العنوان في ظلال الهجرة.. صبرًا يا دعاة الحق
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1974
مشاهدات 98
نشر في العدد 184
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 22-يناير-1974
يا دعاة الحق روحوا قلوبكم لحظة في ذكرى هجرة المصطفى، فالهجرة للقلوب أنس وترويح وانظروها بعين الحب كما كانت هي سبيلًا للحب أشرق على الدنيا فأزال وجهها الكالح وأنار جنباتها بكل سامية لألاءة.
يا دعاة الحق، الهجرة ليست خروج رجل من بلد إلى بلد، وليست فرارًا من أذى الكفار والطغاة لكنها مشعل أراد الله أن يتم نوره، لأن قصور البشرية عن فهمه لم يكن عائقًا لإظهاره، ومن هنا كانت الهجرة عنوانًا كبيرًا، ومن هنا استل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الحكمة في أن اعتمد الذكرى تاريخًا للمسلمين، واختطها بداية عمل بناء ينطلق من مفاهيمها ويغذي الأجيال جيلًا بعد جيل.
إن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- آنس من قومه خديعة وتربصًا، وتنسم منهم إصرارًا على الجهل والعصبية والمكر، وتفهم نفسياتهم من خلال السخريات المرتسمة عل الوجوه، وكلمات التهكم البادية على ألسنة العتاة منهم، ونذالة الأخلاق في المعاملة لكنه كان نبيًا، وهل يغضب النبي على قوم بعث ليهديهم بإذن ربه، وليبصرهم نور الحقيقة، ويهدي لهم كرامة الإنسان المفقودة بين الحجارة والإنسان المتسلط، ولينتشل العقول من وهدتها المتردية في أعماق الرذائل الهاوية في دركات الجهالة دون محاولة الارتفاع بها إلى مهمتها الأساسية.
يا دعاة الحق، إن مصير الداعية يرتبط بهذا اليوم ارتباطًا كبيرًا ففيه كل جوانب معاملة الداعية مع الناس وتعامل الداعية مع المجتمع مع غلاظ الأكباد، وطوال الألسن وصعاب الأخلاق، وسفاهة الحمقى، ومع مهزومي الروح والضمير، مع عبدة الضلال والجهل وارتكاس التفكير في حماة التقليد والبهيمية مع الحاقدين والمحنقين والمغيظين.
هذه الأصناف في كل عصر وفي كل مجتمع على مد الأزمان والأدهار لكن الداعية الحكيم يفرغ إلى حياة نبيه يستخلص منها كل وسيلة تعترضه لتسهل عليه في أسلاس قياد الهائج والحد من صرخات المتهور وتنديد الموتور، والرد الهادئ الناصع مع المغرض والمغيظ، واستجلاء الحكمة لوضعها في نفس المذبذب ليطمئن وأخذ النبل وشيم الأخلاق من حياة سيد الخلق في المعاملة مع الغلاظ والصعاب والأشداء.
فكان نبيكم وقدوتكم عليه الصلاة والسلام إذا أفرغوا من أحقادهم نارًا سكب شيئًا من ماء لطفه على أحقادهم فإذا هي واهية متلاشية بل إذا هذه الأحقاد والضغائن تنقلب محبة وودادًا وبكاء كانوا إذا سبوا وشتموا، عف لسانه، واحتسب ثوابه عند ربه فليس عنده ما ينفقه إما سابه أو شاتمه سوى الدعوة له بالهداية، وإذا عنفت أخلاقهم ونبا بهم الطبع أمامه عبروا عن قسوة قلوبهم. أراهم طيب شمائله وقابل إساءتهم بطرف سماحته. وهذب سقيم فعالهم بخلاله الضاحكات فتطری نفوسهم وتروى قلوبهم فالعين منها على شفا، وصدق الفطرة –عند ذاك- يندي خجلًا فما يملك إلا أن يرى سواجم الدمع تنهل غزارًا.
يا دعاة الحق، إن أسوتكم وقدوتكم تحمل ما لا تتحمله الشم الراسيات من الجبال، فما وهن ولا لان ولا استكان، بل عرك الخطوب يذكي عزائم الرجال ويبني أمة من الأفذاذ والأبطال، فصاحب الحق هل الرجل الحق لأن الحق في ضميره مغروس، ودليله فطرته فما كانت الفطرة يومًا جانحة إلى باطل أو شهوة. ولا يغرنكم كثرة المتهالكين على متاع الدنيا، فهم يتجردون للهوهم. ويسرفون في غيهم وتحجب أبصارهم غشاوات الضلال ويرين على بصائرهم رين فإذا هم في غفلة وإذا هم سادرون إلا عن طلب النجح في مقاصد الدنايا.
هؤلاء إذا أنهوا عملهم الخاسر، وحانت منهم فرصة الراحة والخلوة أحسوا شيئًا يخزهم فيتجاهلونه. إن داعي الفطرة يؤذن في ضمائرهم ولكن من يستجيب حتى إذا جاءته خاتمة الحياة ذرفت عينه الدمع السخين ألمًا وحسرة، وما أبكاه إلا يقظة الشعور ووعي الفطرة.
إن نبيكم -أيها الدعاة- حاكى الفطر فمن جبلت فطرته على خير كان أسبق للدعوة إليها ومن تأخرت به فقد أوردته موارد الزحام لكن رجل المبدأ الحق لا يضع رأسه وينام فهو ما آمن وعرف النور إلا ليحمل قبسه إلى النفوس المريضة والقلوب المظلمة لينيرها فحب الداعية الخير للناس كحبه الخير لنفسه، أو ليس هذا من المأثور ومن دواعي الإيمان الصادق.
يا دعاة الحق، الدعوة صبر وتضحية وطريقها شاق وعر، الشوك على جنباته مبثوث. والأفواه المفغورة في كل زاوية وعلى كل باب وعقول المتحجرين والمخادعين والسفهاء صحراء يباب فهل لكم أن تعمروا أرضًا يبابًا؟
إن خطى الحبيب كانت نبراسًا للسالفين، تأثروها وقاسوا المشاق والآلام وأدركوا أن النجح فيها فضاعفوا الجهد، ولم يكلوا ولم يدركهم الملل فليس للملل في حياتهم وقت -وما كان له أن يكون له معهم حياة.
يا دعاة الحق، إن نبيك وقدوتكم صاحب الذكرى والتاريخ الأسنى -ما سئم الجهاد يومًا وما مله ولم ينظر إلى الدنيا وقد تبرجت له بكل زينتها، إلا بما يرضي الرحمن ويزيد من حبه لعبده، ولم يشك يومًا من أذى قومه، أو سفهاء الناس، أو حذاق المكر في الأرض فكان له من الصبر درع ووقاية ومن هبات العزيز القهار تنفيس وهداية.
يا دعاة الحق، لم تكن الهجرة إلا عنوان الكرامة والهداية ونور الحق؛ فالإنسان الذي استغلته شواغل الأرض واستعبدته شهوة اللحم والدم، واستذلته أحكام الجبابرة والطواغيت وهزؤت به تقاليد المجتمعات الوثنية، واستلت منه معنى إنسانيته، وقضت عليه الرق والعبودية وتقبيل الأيادي وسلبته حقوقه، ورمته ممرغًا في ثنايا استخذائه وتهاونه، هذا الإنسان هو الذي علمه الإسلام كيف تكون الحياة فقذف النور في قلبه، وبدد الديجور من ضميره ولامس مداركه ومواطن العزة فيه فإذا هو أنموذج آخر، كرامة وعزة وجبين مرفوع واحتقار لماديات الحياة المخزية من تهالك بشع على نزواتها وتلفت مغر لأطماعها؛ فهو في الدنيا كالغريب أو عابر سبيل ولم تكن الهجرة إلا بناء لمجتمع صحيح سليم، وأمة من بعد سامقة الفضائل سامية الأهداف لها في روحها علو، وفي قتامة الحياة منار، وفي وضح النهار حاد يرفق بها وكانت أمة ما بعدها في الناس أمة وامتد لها الحبل فهي إلى يوم القيامة خالدة.
ومن هذا الامتداد يكون الجهاد والصبر، وتعدي الأجر والثواب إلى كل عامل مخلص يقدم جهده لله ويمتحن في الله فيصبر، ويفتن في دينه فلا يلين ولا يخضع ويؤذى في جسده وماله فلا تتزعزع عقيدته وإنما تزداد صلابة وقوة وتظهر شكيمته في أعلى مراتبها وحزمها.
أيها الدعاة الأحباب، إذا ما أحس أحد أحبائكم في نفسه فتورًا فذكروه الله ورددوا على مسمعه قصة الهادي الحبيب.
وجاهد نفسك -أيها الداعي إلى سبيل ربك- أمام كل الصعاب واحملها على التعزي والصبر وذكرها ثواب الجهاد والاستشهاد فالحق لا بد له من شهداء. وبشر كل داعية ببشرى ربك للمؤمنين.
نعم يا دعاة الحق، سيقولون لكم إن لم تنتهوا فإن الطرد والنبذ والسجن والموت قادم وعلى أيدينا سوف يكون ذلك عاجلًا فماذا تقولون؟
هل ستجزعون وتفرون من الميدان فرار الجبناء أم تذكروا عهدًا مع الله أخذتموه على أنفسكم وتوفرتم على رعايته وحفظه وصونه.
ما أخالكم إلا قائلين بصوت الواثق من موعود ربه المحروم من طرد من رحمة ربه، أما طردكم لنا فلن يضرنا شيئًا ما دامت رحمة ربنا للأوابين قابلة
والسجن مدرسة ووسام شرف وكفى دليلًا أن يكون نبي الله يوسف عليه السلام نزيل سجن.
والموت هدية منكم تقدمونها للمؤمن الداعية فما هي إلا شهادة لو كنتم تعلمون.
ولكن هل بلغتم من عملكم هذا شيئًا، فإن الدعوة سائرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فمن يوم إذن رجل على هذه الأرض وتوافد الناس. وسهموا زمنًا فقام رجل واحد أيضًا ليؤذن في الناس بإذن ربه فإذا الناس إليه يهرعون وبالسماء يرتبطون فإن عزكم زهوكم في حياتكم الدنيا، فعلى الله يوم القيامة تعرضون.
معاشر الدعاة، مع إطلالة هذه الذكرى ونفحاتها العطرة عليكم من الله سلام
ودعاء إلى الباري أن يهدي الأمة الإسلامية إلى الاجتماع تحت راية واحدة عزت على الدهر فسادت الأمم
وأن تهاجر هذه الأمة إلى ربها -بعد شرود- قارعة سن الندم
وعليك يا صاحب الذكرى -في ذكرى هجرتك- سلام ما أهلت شمس بغاد وما سجد على الأرض لله ساجد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل