنت ليس عندك تأشيرة،
فكيف نختم جوازك؟ فقلت له: أية تأشيرة؟ قال: تأشيرة الدخول إلى تونس، أنت تعرف أنه
لابد من الحصول على تأشيرة دخول لأي بلد من البلاد، قلت له: أنا أعرف ذلك، لكنني الآن
مقيم في فرنسا، فرنسا هنا، وفرنسا هناك، وإنني جئت مع الفرنسيين ونحن كلنا أصدقاء وقد
تعهدوا بالإجراءات ولم أكن أعرف إن كانت التأشيرة من ضمن الإجراءات أم لا، فقال لي:
هذه مغالطة وأنت تعرف أن هذه البلاد ليست فرنسية وأنها تحت الحماية فقط ونحن هنا في
تونس لنا شخصية دولية مثل مصر وغيرها من البلاد، ولابد لدخولها من التأشيرة، وبما أنك
لم تكن لديك تأشيرة فحسب القانون لابد من طردك من تونس، وعليك أن تنتظر هنا.
وتركني وذهب
إلى رئيسه الفرنسي، وبعد فترة عاد واستدعاني لمقابلته، وكان معي الأصدقاء الفرنسيون
من أعضاء الرحلة أيضًا، ودخلنا عند الضابط الفرنسي وكان غاضبًا في غاية الغضب، وقال
لي: كيف تجرؤ على دخول هذه البلاد بدون تأشيرة وبدون موافقتنا؟ قلت: إن الجمعية التي
اشتركت فيها هي التي وافقت وهي تعرف أني لست فرنسيًا، وأنا سلمتهم الجواز، وهم المسؤولون
عن ذلك، قال: سواء كان الغلط منك أو منهم فلابد من عودتك من حيث أتيت فورًا، قلت له:
إن العودة لباريس أحسن كثيرًا؛ لأن ظروف هذه الرحلة ليست مريحة، ويكفي أنهم أركبونا
على ظهر السفينة وأن المدرسة التي أنزلونا فيها ليس فيها أسرّة تكفي
حتى للنساء في الرحلة ونحن ننام على الأرض.
فهدأ بعض الشيء
وأمسك التلفون وطلب الشركة التي تتبعها السفينة في مكتبها بالميناء وهو قريب وسألهم
عن السفينة -وكان اسمها على اسم أحد جنرالات فرنسا ولا أذكره الآن- التي جاءت أمس من
مارسيليا، وكان عليها راكب دون تأشيرة، وسنعيده إليكم ليعود عليها كما جاء؛ لأنه لا
يسمح له بالدخول دون تأشيرة. ولم أسمع الرد، ولكن فهمت أنهم قالوا له: إن السفينة جاءت
أول أمس السبت وأنها غادرت أمس الأحد، فبدا عليه الاندهاش؛ لأن الرد لم يكن يعجبه وامتعض
قليلًا وفكر ثم ألقى الجواز على المكتب وقال: يؤسفني أنك لن تستطيع أن تعود على السفينة
التي حضرت عليها، لأنني أُخبرت أنها غادرت الميناء أمس وهو الأحد، وأنكم جئتم يوم
السبت، قلت: نعم جئنا يوم السبت، وأعتقد أن المسألة هينة وأستطيع أن أذهب على أي سفينة
أخرى على حساب الجمعية، لأنني طالب كما تعرف وليس معي نقود، فقال: انتظر حتى أسأل،
وسألهم متى ترجع هذه السفينة؟ قالوا: ترجع يوم السبت القادم.
التوسط
لدى ضابط النقطة
قال زملائي:
إنه طبعًا من الأفضل أن ينتظر هذه السفينة؛ لأن أجرته مدفوعة عليها وليس عند المسؤول عن الرحلة نقود لدفع تذكرة لأي سفينة أخرى، والمسألة
بسيطة ونحن طلاب وهذا زميل لنا وكل أعضاء الرحلة سعداء بصحبته، ولا نرى أن هناك ضررًا
في أن يبقى حتى يوم السبت، قال: يمكنك أن تبقى ليوم السبت بشرط أنه في كل صباح تحضر
هنا لإثبات حضورك لأنك تحت الإقامة الجبرية حتى ترجع من حيث جئت، وأعطاني الجواز وخرجت
مع زملائي، وقضيت اليوم معهم كالعادة نتسوق في الأسواق ونتفرج على معالم تونس، وفي
صباح اليوم التالي توجهت وحدي إلى مكتب الشرطة ومعي جوازي لإثبات حضوري وفعلًا أثبت
حضوري، وكذلك في اليوم الذي بعده وهو الأربعاء.
وفي مساء الأربعاء
كان رئيس الرحلة ينبهنا أنه غدًا سنتوجه بالسيارات إلى الساحل الجنوبي بتونس، وهذه
هي الرحلة الحقيقية من الوجهة السياحية، وبعد أن أعطى التعليمات قلت له: ماذا ستفعل
معي وأنا مكلف بالبقاء هنا حتى يوم السبت؟ فوجئ بهذه المشكلة، وقال: هذه مشكلة، فقلت
له: لا يمكن أن تفكر أنني سأبقى وحدي في هذه المدرسة فلابد أن أنزل في فندق، وليس معي
نقود وهذه غلطتكم وأنتم لابد أن تجدوا لي فندقًا أنزل فيه حتى أعود يوم السبت.
قال: أنا سأذهب
معك غدًا إلى الشرطة وأحاول محاولة أخيرة، وفعلًا في يوم الخميس صباحًا توجهنا معًا
إلى نقطة بوليس الميناء. وذهب معي بنفسه إلى رئيس النقطة وهو فرنسي طبعًا ودخل عنده
وحده وتكلم معه وأعطاه الضمانات بأنه يتعهد بحسن سيري وسلوكي، وأنني طالب مستقيم وليس
بوجودي معهم أي متاعب بالعكس هم يأنسون بي ويفضلون أن أبقى معهم، ولا داعي لأن تقطع
رحلتي، وهذا سيسبب له مشاكل مالية لأنه المسؤول
عن الرحلة ولا يعرف كيف يدبر لي الأمر، وهكذا،
وطلب منه الموافقة على أن أذهب معهم بالسيارة، قال له: الآن أنتم تريدون أن تعيدوه
يوم السبت القادم ونحن مقرر عودتنا السبت الذي بعده، فالرحلة كلها أسبوعان فمادام أنه
بقي أسبوعًا فلا ضرر أن يبقى أسبوعًا آخر، وأن وجوده معنا أفضل من تركه هنا وحده، ولا
يعرف أحد ماذا سيفعل!
فاتفق معه على
أن يتولى هو الرقابة عليَّ وأن عليه أن يوجهني إلى كل قسم من أقسام الشرطة التي نمر
بها بالسيارات ليثبت حضوري معهم ويطمئنهم على أنني لم أغادر المجموعة ولم أكن في حاجة
قط لمغادرتها، لأن جيجة وأصدقاءه في تونس تكفلوا بإخطار أصدقائهم في كل مدينة أمر بها
لكي يقابلوني ويتعرفوا بي دون حاجة لأن أنفصل عن القافلة.
وفعلًا ذهبنا
في اليوم التالي بالسيارات إلى الساحل، وغادرنا تونس وبدأنا الرحلة البديعة في الساحل
التونسي ابتداء من حمام الأنف، وشاطئ الحمامات الجميلة ومدينة وميناء المهدية الذي
خرج منه أسطول يحمل جيش «جوهر الصقلي» لفتح مصر للفاطميين، وبعد ذلك نزلنا في كل مدن
الساحل وشواطئها السياحية بما فيها مناستير موطن بورقيبة وغيرها، وبتنا ليلتين في الطريق
ولم يكن المبيت مريحًا لأننا كنا ننزل في مدارس وكانت مبانيها مهجورة وغير نظيفة ومهملة
إهمالًا شديدًا لكن مع ذلك كانت الرحلة ممتعة. وكنا نفضل النوم في الهواء الطلق، وكل
واحد منا يحمل مرتبة وبطانية ويضعها على ظهر الأتوبيس، وعندما نصل إلى المكان المحدد
للمبيت كل واحد ينزل بطانيته ومرتبته وينام عليها، وبعد ذلك صباحًا يعيدها إلى الأتوبيس
كما كانت، فكانت رحلة جوالة وفيها من الخشونة ما تعودنا عليه في الإخوان المسلمين ولم
يكن هذا غريبًا عليَّ، حتى الطعام كان الفرنسيون يشكون من سوء الطعام، ولم أشاركهم
الشكوى وكان دليلنا يهوديًا يذهب بنا إلى مطاعم شعبية تونسية متواضعة، وطبعًا لاحظ
البعض أن أغلبها يملكه اليهود، والفرنسيون كانوا يتهامسون بالنقد للمسؤول عن الرحلة «مندوب الجمعية» ويقولون إنه كان يستغلنا
لمصلحة اليهود، ويرفعون أصواتهم بالشكوى والاحتجاج، في حين كان عدد من رفقاء الرحلة
يحرصون على صحبتي ويتشوقون لرؤية أصدقائي التونسيين الذين كانوا يظهرون من حين لآخر
ويتطوعون لتقديم الشاي، بل وطعام «الكسكسي»، في بعض الأحيان لي، ولمن أختاره من رفقاء
الرحلة الذين ازدادوا ثقة وسعادة بصحبتي.
