; مذكرات السلطان عبد الحميد | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 267

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-سبتمبر-1975

الحلقة الثانية

مذكرات السلطان عبد الحميد

ترجمة الأستاذ محمد حرب عبد الحميد

الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة عين شمس

تعليق الهوامش: محمد أحمد الراشد

     حلقة مهمة يكشف فيها عَبد الحميد اسراراً كثيرة..

     مدحت تلميذ مقلد لقانوني فرنسي دونما اجتهاد..

     عبد الحميد يركز علي برائته من دم مدحت..

 

4 مارت ١٣٣٣

 قصر بيلربي

كان مدحت باشا- حسبما أذكر- أخر وزراء ساكن الجنان والدي «1». وإذا لم يكن آخرهم فإنه من أواخرهم. اكتسب مدحت باشا تقديرنا جميعا، بحسن إدارته وتعميره لولاية الطونة، وذلك عند عودتنا من أوروبا، وكنا في معية المرحوم عمي، وكان علي قد رأى حركة التعمير في أوروبا وأعجب بها، فبمجرد دخولنا الطونة في طريق عودتنا، ذكر عمي مدحت باشـا بالخير، ودعا له.

وكان الغرض من تعيين الباشا في شورى الدولة يقصد به فتح طريق الصدارة «۲» أمامه. لكن مدحت باشا لم يستطع أن يستمر كثيرا في شورى الدولة، أو بمعنى أخر: في استانبول، لان السـلطان عبد العزيز لم يكن يحب ايلام عالي باشا، خاصة وأن إحساسه وشـعوره تجاهه قد زاد بعد عودته من أوروبا. 

كان المغفور له عمي حاكما وقورا وأظن أن لنابليون الثالث «۳» شيئا من التأثير على عمي في التزامه بمساندة عالي باشا بهذا الشكل، ولكن المرحوم عمي لم يكن يشعر أحدا أنه تحت تأثير مثل هذا.

 حضر عالي باشا ذات يوم عند السلطان عزيز، وحدثه عن الاهمية الكبيرة التي تحوزها ولاية بغداد، وعن تزايد النفوذ الشيعي «٤» فيها، ونقل له أخبارا متواترة عن زيارة سيقوم بها شاه العجم يهدف منها «العتبات» «٥»، ثم حدثه عن عدم ثقته في إدارة تقي الدين باشا للولاية، وأخيرا عرض عليه أن تسند إليه هذه الولاية.

كان عالي باشا واثقا من أن السلطان لن يبعده عن استانبول، وحدث ما توقعه بالفعل، وعلى هذا قال له: «لا أجد واليا مناسبا من بين عبيد الباشا الرئيسي». وهكذا أصبح مدحت باشا واليا لبغداد.

كانت حدود ولاية بغداد في ذلك الوقت واسعة جدا، وأظن أن مدحت باشا ظل واليا عليها أكثر من ثلاث سنوات، كنا سمعنا عن التوفيق الذي أحرزه في تعميرها وتنظيمها، وسمعنا البداية عن عدم رغبته الذهاب الى بغداد، ولكنه كان أسفا أشد الأسف عند تركه لها.

أن خلع مدحت باشا من بغداد، وتعيين الصدر الاعظم محمود ندیم باشا مكانه كان خطأ من عالي باشا فان رجلا لا يجتنب حتى عالي باشا منافسته لا بد وأن يكون خصما خطرا على محمود نديم باشا، وفعلا هذا ما حدث، فقد مر مدحت باشا قبل سفره الى ولاية ادرنة التي عين عليها، مر بأستانبول، حيث وجد طريقا استطاع بواسطته المثول بين يدي السلطان، وأسقط نديم باشا، واستطاع أن يحل محله.

مدحت باشا كان واليا جيـدا، ولكن إدارته السياسية كانت خطأ. كان كثير الاختلاط بهؤلاء الذين كان السلطان والوزراء يشتبهون فيهم. وكانت الاشاعات والأراجيف التي تشكك ليس في سلطان شرقي فحسب بل وفي أكثر حكام الشرق دستورية «٦» تخرج من فم الصدر الأعظم، ومن قصره.

تولدت فكرة خلع السلطان عبد العزيز أول ما تولدت عند حسين عوني باشا، وسبب هذا، ان السلطان نفاه من قبل الى اسبرطة.

كان المرحوم عمي وقورا، وكان كريم الظن بكل إنسان، فقد عفا عن رجل حقود مثل عوني باشا، بعد فترة قليلة، وعينه سر عسكرا «۷».

وهكذا ذهب عمي ضحية خطئه هذا.

باشتراك مدحت باشا في عملية الخلع، انتقل بذلك من مصاف رجال الحكم إلى عداد الثوار. ولا يستطيع حاكم قط أن يثق في رجل اشترك في عملية خلع حتى ولو كان الحاكم الجديد خصم حياة الحاكم القديم.

ولم يعرف قط ثائرا استطاع أن يحقق في البناء ما حققه في الهدم!

لم يكن مدحت باشا هو الصدر الاعظم وقت توليتي العرش، عينته فورا في الصدارة، لأنه كان محل ثقة واحترام الرأي العام، ولان الموقف كان يحمل في طياته حساسية وخطرا غير عادي.

وإني لواثق أن لو كان مدحت باشا صدرا أعظما حكيما ومحنكا لكان ولا شك قد استمر في الصدارة حتى ختام الحرب الروسية. وجدته ينصب من نفسه ومنذ اليوم الأول آمرا علي ووصيا، وكان في معاملته بعيدا عن المشروطية، وأقرب الى الاستبداد .

والذين يعرفون مدحت باشا عن قرب لا يكتمون عظم استبداده برأيه ومواقفه. هذا هو «رامز مثلا» من أعز أصدقاء مدحت باشا منذ أن كان واليا على الطونة، والذي أفنى عمره خارج استانبول بسبب حبه لمدحت باشا عندما كان رئيسا أول لمحكمة التمييز «۸»، وقال أثناء بحثه إحدى المسائل المعروضة على مجلس ادارة ولاية بيروت، أثناء ما كان نائبا عن بيروت المركز: «إن هذا شيء فكر فيه أساسا مدحت باشا أثناء ولايته للطونة. الباشا كان يريد الحرية لنفسه فقط، وخلاف هذا كان الباشا مستبد المستبدين.» وأثر هذا الكلام تأثيرا سيئا في أحد الوالهين بمدحت باشا دون أن يروه، ولم يتمكن من مسك زمام نفسه، فظهر عليه الغضب. لاحظ هذا رامز مثلا، فنادی- بعد انفضاض المجلس- على هذا الشخص، وقال له وهو ممسك بلحيته الطويلة البيضاء:

- أنظر يا بني، ليست متاعب الزمن وحدها التي شيبت هذه اللحية وإنما تعاونت معها محن الغربة التي قاسيتها بسبب مدحت باشا «۹» هذا الكلام الذي أزعجك الأن، قلته مرات عديدة في مواجهة الباشا. أنا رجل لا أتحدث من أجل هذا أو ذاك، وانما أنا رجل يتبع للحقيقة كلامه.

 قص علي هذا ذات يوم شخص من أهالي هذه المنطقة، بعد وفاة رامز منلا.

أصدرت المرسوم السلطاني الخاص بالقانون الأساسي أثناء صدارة مدحت باشا الثانية. ومن المعروف أن «أحرار» ذلك العهد من شعراء وأدباء اجتمعوا مساء يوم صدور مرسوم القانون الأساسي في قصر مدحت باشا، لا ليتحدثوا في أمور الدولة، بل في أمور السكر والعربدة، وهم يحتسون الخمر، ومدحت باشا يدمن الخمر منذ شبابه، ومشهور عنه هذا.

والتقت نشوة الخبر بالنشوة التي بعثها إعلان القانون الأساسي، وعندما نهض من على الاكل خرج مستندا على ذراعيه لكي لا يقع، وبينما كان يغسل يديه قال لزوج أخته طوسون باشا يؤرجح لسانه :

- يا باشا: من يستطيع هذه المرة، وبعد كل هذا أن يبعدني عن مكاني؟!.. من؟! قل لي: كم عاما سأظل في الصدارة العظمى!؟

رد عليه طوسون باشا قائلا:

- اذا بقيتم على هذا الحال فليس أكثر من أسبوع.

قال له طوسون باشا هذا الكلام وهو يدفعه إلى جناح الحريم .

أبلغت بما حدث في نفس ليلة حدوثه.

أنا لا أغض من قيمة مدحت باشا، فهو كان واليا فعالا ومستقيما. لكن بقدر مزاياه كانت فيه عيوب. لم يكن يدرك بنفس إدراك صفوت باشا وأدهم باشا فيما يوجبه الوقت من أمور سياسية.  

عندما كان واليا على الطونة، كان يشجع على تدريس اللغة البلغارية في المدارس البلغارية ويلتزم بهذا.. نبهوه إلى العواقب الوخيمة التي تؤدي إليها هذه السياسة، فقال لهم: «ليدرسوا بأي لسان». ومعروف أنه أصر على قراره، لان له لمعة ظاهرة

 كانت مسألة استشهاد السلطان عبد العزيز في يد القضاء خطوة بخطوة، ولم أتدخل في شيء سوى في تخفيف قرار الحكم بالإعدام، وإذا كان موته غير طبيعي، فليس لي دخل فيه.

بعد وفاته بعشر سنوات تقريبا، نشرت في أوروبا رسالة باللغة التركية وردت فيها مجموعة من التفصيلات والأسماء المشتركة في قتله. وإذا كان ما ورد في هذه الرسالة صحيحا، فيتضح منها أن ليس بين المشتركين في الحادثة من ينتمون لي، وأن ليس لي علاقة بها.

في الحقيقة اني كنت دائم التخوف من مدحت باشا، ولكن وقت صدور حكم المحكمة رأيت أن إنسانا معروفا بهذا القدر يستوجب ألا ينفذ فيه حكم الإعدام.

ثم ما الفائدة فيما لو قتلته؟

بكل تأكيد أنني لن أفيد شيئا إذا وضعت عدوي في مصاف الشهداء.

سأفرض أن هذه الفرية الموجهة ضدي صحيحة، وأقبلها على علاتها. فكم من خليفة محا من الوجود في لحظة كل من تخوف منه أو وجده يعمل ضده!

ألم يعدم الخليفة العباسي المنصور- وهو من أكبر الخلفاء المسلمين- أبا مسلم الخراساني، صاحب الفضل على الأسرة الدوانقية؟

 وهارون الرشيد، ألم يعدم جعفر البرمكي، وكان من أصدقائه الخلص؟

بل ولم يقتنع بهذا فقط، وانما ظلم أقاربه أيضا!

أليس هذا أخطر من معاملتي لمدحت باشا؟ خاصة وأني أكتفيت فقط باتخاذ الإجراء الاحتياطي ضد اعتداء متوقع من مدحت باشا، الذي لو وجد الفرصة لايذائي لفعل، وهو ما كنت أتوقعه.

لم ألحق أدنى ضرر برجل من رجاله على الاطلاق، وكنت أمرت بصرف مرتبه الى أسرته، بل وعينت بعض رجاله في الوظائف المختلفة التي وصلت أحيانا الى درجة الصدارة العظمى، مثل عبد الرحمن باشا، وخليل رفعت باشا، عندما رأيت صلاحيتهم. وعينت من رجاله أيضا: المشير شاكر باشا، ورائف باشا، في مراكز الدولة الهامة.

ان سرعة تنفيذ السلطان محمد الفاتح الإعدام في صدر أعظم له، جليل القدر، رقم أنه أحرز النصر للعثمانيين في موقعة فارنا، وهو خليل باشا، لم تكن سرعة التنفيذ هذه معاملة ترتكز على أسطورة خطاب تظهر منه خيانته وتحريضه الاروام على المقاومة.

وهل يمكن إنكار صلة صوقوللو محمد باشا العميقة بالسلطان مراد الثالث عندما أعدمه شهيدا!! وفي حادثة علمدار مصطفى باشا، هل قدم جدي السلطان صاحب الجلالة محمود «۱۰» خيرا الى الباشا؟

ليست هناك حاجة للبحث عن أمثلة تاريخية بعيدة هكذا. منذ أربعة أعوام قرأت في «تقويم وقائع» أن سبعة عشر رصاصة أطلقت على محمود شوکت باشا «11»، وهو صدر أعظم مهيب ووزير الحربية، فمزقته مع يأور له أربا أربا، أمام وزارة الحربية، وفي وضح النهار.

ومع علم الحكومة مقدما بمكان وساعة اغتياله، فان رجلا واحدا من رجال الشرطة أو الحرس لم يعثر له على أثر في مكان الحادث. ولو لم يكن الذي لم يتمكن من الفرار بالعربة أعرجا، فربما كان المدنيون قد اختفوا، مثلهم في ذلك مثل رجال الشرطة.

اصراري هكذا في مسألة مدحت باشا كان بسبب تأثري ونفوري جدا من ذلك العناد العام الذي يعمل على أن يبدي هذا الاسم في صورة بقعة ملصقة بحياتي.

يقولون أن مدحت باشا هو واضع القانوني الأساسي في الدولة. في الحقيقة أنه كان مؤيدا قديما للمشروطية. لكن تحيزا ظهر من كثرة تردید اسمه وذكره ومدحه في بعض الكتب.

مدحت باشا لم ير غير فوائد الحكم المشروطي في أوروبا، ولكنه لم يدرس أسباب هذه المشروطية ولا تأثيراتها الأخرى. أقراص «السلفات» لا تصلح لكل مرض أو لكل بنية، وأظن أن أصول المشروطية لا تصلح لكل شعب ولكل بنية قومية. كنت أظن أنها غير مفيدة، أما الآن فانني مقتنع بضررها.

لم يكن مدحت باشا قد درس أي قانون أساسي في أية دولة من الدول عندما اقترح على ضرورة إعلان القانون الأساسي، ولم يكن لم في هذا الموضوع فكر متأصل. كان أوديان أفندي، أستاذه الفكري «۱۲» وأودیان أفندي هذا لم يكن في ذلك الوقت أفضل مشرع عندنا، خاصة أنه لم يكن يعرف البلاد. وأظن أن عدم المعرفة هذه ذهبت مع مدحت باشا حتى قلعة الطائف.

 في عام ٩٣ أعد كل من حضرات ضياء باشا وكمال بك وعابدين باشا لائحة للقانون الاساسي، كما أعد كل من كاتب سري سعيد باشا لائحة، وناظر المدارس الحربية المشـير سليمان باشا لائحة أخرى، وقدموا لي هذه اللوائح. لم يكن بين هؤلاء السادة توافق أفكار قط. كان كمال بك معارضا لمدحت  باشا، ومعارضا مع أصدقائه لسعيد باشا، في هذا الموضوع، وقدم لي ما يقرب من عشرين عريضة، محفوظة ضمن الأوراق التي نقلت إلى وزارة الحربية من يلدز. وهذه الأوراق لا تزيد عن كونها أوراقا تاريخية، ولذلك يحدوني الأمل في ألا تكون قد نهبت أو بیعت.  

المعارضون للقانون الأساسي من طبقة الخواص كانوا أكثر من المؤيدين. كان أدهم باشا «۱۳» وكثير من الوزراء الآخرين وأصحاب النفوذ من رجال الدولة ضد إعطاء حرية كاملة لشعب من الشعوب دون تأن وإعداد، حتى أن وزيرا جريئا في الحق مثل خير الدين باشا التونسي قال لي ذات مرة عندما كان في الصدارة العظمى: «ينبغي التفكير كثيرا قبل تسليح الاجلاف بالقانون»، وهو نص تعبير خير الدين باشا.

لم أكن أستطيع الوقوف أمام تیار ذلك العهد، وقلت: «ما دامت الأمة تريد تجربة مسؤوليتها عن مقدراتها وحكم نفسها فليكن ما تريده الأمة».

واخترت من بين لوائح القوانين الأساسية لائحة مدحت باشا، وصدقت عليها بعد أن أدخلت عليها تعديلات جزئية، وأصدرت المرسوم السلطاني المعروف.

 كنت مجبرا في البداية على تفضيل لائحة مدحت باشا على لوائح الآخرين فقد كان من الضروري أن نقدم لشعب مریض أفصح بأن اسم «مدحت» يساوي بحساب الجمل «دواء الأمة» أن نقدم له الدواء الذي طلبه، ولم أکن أستطيع اسكاته بصورة اخرى.

أعد مدحت باشا العدة لحرب روسيا، وبينما كان مجلس الامة شاهدا متابعا لتيار الحرب، فقد أرادوا أن يحملوني كل الكـوارث وسوء الطالع الذي نتج عن هذه الحرب، وأن يحصروها في نطاقي.

وما زالت هـذه الاعترضات والتعرضات تتكرر هنا وهناك.

 أقرر بجبهة عالية، وأثبت بالوثائق، أن الشعب وقع على معاهدة أياستفانوس، أما أنا فقد حققت مقررات مؤتمر برلين «١٤»

واني لم أبعد عن فكري منذ جلوسي على العرش إلى يوم تركي له أن الحرب آفة تضر بالامة. كم من العتاب وجه الى من قريب ومن بعيد لانني حللت «مسألة فلبة» دون حرب وعند قبول الحرب مع اليونان فكرت كثيرا في أن المعارضين لي قلبوا الأمور وزوروها، ووضعوا تخوفاتي اللازمة والمحقة في أشكال ومعاني مختلفة.

فكرت كثيرا في موقفى من دخول هذه الحرب العامة «15»، لاني لا ألتفت لفريق دون اقتناعي اقتناعا حسابيا بانتصاره.

الحرب أكبر آفة للأمم. حتى المنتصرون فيها، فانهم يمحون أممهم ويرهقونها.

اعتقد مدحت باشا كثيرا في أن الامة تحبه حبا جما، ولم ير داعيا لكتمان: اني لو عزلته فستقوم في البلاد ثورة ضخمة، وأنه من الممكن خلعي أو حتى اعدامي.

والذي حدث عندما أبعدته إلى أوروبا: أن أحدا لم يفتح فمه، وهنأني كثير من الوزراء ورجال الدولة ونظم الشعراء القصائد في مدحي، وهجوه أيضا بالقصائد، ونشروها في الصحف والكتب، ومن بين هؤلاء الغازي أحمد مختار باشا، الذي يعترف في مذكراته التي نشرها أخيرا، وبعد مرور ما يقرب من الثلاثين عاما على هذا الحادث، بمغامرة له متفرعة من هذه المسألة.

لم أكن أرى أنه من اللائق التحدث في هذه المسألة هنا، لو لم يكن مدحت باشا قد أبدى هذه الدرجة من السذاجة. ولا أود التحدث عن مدى جدارة أمة بالحكم المشروطي يصمت عوامها ويقدم خواصها الشكر عند أبعاد ولي نعمتها الذي أعطاها الحرية ولم يجف بعد مداد صنيعه!!

والذين أعلنوا اني أعظم مناصر للحكم الاستبدادي، واني أكبر مستبد في العالم، لا شك أنهم سيعترفون بالحقيقة بعد موتي، وسيتراجعون عن موقفهم تجاهي.

يسألون: لماذا حاكمت وأدنت مدحت باشا؟

ويقصدون: مؤاخذتي!!

هنا حادثة محددة، وليست متوهمة، وهي وفاة المرحوم عمي الدامية. هل انتحر السلطان عبد العزيز أم قتلوه فاستشهد؟

اني مقتنع الآن بأن عمي العزيز لم يمت منتحرا، بل مقتولا.

أولا: تقرير الطبيب مطاط جدا، ويمكن مناقشته بواسطة أكبر علماء الطب في العالم. كيف يستطيع منتحر أن يقطع شرايين ذراعيه الاثنتين؟ لقد لفت هذا انتباه الأطباء في ذلك الوقت، وتناوله الأدباء في كتبهم.

سطور مشبوهة في كتاب «أس الانقلاب» للمرحوم أحمد مدحت أفندي نشرت قبل محاكم باشا وإدانته بحوالي أربع سنوات.

وأحمد مدحت أفندي لم يكن عدوا للباشا، بل كان من رجاله، من عبيده.

 أجريت المحاكمة علانية. لم تسبقها معاملة على خلاف أصول المحاكمات، وبجانب الشهود توجد اقرارات بعض المجرمين.

الادعاء بأن أعضاء ودوائر محكمة الجنايات والتمييز مهملين وفاقدي الضمير بالدرجة التي ينحرفون فيها عن العدل والحق في مسألة هامة مثل هذه المسألة: ادعاء من شأنه تحقير كل الامة التي مدحت باشا فرد من أفرادها.

طلبت تشكيل هيئة على مستوى عال من الوزراء وعلماء الدين لكي تطلع على حكم أخذ مجراه في المحاكم وتبحثه. لم أمارس ضغطا على أحد سواء ماديا أو أدبيا، حتى أن بعض أفراد هذه الهيئة كان ثابتا على أفكاره بغاية الحرية. وإذا راعينا الدقة، فإن بعضهم عرض حتى بشخصي على كل حال، فان الاصوات المتجمعة لم تستطع أن تكون أغلبية لصالح المتهمين، وكنت في هذا الخصوص أكثر انصافا من هذه الهيئة المكونة من أعاظم رجال الدولة، ورحمت حياة المتهمين، ولم ينفذ حكم الإعدام في أحد منهم.

أورد دليلا عقليا أقوى من تقرير الطبيب ومن حكم المحكمة:

كان السر عسكر حسين عوني باشا هو صاحب فكرة خلع السلطان عبد العزيز، وقد زج حسين عوني باشا بمدحت باشا وببقية المشتركين في عملية الخلع. سبب خصومة السر عسكر للسلطان: أن السلطان جرده ذات يوم من رتبته ونياشينه، ونفاه مقهورا الى بلدته اسبرطة. 

ولم ينس هذا حسين عوني باشا الحقود، بل انتقم له في أول فرصة.

أما الإسراف وغير ذلك فترهات وكذب. حسين عوني باشا أظهر أثناء عملية شراء بنادق «مارتيني هنري» أنه شخص غير متعصب أمام الأضرار بالخزينة «١٦» وبقدر ما كان حسين عوني باشا حقودا بقدر ما كان محتاطا. أنه لم يكن يريد للسلطان عزيز الانتحار، بل كان يريد له الحياة ليرى في السلطان يوما يشفى فيه منه. ويبرهن على هذا أيضا، ذلك الخطاب المحزن الذى أرسله من طوب قابي إلى السلطان مراد. وليس هناك من حاكم مخلوع يود الموت قبل أن يرى ويسمع شعبه وهو يبحث عنه بندم.

مرض السلطان مراد كان محسوما ومشاهدا منذ اليوم الأول لمراسم البيعة له. أخذ السلطان مراد على غرة. الموالون له كثيرون جدا. رأی السر عسكر الخبيث غداة الخلع أن رد فعل كبير سيحدث لصالـح السلطان عبد العزيز خلال مدة قليلة. لذلك رأى وجوب إزالة الخطر بأي صورة من الصور. وهذا هو السبب الذي أدى الى حادث استشهاد السلطان عبد العزيز.

بعد التحقق من أن ما وقع كان قتلا ولم يكن انتحارا، تأتي في الدرجة الثانية مسألة وجود أو عدم وجود أبرياء بين المتهمين.

«تذكرت الآن وبعد كتابة هذه الأسطر مسألة أود تسجيلها قبل نسيانها. كان كل من حسين عوني باشا ومدحت باشا ورفاقهما في الحادث ينتظرون بحماس مجيء طلاب المدرسة الحربية في «موقت خانه» قي «بشيك طاش». حينها تصوروا أن الساعة المتفق عليها جاءت ومرت فتحدثوا مع بعضهم البعض قائلين: «آه.. سليمان باشا اتفق معنا ثم خاننا.».

هذه الحادثة حقيقية، ولا يستطيع أحد إنكارها.

نعم إن مسألة وجود أو عدم وجود بريء بين المتهمين تأتي في المرتبة الثانية بعد ظهور أن الجرم لم يحرف أو يفتات. وإذا ظهر نسيان فمرده إلى قضاتهم.

يدعون أن مدحت باشا ومحمود باشا خنقا ذات ليلة في سجون قلعة الطائف بأيدي ضباط وجنود معروفين بالاسم حتى لو كان هذا صحيحا، فليس لي دخل فيه، وحتى لا أرضى عنه.

أنقل هذا واقعة خطرت على بالي كما هي، أريد بذلك أن ألقي الضوء على التاريخ، وأؤيد واقعة ادعائي بالتاريخ.

كان أمير مكة وقت ارسال المتهمين إلى الطائف هو الشريف عبد المطلب. كانت عداوة الشريف لأركان عملية الخلع، وخاصة مدحت باشا، صريحة وواضحة. سمعت أنه ضرب القيود الحديدية على أقدامهم فأمرت فورا بتجنيبهم سوء المعاملة. وعلى ما هو معروف، فان والـي الحجاز وقائده عثمان باشا اعتقل الشريف عبد المطلب، وعزله من الإمارة.

كتب الى الشريف عريضة في ذلك الوقت قال فيها: إن محاولة حدثت من بعض الأجانب لتهريب مدحت باشا ومحمود باشا الى مصر، وأنه منع هذا التدخل، والمعاملة التي لاقاها كانت بسبب هذا.

لم أصدق كلمة واحدة من كلام الشريف عبد المطلب، ومع هذا فإن ادعاءه لم يكن خاليا من الاهمية بالقدر الذي يحدو بي الى اهماله. أخطرت عثمان باشا بأنه في حالة هروب هذين الباشوين، فاني سأسائل الحرس شخصيا، ولن أقبل في هذا الامر عذرا أو تعليلا.

أبلغ رضا باشا سكرتيري في ذلك الوقت ارادتي إلى عثمان باشا.

ورضا باشا كان رجلا جادا في شخصيته، جادا في كلامه. وقد استأذن مني في هذه المناسبة أن ينبه بعدم ايذاء المتهمين أو الضغط عليهم كثيرا، مراعاة لما تقتضيه الإنسانية، وقد استصوبت كلامه بتقدير. ولا بد أن مسودة هذا موجودة بين أوراق القصر الآن.

أفكر الان أن ربما سيكون الحراس قد خافوا من رؤسائهم ورأوا من المناسب تنفيذ الأمر الواقع، وأن ذلك يتوافق مع منفعتهم وسلامتهم. إنما أردف قائلا: إن التقاير التي جاءتني تقول: أن ميتة الاثنين طبيعية، ومرفق بها شهادات الأطباء «۱۷»

هذا ما أردت التحدث به عن مدحت باشا، وأعود فأكرر أنني كتبت هذه الأسطر، ليس من أجل ذاتي، وإنما من أجل حماية اسمي من هجاء غير عادل.

ليس معروفا كم سأعيش بعد هذا فالموت يقترب مني، وأحس بوقع أقدامه. وإذا أيقنت أن يوما سيأتي يعرف فيه كل شخص هذه الحقائق فإني أموت وأقابل ربي الذي أؤمن به دائما وأثق في عدله وألطافه بضمير مستريح.   

          ___________________________

 «1» السلطان عبد المجيد.

«۲» الصدارة العظمى تقابل رئاسة الوزراء اليوم.

«۳» حاكم فرنسا آنذاك، وهو غير نابليون الفاتح، وبينهما أكثر من نصف قرن.

«4» هذه النصيحة لها أهمية مضاعفة في عرف العثمانيين، فإنهم أصحاب صلابة في حمل العقيدة السنية، إضافة للمعنى السياسي المقترن بذلك، نظرا للمنافسة القائمة عبر القرون بين الدولة العثمانية والدول الفارسية الشيعية،

«5» أي قبر علي رضي الله عنه بالنجف، وقبري الحسين والعباس ابني علي بكربلاء، وقبري علي الهادي والحسن العسكري بسامراء.

«6» ليس هذا تبجحا من عبد الحميد واسرافا في وصف نفسه أو وصف عمه عبد العزيز، فإن تحليل التاريخ لا بد يضبط بنظرات نسبية، ومن الخطأ تحليله وفق الوقائع الحاضرة والأعراف السياسية السائدة هذا اليوم.

ونظرة واحدة على الاستبداد المطلق والظلم الذي كان يلف أباطرة اليابان والصين، وقياصرة روسيا، وملوك الهند، وشاهات العجم، كافية لأن ترينا امتياز العثمانيين عليهم، وحيازتهم صنوفا من العدل والرحمة بالرعية، والنزول عند أحكام الشريعة الاسلامية وافتاءات الفقهاء السياسية، تجعلهم أقرب الى العرف الدستوري من أولئك.

«7» رتبة سر عسكر تقابل وزير الحربية اليوم.

«8» تقابل محكمة النقض والإبرام بمصر، ولا زال هذا الاصطلاح العثماني الجيد سائدا في العراق وسوريا وغيرهما.

«9» أى الأذى الذي ناله بسبب حبه لمدحت وانتصاره له الراشد

«10» السلطان محمود الثاني، وهو مشهور بمذبحة اللانكشارية والقضاء عليها.

«11» محمود شوکت سليمان أحد أبناء عائلة جورجية استوطنت بغداد منذ قرنين، وكان من كبار الانقلابيين على عبد الحميد، وهو الذي تولى قيادة فيلق الحركة الذي احتل استانبول وأخمد الثورة المناصرة لعبد الحميد، ثم صار رئيسا للوزراء، لكنه انسحب من حزب الاتحاد والترقي، وتزعم حزب الائتلاف المنافس لأنور ونيازي، فدبروا قتله سنة ۱۹۱3. وكان أبوه سليمان فائق من كبار موظفي ولاية بغداد، ومن أشهر المؤرخين البلغاء لحوادث العراق، وولده الاصغر حكمت سلیمان سیاسی معروف في العهد الملكي في العراق، وتولى رئاسة الوزراء أيام انقلاب بكر صدقي سنة ١٩٣٦، وناصر الاتجاه الشيوعي المترعرع في العراق آنذاك، وتعاطف مع الثورة الشيعية في الفرات الاوسط

«12» في هذه الإشارة البارعة من عبد الحميد لتلمذة مدحت لهذا القانوني الفرنسي المعار للدولة العثمانية، كفاية لدعاة الإسلام لتلمس طبيعة الصراع الفكري العقائدي بين خليفة امتلأ توقيرا للشريعة، ووزير متفلت منها، غربي النزعة والتربية.

«13» عمل صدرا أعظما، وكان مدرسا للسلطان عبد المجيد.

 «14» عقد مؤتمر برلين في أعقاب الحرب العثمانية الروسية، واستطاع الوفد المفاوض أن يضيق حجم المكاسب الروسية.

«15» الحرب العالمية الأولى 1914– 1918

«16» ورع عبد الحميد يمنعه من اتهام عوني بالارتشاء، بلا دليل واضح، وما هو إلا خلق الارتشاء الذي مازال يظهر في رجال الدول بين الحين والآخر. أفليست هي صدمة كبيرة لعبد العزیز تبرر له استرداد نياشین استعجل في أغداقها على نفس ضعيفة ليست أهلا لها؟

«17» تنبيه عبد الحميد على ما في هذه القرينة من دليل يبرؤه يعد استطرادا ضعيفا في الاحتجاج، إذ لا يبلغ الخوف بالحراس إلى القتل، ولا يفتقد القاتل المتنفذ طبيبا يزوده بتقرير يبعد الشبهة. والا ظهر عندنا مارجحناه سابقا من قتل عملاء الدول الكبرى لمدحت، ليتيحوا لأنفسهم التعامل مع طبقة من الثوار الشباب هم أطوع في أيديهم وأسلس وأبعد انقيادا. ولا تنفي ذلك قصة محاولة اختطافه من الطائف وتهريبه الى مصر، فان ذكر مصر يصرف الذهن إلى أن المحاولة انكليزية، وسيحدثنا عبد الحميد عن أن ثوار سالونيك، الذين يوجههم المحفل الماسوني الالماني هم الذين نجحوا في الانقلاب عليه، مما لا يبعد معه أن يكون للألمان ضلع بمقتل مدحت، لسهولة سيطرتهم على الشباب، التي ذكرناها أنفا، بقابل استبداد مدحت وغطرسته، وللهوى الفرنسي الانكليزي المستولي على مدحت، المبعد له عن ألمانيا، ومازال التنافس بين الأجنحة تبعا لارتباطاتها بالمعسكرات الدولية قائما على أشده بين مجاميع الثوار وأحزاب اليوم كما كان زمن مدحت.الحلقة الثانية

مذكرات السلطان عبد الحميد

ترجمة الأستاذ محمد حرب عبد الحميد

الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة عين شمس

تعليق الهوامش: محمد أحمد الراشد

     حلقة مهمة يكشف فيها عَبد الحميد اسراراً كثيرة..

     مدحت تلميذ مقلد لقانوني فرنسي دونما اجتهاد..

     عبد الحميد يركز علي برائته من دم مدحت..

 

4 مارت ١٣٣٣

 قصر بيلربي

كان مدحت باشا- حسبما أذكر- أخر وزراء ساكن الجنان والدي «1». وإذا لم يكن آخرهم فإنه من أواخرهم. اكتسب مدحت باشا تقديرنا جميعا، بحسن إدارته وتعميره لولاية الطونة، وذلك عند عودتنا من أوروبا، وكنا في معية المرحوم عمي، وكان علي قد رأى حركة التعمير في أوروبا وأعجب بها، فبمجرد دخولنا الطونة في طريق عودتنا، ذكر عمي مدحت باشـا بالخير، ودعا له.

وكان الغرض من تعيين الباشا في شورى الدولة يقصد به فتح طريق الصدارة «۲» أمامه. لكن مدحت باشا لم يستطع أن يستمر كثيرا في شورى الدولة، أو بمعنى أخر: في استانبول، لان السـلطان عبد العزيز لم يكن يحب ايلام عالي باشا، خاصة وأن إحساسه وشـعوره تجاهه قد زاد بعد عودته من أوروبا. 

كان المغفور له عمي حاكما وقورا وأظن أن لنابليون الثالث «۳» شيئا من التأثير على عمي في التزامه بمساندة عالي باشا بهذا الشكل، ولكن المرحوم عمي لم يكن يشعر أحدا أنه تحت تأثير مثل هذا.

 حضر عالي باشا ذات يوم عند السلطان عزيز، وحدثه عن الاهمية الكبيرة التي تحوزها ولاية بغداد، وعن تزايد النفوذ الشيعي «٤» فيها، ونقل له أخبارا متواترة عن زيارة سيقوم بها شاه العجم يهدف منها «العتبات» «٥»، ثم حدثه عن عدم ثقته في إدارة تقي الدين باشا للولاية، وأخيرا عرض عليه أن تسند إليه هذه الولاية.

كان عالي باشا واثقا من أن السلطان لن يبعده عن استانبول، وحدث ما توقعه بالفعل، وعلى هذا قال له: «لا أجد واليا مناسبا من بين عبيد الباشا الرئيسي». وهكذا أصبح مدحت باشا واليا لبغداد.

كانت حدود ولاية بغداد في ذلك الوقت واسعة جدا، وأظن أن مدحت باشا ظل واليا عليها أكثر من ثلاث سنوات، كنا سمعنا عن التوفيق الذي أحرزه في تعميرها وتنظيمها، وسمعنا البداية عن عدم رغبته الذهاب الى بغداد، ولكنه كان أسفا أشد الأسف عند تركه لها.

أن خلع مدحت باشا من بغداد، وتعيين الصدر الاعظم محمود ندیم باشا مكانه كان خطأ من عالي باشا فان رجلا لا يجتنب حتى عالي باشا منافسته لا بد وأن يكون خصما خطرا على محمود نديم باشا، وفعلا هذا ما حدث، فقد مر مدحت باشا قبل سفره الى ولاية ادرنة التي عين عليها، مر بأستانبول، حيث وجد طريقا استطاع بواسطته المثول بين يدي السلطان، وأسقط نديم باشا، واستطاع أن يحل محله.

مدحت باشا كان واليا جيـدا، ولكن إدارته السياسية كانت خطأ. كان كثير الاختلاط بهؤلاء الذين كان السلطان والوزراء يشتبهون فيهم. وكانت الاشاعات والأراجيف التي تشكك ليس في سلطان شرقي فحسب بل وفي أكثر حكام الشرق دستورية «٦» تخرج من فم الصدر الأعظم، ومن قصره.

تولدت فكرة خلع السلطان عبد العزيز أول ما تولدت عند حسين عوني باشا، وسبب هذا، ان السلطان نفاه من قبل الى اسبرطة.

كان المرحوم عمي وقورا، وكان كريم الظن بكل إنسان، فقد عفا عن رجل حقود مثل عوني باشا، بعد فترة قليلة، وعينه سر عسكرا «۷».

وهكذا ذهب عمي ضحية خطئه هذا.

باشتراك مدحت باشا في عملية الخلع، انتقل بذلك من مصاف رجال الحكم إلى عداد الثوار. ولا يستطيع حاكم قط أن يثق في رجل اشترك في عملية خلع حتى ولو كان الحاكم الجديد خصم حياة الحاكم القديم.

ولم يعرف قط ثائرا استطاع أن يحقق في البناء ما حققه في الهدم!

لم يكن مدحت باشا هو الصدر الاعظم وقت توليتي العرش، عينته فورا في الصدارة، لأنه كان محل ثقة واحترام الرأي العام، ولان الموقف كان يحمل في طياته حساسية وخطرا غير عادي.

وإني لواثق أن لو كان مدحت باشا صدرا أعظما حكيما ومحنكا لكان ولا شك قد استمر في الصدارة حتى ختام الحرب الروسية. وجدته ينصب من نفسه ومنذ اليوم الأول آمرا علي ووصيا، وكان في معاملته بعيدا عن المشروطية، وأقرب الى الاستبداد .

والذين يعرفون مدحت باشا عن قرب لا يكتمون عظم استبداده برأيه ومواقفه. هذا هو «رامز مثلا» من أعز أصدقاء مدحت باشا منذ أن كان واليا على الطونة، والذي أفنى عمره خارج استانبول بسبب حبه لمدحت باشا عندما كان رئيسا أول لمحكمة التمييز «۸»، وقال أثناء بحثه إحدى المسائل المعروضة على مجلس ادارة ولاية بيروت، أثناء ما كان نائبا عن بيروت المركز: «إن هذا شيء فكر فيه أساسا مدحت باشا أثناء ولايته للطونة. الباشا كان يريد الحرية لنفسه فقط، وخلاف هذا كان الباشا مستبد المستبدين.» وأثر هذا الكلام تأثيرا سيئا في أحد الوالهين بمدحت باشا دون أن يروه، ولم يتمكن من مسك زمام نفسه، فظهر عليه الغضب. لاحظ هذا رامز مثلا، فنادی- بعد انفضاض المجلس- على هذا الشخص، وقال له وهو ممسك بلحيته الطويلة البيضاء:

- أنظر يا بني، ليست متاعب الزمن وحدها التي شيبت هذه اللحية وإنما تعاونت معها محن الغربة التي قاسيتها بسبب مدحت باشا «۹» هذا الكلام الذي أزعجك الأن، قلته مرات عديدة في مواجهة الباشا. أنا رجل لا أتحدث من أجل هذا أو ذاك، وانما أنا رجل يتبع للحقيقة كلامه.

 قص علي هذا ذات يوم شخص من أهالي هذه المنطقة، بعد وفاة رامز منلا.

أصدرت المرسوم السلطاني الخاص بالقانون الأساسي أثناء صدارة مدحت باشا الثانية. ومن المعروف أن «أحرار» ذلك العهد من شعراء وأدباء اجتمعوا مساء يوم صدور مرسوم القانون الأساسي في قصر مدحت باشا، لا ليتحدثوا في أمور الدولة، بل في أمور السكر والعربدة، وهم يحتسون الخمر، ومدحت باشا يدمن الخمر منذ شبابه، ومشهور عنه هذا.

والتقت نشوة الخبر بالنشوة التي بعثها إعلان القانون الأساسي، وعندما نهض من على الاكل خرج مستندا على ذراعيه لكي لا يقع، وبينما كان يغسل يديه قال لزوج أخته طوسون باشا يؤرجح لسانه :

- يا باشا: من يستطيع هذه المرة، وبعد كل هذا أن يبعدني عن مكاني؟!.. من؟! قل لي: كم عاما سأظل في الصدارة العظمى!؟

رد عليه طوسون باشا قائلا:

- اذا بقيتم على هذا الحال فليس أكثر من أسبوع.

قال له طوسون باشا هذا الكلام وهو يدفعه إلى جناح الحريم .

أبلغت بما حدث في نفس ليلة حدوثه.

أنا لا أغض من قيمة مدحت باشا، فهو كان واليا فعالا ومستقيما. لكن بقدر مزاياه كانت فيه عيوب. لم يكن يدرك بنفس إدراك صفوت باشا وأدهم باشا فيما يوجبه الوقت من أمور سياسية.  

عندما كان واليا على الطونة، كان يشجع على تدريس اللغة البلغارية في المدارس البلغارية ويلتزم بهذا.. نبهوه إلى العواقب الوخيمة التي تؤدي إليها هذه السياسة، فقال لهم: «ليدرسوا بأي لسان». ومعروف أنه أصر على قراره، لان له لمعة ظاهرة

 كانت مسألة استشهاد السلطان عبد العزيز في يد القضاء خطوة بخطوة، ولم أتدخل في شيء سوى في تخفيف قرار الحكم بالإعدام، وإذا كان موته غير طبيعي، فليس لي دخل فيه.

بعد وفاته بعشر سنوات تقريبا، نشرت في أوروبا رسالة باللغة التركية وردت فيها مجموعة من التفصيلات والأسماء المشتركة في قتله. وإذا كان ما ورد في هذه الرسالة صحيحا، فيتضح منها أن ليس بين المشتركين في الحادثة من ينتمون لي، وأن ليس لي علاقة بها.

في الحقيقة اني كنت دائم التخوف من مدحت باشا، ولكن وقت صدور حكم المحكمة رأيت أن إنسانا معروفا بهذا القدر يستوجب ألا ينفذ فيه حكم الإعدام.

ثم ما الفائدة فيما لو قتلته؟

بكل تأكيد أنني لن أفيد شيئا إذا وضعت عدوي في مصاف الشهداء.

سأفرض أن هذه الفرية الموجهة ضدي صحيحة، وأقبلها على علاتها. فكم من خليفة محا من الوجود في لحظة كل من تخوف منه أو وجده يعمل ضده!

ألم يعدم الخليفة العباسي المنصور- وهو من أكبر الخلفاء المسلمين- أبا مسلم الخراساني، صاحب الفضل على الأسرة الدوانقية؟

 وهارون الرشيد، ألم يعدم جعفر البرمكي، وكان من أصدقائه الخلص؟

بل ولم يقتنع بهذا فقط، وانما ظلم أقاربه أيضا!

أليس هذا أخطر من معاملتي لمدحت باشا؟ خاصة وأني أكتفيت فقط باتخاذ الإجراء الاحتياطي ضد اعتداء متوقع من مدحت باشا، الذي لو وجد الفرصة لايذائي لفعل، وهو ما كنت أتوقعه.

لم ألحق أدنى ضرر برجل من رجاله على الاطلاق، وكنت أمرت بصرف مرتبه الى أسرته، بل وعينت بعض رجاله في الوظائف المختلفة التي وصلت أحيانا الى درجة الصدارة العظمى، مثل عبد الرحمن باشا، وخليل رفعت باشا، عندما رأيت صلاحيتهم. وعينت من رجاله أيضا: المشير شاكر باشا، ورائف باشا، في مراكز الدولة الهامة.

ان سرعة تنفيذ السلطان محمد الفاتح الإعدام في صدر أعظم له، جليل القدر، رقم أنه أحرز النصر للعثمانيين في موقعة فارنا، وهو خليل باشا، لم تكن سرعة التنفيذ هذه معاملة ترتكز على أسطورة خطاب تظهر منه خيانته وتحريضه الاروام على المقاومة.

وهل يمكن إنكار صلة صوقوللو محمد باشا العميقة بالسلطان مراد الثالث عندما أعدمه شهيدا!! وفي حادثة علمدار مصطفى باشا، هل قدم جدي السلطان صاحب الجلالة محمود «۱۰» خيرا الى الباشا؟

ليست هناك حاجة للبحث عن أمثلة تاريخية بعيدة هكذا. منذ أربعة أعوام قرأت في «تقويم وقائع» أن سبعة عشر رصاصة أطلقت على محمود شوکت باشا «11»، وهو صدر أعظم مهيب ووزير الحربية، فمزقته مع يأور له أربا أربا، أمام وزارة الحربية، وفي وضح النهار.

ومع علم الحكومة مقدما بمكان وساعة اغتياله، فان رجلا واحدا من رجال الشرطة أو الحرس لم يعثر له على أثر في مكان الحادث. ولو لم يكن الذي لم يتمكن من الفرار بالعربة أعرجا، فربما كان المدنيون قد اختفوا، مثلهم في ذلك مثل رجال الشرطة.

اصراري هكذا في مسألة مدحت باشا كان بسبب تأثري ونفوري جدا من ذلك العناد العام الذي يعمل على أن يبدي هذا الاسم في صورة بقعة ملصقة بحياتي.

يقولون أن مدحت باشا هو واضع القانوني الأساسي في الدولة. في الحقيقة أنه كان مؤيدا قديما للمشروطية. لكن تحيزا ظهر من كثرة تردید اسمه وذكره ومدحه في بعض الكتب.

مدحت باشا لم ير غير فوائد الحكم المشروطي في أوروبا، ولكنه لم يدرس أسباب هذه المشروطية ولا تأثيراتها الأخرى. أقراص «السلفات» لا تصلح لكل مرض أو لكل بنية، وأظن أن أصول المشروطية لا تصلح لكل شعب ولكل بنية قومية. كنت أظن أنها غير مفيدة، أما الآن فانني مقتنع بضررها.

لم يكن مدحت باشا قد درس أي قانون أساسي في أية دولة من الدول عندما اقترح على ضرورة إعلان القانون الأساسي، ولم يكن لم في هذا الموضوع فكر متأصل. كان أوديان أفندي، أستاذه الفكري «۱۲» وأودیان أفندي هذا لم يكن في ذلك الوقت أفضل مشرع عندنا، خاصة أنه لم يكن يعرف البلاد. وأظن أن عدم المعرفة هذه ذهبت مع مدحت باشا حتى قلعة الطائف.

 في عام ٩٣ أعد كل من حضرات ضياء باشا وكمال بك وعابدين باشا لائحة للقانون الاساسي، كما أعد كل من كاتب سري سعيد باشا لائحة، وناظر المدارس الحربية المشـير سليمان باشا لائحة أخرى، وقدموا لي هذه اللوائح. لم يكن بين هؤلاء السادة توافق أفكار قط. كان كمال بك معارضا لمدحت  باشا، ومعارضا مع أصدقائه لسعيد باشا، في هذا الموضوع، وقدم لي ما يقرب من عشرين عريضة، محفوظة ضمن الأوراق التي نقلت إلى وزارة الحربية من يلدز. وهذه الأوراق لا تزيد عن كونها أوراقا تاريخية، ولذلك يحدوني الأمل في ألا تكون قد نهبت أو بیعت.  

المعارضون للقانون الأساسي من طبقة الخواص كانوا أكثر من المؤيدين. كان أدهم باشا «۱۳» وكثير من الوزراء الآخرين وأصحاب النفوذ من رجال الدولة ضد إعطاء حرية كاملة لشعب من الشعوب دون تأن وإعداد، حتى أن وزيرا جريئا في الحق مثل خير الدين باشا التونسي قال لي ذات مرة عندما كان في الصدارة العظمى: «ينبغي التفكير كثيرا قبل تسليح الاجلاف بالقانون»، وهو نص تعبير خير الدين باشا.

لم أكن أستطيع الوقوف أمام تیار ذلك العهد، وقلت: «ما دامت الأمة تريد تجربة مسؤوليتها عن مقدراتها وحكم نفسها فليكن ما تريده الأمة».

واخترت من بين لوائح القوانين الأساسية لائحة مدحت باشا، وصدقت عليها بعد أن أدخلت عليها تعديلات جزئية، وأصدرت المرسوم السلطاني المعروف.

 كنت مجبرا في البداية على تفضيل لائحة مدحت باشا على لوائح الآخرين فقد كان من الضروري أن نقدم لشعب مریض أفصح بأن اسم «مدحت» يساوي بحساب الجمل «دواء الأمة» أن نقدم له الدواء الذي طلبه، ولم أکن أستطيع اسكاته بصورة اخرى.

أعد مدحت باشا العدة لحرب روسيا، وبينما كان مجلس الامة شاهدا متابعا لتيار الحرب، فقد أرادوا أن يحملوني كل الكـوارث وسوء الطالع الذي نتج عن هذه الحرب، وأن يحصروها في نطاقي.

وما زالت هـذه الاعترضات والتعرضات تتكرر هنا وهناك.

 أقرر بجبهة عالية، وأثبت بالوثائق، أن الشعب وقع على معاهدة أياستفانوس، أما أنا فقد حققت مقررات مؤتمر برلين «١٤»

واني لم أبعد عن فكري منذ جلوسي على العرش إلى يوم تركي له أن الحرب آفة تضر بالامة. كم من العتاب وجه الى من قريب ومن بعيد لانني حللت «مسألة فلبة» دون حرب وعند قبول الحرب مع اليونان فكرت كثيرا في أن المعارضين لي قلبوا الأمور وزوروها، ووضعوا تخوفاتي اللازمة والمحقة في أشكال ومعاني مختلفة.

فكرت كثيرا في موقفى من دخول هذه الحرب العامة «15»، لاني لا ألتفت لفريق دون اقتناعي اقتناعا حسابيا بانتصاره.

الحرب أكبر آفة للأمم. حتى المنتصرون فيها، فانهم يمحون أممهم ويرهقونها.

اعتقد مدحت باشا كثيرا في أن الامة تحبه حبا جما، ولم ير داعيا لكتمان: اني لو عزلته فستقوم في البلاد ثورة ضخمة، وأنه من الممكن خلعي أو حتى اعدامي.

والذي حدث عندما أبعدته إلى أوروبا: أن أحدا لم يفتح فمه، وهنأني كثير من الوزراء ورجال الدولة ونظم الشعراء القصائد في مدحي، وهجوه أيضا بالقصائد، ونشروها في الصحف والكتب، ومن بين هؤلاء الغازي أحمد مختار باشا، الذي يعترف في مذكراته التي نشرها أخيرا، وبعد مرور ما يقرب من الثلاثين عاما على هذا الحادث، بمغامرة له متفرعة من هذه المسألة.

لم أكن أرى أنه من اللائق التحدث في هذه المسألة هنا، لو لم يكن مدحت باشا قد أبدى هذه الدرجة من السذاجة. ولا أود التحدث عن مدى جدارة أمة بالحكم المشروطي يصمت عوامها ويقدم خواصها الشكر عند أبعاد ولي نعمتها الذي أعطاها الحرية ولم يجف بعد مداد صنيعه!!

والذين أعلنوا اني أعظم مناصر للحكم الاستبدادي، واني أكبر مستبد في العالم، لا شك أنهم سيعترفون بالحقيقة بعد موتي، وسيتراجعون عن موقفهم تجاهي.

يسألون: لماذا حاكمت وأدنت مدحت باشا؟

ويقصدون: مؤاخذتي!!

هنا حادثة محددة، وليست متوهمة، وهي وفاة المرحوم عمي الدامية. هل انتحر السلطان عبد العزيز أم قتلوه فاستشهد؟

اني مقتنع الآن بأن عمي العزيز لم يمت منتحرا، بل مقتولا.

أولا: تقرير الطبيب مطاط جدا، ويمكن مناقشته بواسطة أكبر علماء الطب في العالم. كيف يستطيع منتحر أن يقطع شرايين ذراعيه الاثنتين؟ لقد لفت هذا انتباه الأطباء في ذلك الوقت، وتناوله الأدباء في كتبهم.

سطور مشبوهة في كتاب «أس الانقلاب» للمرحوم أحمد مدحت أفندي نشرت قبل محاكم باشا وإدانته بحوالي أربع سنوات.

وأحمد مدحت أفندي لم يكن عدوا للباشا، بل كان من رجاله، من عبيده.

 أجريت المحاكمة علانية. لم تسبقها معاملة على خلاف أصول المحاكمات، وبجانب الشهود توجد اقرارات بعض المجرمين.

الادعاء بأن أعضاء ودوائر محكمة الجنايات والتمييز مهملين وفاقدي الضمير بالدرجة التي ينحرفون فيها عن العدل والحق في مسألة هامة مثل هذه المسألة: ادعاء من شأنه تحقير كل الامة التي مدحت باشا فرد من أفرادها.

طلبت تشكيل هيئة على مستوى عال من الوزراء وعلماء الدين لكي تطلع على حكم أخذ مجراه في المحاكم وتبحثه. لم أمارس ضغطا على أحد سواء ماديا أو أدبيا، حتى أن بعض أفراد هذه الهيئة كان ثابتا على أفكاره بغاية الحرية. وإذا راعينا الدقة، فإن بعضهم عرض حتى بشخصي على كل حال، فان الاصوات المتجمعة لم تستطع أن تكون أغلبية لصالح المتهمين، وكنت في هذا الخصوص أكثر انصافا من هذه الهيئة المكونة من أعاظم رجال الدولة، ورحمت حياة المتهمين، ولم ينفذ حكم الإعدام في أحد منهم.

أورد دليلا عقليا أقوى من تقرير الطبيب ومن حكم المحكمة:

كان السر عسكر حسين عوني باشا هو صاحب فكرة خلع السلطان عبد العزيز، وقد زج حسين عوني باشا بمدحت باشا وببقية المشتركين في عملية الخلع. سبب خصومة السر عسكر للسلطان: أن السلطان جرده ذات يوم من رتبته ونياشينه، ونفاه مقهورا الى بلدته اسبرطة. 

ولم ينس هذا حسين عوني باشا الحقود، بل انتقم له في أول فرصة.

أما الإسراف وغير ذلك فترهات وكذب. حسين عوني باشا أظهر أثناء عملية شراء بنادق «مارتيني هنري» أنه شخص غير متعصب أمام الأضرار بالخزينة «١٦» وبقدر ما كان حسين عوني باشا حقودا بقدر ما كان محتاطا. أنه لم يكن يريد للسلطان عزيز الانتحار، بل كان يريد له الحياة ليرى في السلطان يوما يشفى فيه منه. ويبرهن على هذا أيضا، ذلك الخطاب المحزن الذى أرسله من طوب قابي إلى السلطان مراد. وليس هناك من حاكم مخلوع يود الموت قبل أن يرى ويسمع شعبه وهو يبحث عنه بندم.

مرض السلطان مراد كان محسوما ومشاهدا منذ اليوم الأول لمراسم البيعة له. أخذ السلطان مراد على غرة. الموالون له كثيرون جدا. رأی السر عسكر الخبيث غداة الخلع أن رد فعل كبير سيحدث لصالـح السلطان عبد العزيز خلال مدة قليلة. لذلك رأى وجوب إزالة الخطر بأي صورة من الصور. وهذا هو السبب الذي أدى الى حادث استشهاد السلطان عبد العزيز.

بعد التحقق من أن ما وقع كان قتلا ولم يكن انتحارا، تأتي في الدرجة الثانية مسألة وجود أو عدم وجود أبرياء بين المتهمين.

«تذكرت الآن وبعد كتابة هذه الأسطر مسألة أود تسجيلها قبل نسيانها. كان كل من حسين عوني باشا ومدحت باشا ورفاقهما في الحادث ينتظرون بحماس مجيء طلاب المدرسة الحربية في «موقت خانه» قي «بشيك طاش». حينها تصوروا أن الساعة المتفق عليها جاءت ومرت فتحدثوا مع بعضهم البعض قائلين: «آه.. سليمان باشا اتفق معنا ثم خاننا.».

هذه الحادثة حقيقية، ولا يستطيع أحد إنكارها.

نعم إن مسألة وجود أو عدم وجود بريء بين المتهمين تأتي في المرتبة الثانية بعد ظهور أن الجرم لم يحرف أو يفتات. وإذا ظهر نسيان فمرده إلى قضاتهم.

يدعون أن مدحت باشا ومحمود باشا خنقا ذات ليلة في سجون قلعة الطائف بأيدي ضباط وجنود معروفين بالاسم حتى لو كان هذا صحيحا، فليس لي دخل فيه، وحتى لا أرضى عنه.

أنقل هذا واقعة خطرت على بالي كما هي، أريد بذلك أن ألقي الضوء على التاريخ، وأؤيد واقعة ادعائي بالتاريخ.

كان أمير مكة وقت ارسال المتهمين إلى الطائف هو الشريف عبد المطلب. كانت عداوة الشريف لأركان عملية الخلع، وخاصة مدحت باشا، صريحة وواضحة. سمعت أنه ضرب القيود الحديدية على أقدامهم فأمرت فورا بتجنيبهم سوء المعاملة. وعلى ما هو معروف، فان والـي الحجاز وقائده عثمان باشا اعتقل الشريف عبد المطلب، وعزله من الإمارة.

كتب الى الشريف عريضة في ذلك الوقت قال فيها: إن محاولة حدثت من بعض الأجانب لتهريب مدحت باشا ومحمود باشا الى مصر، وأنه منع هذا التدخل، والمعاملة التي لاقاها كانت بسبب هذا.

لم أصدق كلمة واحدة من كلام الشريف عبد المطلب، ومع هذا فإن ادعاءه لم يكن خاليا من الاهمية بالقدر الذي يحدو بي الى اهماله. أخطرت عثمان باشا بأنه في حالة هروب هذين الباشوين، فاني سأسائل الحرس شخصيا، ولن أقبل في هذا الامر عذرا أو تعليلا.

أبلغ رضا باشا سكرتيري في ذلك الوقت ارادتي إلى عثمان باشا.

ورضا باشا كان رجلا جادا في شخصيته، جادا في كلامه. وقد استأذن مني في هذه المناسبة أن ينبه بعدم ايذاء المتهمين أو الضغط عليهم كثيرا، مراعاة لما تقتضيه الإنسانية، وقد استصوبت كلامه بتقدير. ولا بد أن مسودة هذا موجودة بين أوراق القصر الآن.

أفكر الان أن ربما سيكون الحراس قد خافوا من رؤسائهم ورأوا من المناسب تنفيذ الأمر الواقع، وأن ذلك يتوافق مع منفعتهم وسلامتهم. إنما أردف قائلا: إن التقاير التي جاءتني تقول: أن ميتة الاثنين طبيعية، ومرفق بها شهادات الأطباء «۱۷»

هذا ما أردت التحدث به عن مدحت باشا، وأعود فأكرر أنني كتبت هذه الأسطر، ليس من أجل ذاتي، وإنما من أجل حماية اسمي من هجاء غير عادل.

ليس معروفا كم سأعيش بعد هذا فالموت يقترب مني، وأحس بوقع أقدامه. وإذا أيقنت أن يوما سيأتي يعرف فيه كل شخص هذه الحقائق فإني أموت وأقابل ربي الذي أؤمن به دائما وأثق في عدله وألطافه بضمير مستريح.   

          ___________________________

 «1» السلطان عبد المجيد.

«۲» الصدارة العظمى تقابل رئاسة الوزراء اليوم.

«۳» حاكم فرنسا آنذاك، وهو غير نابليون الفاتح، وبينهما أكثر من نصف قرن.

«4» هذه النصيحة لها أهمية مضاعفة في عرف العثمانيين، فإنهم أصحاب صلابة في حمل العقيدة السنية، إضافة للمعنى السياسي المقترن بذلك، نظرا للمنافسة القائمة عبر القرون بين الدولة العثمانية والدول الفارسية الشيعية،

«5» أي قبر علي رضي الله عنه بالنجف، وقبري الحسين والعباس ابني علي بكربلاء، وقبري علي الهادي والحسن العسكري بسامراء.

«6» ليس هذا تبجحا من عبد الحميد واسرافا في وصف نفسه أو وصف عمه عبد العزيز، فإن تحليل التاريخ لا بد يضبط بنظرات نسبية، ومن الخطأ تحليله وفق الوقائع الحاضرة والأعراف السياسية السائدة هذا اليوم.

ونظرة واحدة على الاستبداد المطلق والظلم الذي كان يلف أباطرة اليابان والصين، وقياصرة روسيا، وملوك الهند، وشاهات العجم، كافية لأن ترينا امتياز العثمانيين عليهم، وحيازتهم صنوفا من العدل والرحمة بالرعية، والنزول عند أحكام الشريعة الاسلامية وافتاءات الفقهاء السياسية، تجعلهم أقرب الى العرف الدستوري من أولئك.

«7» رتبة سر عسكر تقابل وزير الحربية اليوم.

«8» تقابل محكمة النقض والإبرام بمصر، ولا زال هذا الاصطلاح العثماني الجيد سائدا في العراق وسوريا وغيرهما.

«9» أى الأذى الذي ناله بسبب حبه لمدحت وانتصاره له الراشد

«10» السلطان محمود الثاني، وهو مشهور بمذبحة اللانكشارية والقضاء عليها.

«11» محمود شوکت سليمان أحد أبناء عائلة جورجية استوطنت بغداد منذ قرنين، وكان من كبار الانقلابيين على عبد الحميد، وهو الذي تولى قيادة فيلق الحركة الذي احتل استانبول وأخمد الثورة المناصرة لعبد الحميد، ثم صار رئيسا للوزراء، لكنه انسحب من حزب الاتحاد والترقي، وتزعم حزب الائتلاف المنافس لأنور ونيازي، فدبروا قتله سنة ۱۹۱3. وكان أبوه سليمان فائق من كبار موظفي ولاية بغداد، ومن أشهر المؤرخين البلغاء لحوادث العراق، وولده الاصغر حكمت سلیمان سیاسی معروف في العهد الملكي في العراق، وتولى رئاسة الوزراء أيام انقلاب بكر صدقي سنة ١٩٣٦، وناصر الاتجاه الشيوعي المترعرع في العراق آنذاك، وتعاطف مع الثورة الشيعية في الفرات الاوسط

«12» في هذه الإشارة البارعة من عبد الحميد لتلمذة مدحت لهذا القانوني الفرنسي المعار للدولة العثمانية، كفاية لدعاة الإسلام لتلمس طبيعة الصراع الفكري العقائدي بين خليفة امتلأ توقيرا للشريعة، ووزير متفلت منها، غربي النزعة والتربية.

«13» عمل صدرا أعظما، وكان مدرسا للسلطان عبد المجيد.

 «14» عقد مؤتمر برلين في أعقاب الحرب العثمانية الروسية، واستطاع الوفد المفاوض أن يضيق حجم المكاسب الروسية.

«15» الحرب العالمية الأولى 1914– 1918

«16» ورع عبد الحميد يمنعه من اتهام عوني بالارتشاء، بلا دليل واضح، وما هو إلا خلق الارتشاء الذي مازال يظهر في رجال الدول بين الحين والآخر. أفليست هي صدمة كبيرة لعبد العزیز تبرر له استرداد نياشین استعجل في أغداقها على نفس ضعيفة ليست أهلا لها؟

«17» تنبيه عبد الحميد على ما في هذه القرينة من دليل يبرؤه يعد استطرادا ضعيفا في الاحتجاج، إذ لا يبلغ الخوف بالحراس إلى القتل، ولا يفتقد القاتل المتنفذ طبيبا يزوده بتقرير يبعد الشبهة. والا ظهر عندنا مارجحناه سابقا من قتل عملاء الدول الكبرى لمدحت، ليتيحوا لأنفسهم التعامل مع طبقة من الثوار الشباب هم أطوع في أيديهم وأسلس وأبعد انقيادا. ولا تنفي ذلك قصة محاولة اختطافه من الطائف وتهريبه الى مصر، فان ذكر مصر يصرف الذهن إلى أن المحاولة انكليزية، وسيحدثنا عبد الحميد عن أن ثوار سالونيك، الذين يوجههم المحفل الماسوني الالماني هم الذين نجحوا في الانقلاب عليه، مما لا يبعد معه أن يكون للألمان ضلع بمقتل مدحت، لسهولة سيطرتهم على الشباب، التي ذكرناها أنفا، بقابل استبداد مدحت وغطرسته، وللهوى الفرنسي الانكليزي المستولي على مدحت، المبعد له عن ألمانيا، ومازال التنافس بين الأجنحة تبعا لارتباطاتها بالمعسكرات الدولية قائما على أشده بين مجاميع الثوار وأحزاب اليوم كما كان زمن مدحت. 

الرابط المختصر :