المهم وصلنا
إلى جزيرة «مجريا ومدينين» وهناك أخبرنا بأننا سنذهب إلى الجنوب الصحراوي، وهذه المنطقة
الجنوبية كانت منطقة عسكرية لا يدخلها أحد إلا بإذن من السلطة العسكرية، وذهب رئيس
الرحلة وطلب الإذن وحصل عليه على أساس أننا فرنسيون وطلبة والطريق قفر، والجو قاس شديد
الحرارة؛ لذلك فإنهم بصفة استثنائية صرحوا لنا بدخول هذه المنطقة، وتمتعنا باختراق
الصحراء في الجنوب التونسي حتى توقفنا في مكان مقفر، وقالوا: هنا قرية لا نرى منها
شيئًا، لأنها فوق الجبل وهي من قرى «البربر» وتسمى «دويرت»، ونزلنا في هذا المكان وإذا
بالقرية معلقة فوق الصخرة، وأدخلونا في نفق يشبه المغارة، وهو قاعة الاستقبال الخاصة
برئيس القرية أو العمدة، وأجلسونا هناك للراحة، وقدموا لنا الماء، وجاء عامل يقدم لنا
القهوة وعندما مد إليَّ فنجان القهوة، قلت له: شكرًا، فنظر إليَّ باندهاش، وقال: أنت
عربي؟ قلت: نعم أنا مصري، فقال: «تحيا مصر»! بصوت عال أدهش الجميع حولي، وشرحت لهم
أن هذه العلاقة الحميمة بين مصري جاء من مصر وتونسي من الجنوب التونسي بدوي في قلب
الصحراء، والتي جعلته يهتف بحياة مصر، سببها الإسلام والعروبة رغم أن هذه منطقة بربرية
لكنهم يتكلمون العربية لأنها لغة القرآن، وشرحت لهم أننا أمة واحدة لأننا مسلمون، وقد
أحسوا بذلك منذ بداية الرحلة من الترحيب الذي كنت ألقاه في بعض المدن التي فيها بعض
الطلبة التونسيين الذين عرفوا بوصولي، واستعدوا لاستقبالي.
لقاء
مع ابن عاشور
عدنا بعد ذلك
لتونس من طريق «حفصة» وقد استمرت رحلتنا بين الساحل والجنوب أسبوعًا فقط عدنا بعدها
في يوم الجمعة إلى تونس على أساس أننا سنغادرها في نهاية الرحلة يوم الأحد القادم،
لأن السفينة ستحضر السبت وتغادر بنا الأحد، وقد التقيت «جيجة» لأقدم له تقريرًا عن رحلتي ولأودعه للمرة الثانية، وكنت قد طلب منه
أن يرشدني قبل سفري إلى بعض الأصدقاء في العاصمة الذين أريد أن ألتقي بهم وذكرت منهم
الشيخ الفاضل بن عاشور الذي التقيت به في القاهرة وتواعدت معه على الحضور هنا، فاتصلنا
به هاتفيًا، ورحب بي ودعاني إلى منزله فورًا وقال لي «جيجة»: إن مسكنه في ضاحية «المرسى»
ولابد أن تركب القطار وتذهب إليه، وكان ذلك يوم السبت، وركبت القطار وحدي وذهبت إليه
وجلست معه في منزله، وتغديت معه، وقضينا وقتًا طويلًا، وقلت له خلاصة ما تم بيني وبين
«المنجي سليم» واتصالاتي بالطلبة التونسيين وإنني أرى أنه طالما أنا مكلف بالتعاون
مع الأحزاب الوطنية، وإنني لا أستطيع أن أقوم بأي عمل خارج نطاق هذا التعاون، ومادام
أنهم رفضوا السماح لي بأن أقوم بهذا العمل بالتعاون معهم فلن أقوم بشيء وكل ما أفعله
أن أنصح من عرفته هنا بالاتصال بإخوان القاهرة، وأنني سأبلغ الإخوان في القاهرة أن
يتصرفوا هم بالطريقة التي يرونها، أما أنا فقد أتممت مهمتي ولم أعد في حاجة إلى أن
أتكلم مع أحد في شيء بخصوص الدعوة في تونس، فهذا أمر يختص به الإخوان في القاهرة، ومن
يتصل بهم من شباب تونس وشيوخها، وإذا كان لديه ما يمكن أن يقوله للإخوان في هذا الشأن،
فإنه من الأفضل أن يتصل بهم في القاهرة.
وودعته على أساس
أنني سأغادر تونس في اليوم التالي ولكنني عندما عدت إلى تونس وجدت هناك هرجًا ومرجًا
بين أعضاء الرحلة، وأخبروني بالخبر السار وهو أن رئيس الرحلة أنبأهم بأن السفينة التي
كانت ستقلنا غدًا لم تحضر في موعدها هذا الأسبوع، وبالتالي فإن الرحلة ستمتد أسبوعًا
آخر.
وبالطبع كعادة
الفرنسيين في الشؤون المالية أصروا على أن تكون إقامتهم على حساب منظم
الرحلة، ولا يخسرون مليمًا واحدًا، وكان الجميع في فرح لأنهم سيقضون أسبوعًا مجانًا
زيادة عن الأسبوعين المقررين، وبالطبع كنت أنا أكثر فرحًا منهم لأمر خاص بي، وكما هو
ظاهر إذ إن المسؤول عن الرحلة كان سعيدًا بابتعادي عنهم حتى أخفف عنه
ما يدفعه لطعامي، وكذلك استفدت من هذا الأسبوع في أنني بعد أن ودعت الشيخ الفاضل ابن
عاشور اتصلت به والتقيت به مرة ثانية، وقلت له: قد أعطيت مهلة أسبوع آخر ولا مانع عندي
من أن أتعرف على بعض طلابه وزملائه من العلماء، مجرد المعرفة والصداقة، وكذلك التقيت
مع «الطاهر جيجة» الذي قدمني لبعض أصدقائه من الطلاب التونسيين وقضيت أغلب أوقاتي معهم
وحرص على أن يكونوا ممن لا يحضرون إلى باريس، ولم ألتق بهم هناك، وقلت له: إنني لا
داعي لأن ألتقي بالذين عرفتهم في باريس ولكنني يهمني من تثق فيهم من الطلبة التونسيين
الذين يهتمون بقضية الجزائر وفلسطين، وغيرها من القضايا الإسلامية.
وفعلًا قدمني
لبعض أصدقائه وزملائه، ولم أتكلم مع أي منهم في شأن سوى قضية فلسطين، وقضية الجزائر،
أما قضية تونس فكان كلامنا أنني أؤيد القضية وأؤيد الحركة الوطنية، وأتعاون معها، وأدعوهم
جميعًا أن يتعاونوا معها إلى أن تنال تونس استقلالها ويخرج الفرنسيون منها، وقد شكا
لي كثير منهم أن عددًا من المتطوعين التونسيين ذهبوا إلى مصر للانضمام إلى كتائب المجاهدين
في فلسطين، لكنهم اعتقلوا في السلوم وأعيدوا لبلادهم ولم تعاملهم السلطات المصرية بما
يستحقونه من ترحيب وتشجيع، وأن الإدارة الوطنية في مصر لم تكن أفضل من الإدارة الاستعمارية
في تونس أو ليبيا.
العودة
وفي الموعد المحدد
ركبنا السفينة مرة ثانية عائدين إلى باريس وفور وصولي التقيت «بجلولي فارس» وأبلغته
بكل ما قمت به بما في ذلك موضوع «الإخوان المسلمين»، وكان «جلولي فارس» رجلًا مسلمًا
حقًا وملتزمًا بالصلوات وممن لديهم حماس للدعوة الإسلامية، وكان هو يبدي حماسًا للفكرة
الإسلامية، ولكنه ملتزم بحزبه، ولذلك اتفق معي على أن مسألة الاتجاه الإسلامي هذه ستكون
موضوع المستقبل، ويرى أنها يجب أن تؤجل إلى أن نرى ماذا تصل إليه الحركة الوطنية، فإن
حققت الاستقلال كان بها، وإلا فنحن عرب ومسلمون سنقوم بالواجب بما يرضي الله ورسوله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل