; مذبحة الطنطورة فصل جديد في التاريخ اليهودي الدموي | مجلة المجتمع

العنوان مذبحة الطنطورة فصل جديد في التاريخ اليهودي الدموي

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 01-فبراير-2000

مشاهدات 73

نشر في العدد 1386

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 01-فبراير-2000

كانوا يأمرون كل مجموعة من الرجال بحفر قبورهم بأيديهم وحين يكتمل الحفر يطلقون عليهم النار ويتوجهون إلى مجموعة أخرى

كشف باحث إسرائيلي في رسالة أكاديمية عن مذبحة جديدة ارتكبها الصهاينة في قرية الطنطورة الفلسطينية ليلة الثالث والعشرين من مايو عام ١٩٤٨م، راح ضحيتها قرابة تسعين شخصًا، المذبحة ارتكبتها الكتيبة ۲۳ التي عُرفت باسم كتيبة «السبت» التابعة للواء الكسندروني، القصة الجديدة أعدت على شكل بحث علمي لنيل شهادة الماجستير من جامعة حيفا، ما يعني أنها خضعت للتدقيق والتمحيص اللازمين في الأبحاث العلمية. وقد أجرى ثيودور كاتس معد الرسالة لقاءات مع عدد من أبناء قرية الطنطورة ممن بقوا أحياء بعد المذبحة ومع عدد ممن شارك فيها من اليهود، وكانت خلاصة بعض تلك الشهادات ما يلي:

هذه المشاهد لن ينساها فوزي محمود أحمد طنجي «أبو خالد» أبدًا، لغاية اليوم وبعد مرور 52 عامًا تجتاح جسمه قشعريرة، عندما يتذكر كيف ذُبح أبناء عائلته وأصدقاؤه أمام عينيه.. «أخذونا إلى مقبرة القرية، وهناك أوقفونا في صفوف. قائد اليهود جاء وقال مخاطبًا جنوده: «خذوا عشرة»، وقد انتقوا منا عشرة واقتادوهم بالقرب من شجيرات الصبار، وهناك أطلقوا عليهم النار بعد ذلك عادوا وأخذوا عشرة آخرين. كان عليهم أن يخلوا الجثث ليتم بعد ذلك إطلاق النار عليهم أيضًا. وهكذا تكرر ذلك تباعًا... لقد أطلقوا رصاصهم على المزيد من الناس بالطريقة نفسها».

 ويضيف أبو خالد: «عندما وقفت هناك كنت واثقًا بأنها اللحظات الأخيرة في حياتي وأنهم سيأتون بين لحظة وأخرى ليأخذوني أيضًا ويطلقوا النار علي.. كان من واجب اليهود أن يتعلموا ويأخذوا العبرة مما فعله الألمان (النازيون) لهم. لا أعرف لماذا فعلوا بنا ما فعله الألمان بهم..» وينفجر العجوز أبو خالد البالغ من العمر ٧٤ عامًا، والمقيم اليوم في طولكرم فجأة ليجهش بالبكاء، وهو يقول: «كان من الأفضل لو أنني مت هناك دون أن أحمل معي هذه القصة حتى اليوم».

ويقول رزق عشماوي «أبو سعيد» - وكان وقت وقوع المذبحة فتى عمره ١٣ سنة - إن المذبحة خلّفت حسب معلوماته أكثر من ٩٠ قتيلًا دفنوا في حفر كبيرة، حفرتين للشبان وحفرة صغيرة للفتيات.. ويتذكر أبو سعيد أيضًا جثة رجل كانت ملقاة في الشارع، وكيف أخذت زوجته وبناته يولولن بالصراخ، وكيف أن أحد الجنود أراد الإجهاز على الأم وبناتها، فتوسلت المرأة أن يسمحوا لها على الأقل بأن تزيح جثة زوجها جانبًا من حرارة الشمس، وهو ما مكنوها في نهاية الأمر أن تفعله.

يقول أبو خالد: «جمعونا بالقرب من شاطئ البحر، الرجال على حدة، والنساء على حدة ووضعوا الأولاد والشبان الذين تبلغ أعمارهم من ١٢ عامًا فما فوق مع الرجال، بينما وضع الأصغر منهم سنًا مع الفتيات بعد ذلك انتقوا سبعة أو عشرة من الرجال وأحضروهم إلى مكان قريب من مسجد القرية، وهناك أطلقوا عليهم النار.. ثم عادوا واقتادوا مجموعة أخرى ليصل العدد في النهاية إلى ما يقارب تسعين شخصًا.. مع كل مجموعة كانت تذهب مجموعة من الجنود، بينما كان أهالي القرية يقفون ويشاهدون ما يجري.. بعد ذلك أخذوا كل من تبقى إلى المقبرة وأوقفوهم هناك وهموا بإطلاق النار على الجميع.. عندئذ وصل نحو خمسين أو ستين شخصًا من سكان كيبوتس (زخرون يعقوب)، وفي اللحظة التي رأوا فيها ما يحدث، تدخل عدد من كبار المسؤولين منهم وأوقفوا المذبحة وقالوا: كفى...».

شهادة مماثلة سمعها اللواء عبد الرزاق اليحيى «أبو أنس» أحد كبار القادة الحاليين لأجهزة الأمن الفلسطينية من أبناء عائلته، وهو من مواليد قرية «الطنطورة»، وكان يعيش في ذلك الوقت في سورية.. وقد سمع «أبو أنس» قصة المذبحة من إخوة له.. وقد أخبر أبو أنس الباحث كاتس قائلًا: «جمعوا كل الرجال في المقبرة ثم أخذوهم في مجموعات تتكون كل مجموعة منها من ستة إلى سبعة أشخاص.. وقد أرغمت كل مجموعة على حفر حفرة في الرمال، وفي اللحظة التي أنهوا فيها عملية الحفر، قام الجنود بإطلاق النار عليهم فسقط الرجال قتلى داخل الحفر.. بعدها انتقل الجنود إلى مجموعة أخرى، وهكذا دواليك من مجموعة إلى أخرى.

وفي لحظة ما، وقف اثنان من إخوتي اللذين كانوا في مجموعتين منفصلتين وتعانقا عناق الوداع قبل أن يصلهما الدور... فجأة وصل شخص يهودي يمتطي دراجة نارية، حاملًا أمرًا من قيادته بوقف المذبحة.. وعلى ما يبدو فإن القيادة تخوفت من احتمال أن تتخذ إجراءات مماثلة مع الأسرى الذين سقطوا في أيدي القوات الأردنية.

شهادة أخرى على ما صنعه الجنود الإسرائيليون رواها «عبد الرحمن دنش»، البالغ ٧٥ عامًا لأبناء عائلته.. وحسب قوله: حينما كان منشغلًا في حفر الحفرة التي كانت ستتحول لاحقًا إلى قبر له شاهد الجنود وهم يضحكون ويتغامزون مع بعضهم البعض.. يقول دنش: «بعد كل مرة كانوا ينتهون فيها من إطلاق النار على مجموعة من أبناء القرية، كان الجنود يتبادلون الحديث فيما بينهم، لكنني لم أستطع فهم ما يقولون.. غير أن أحد أصدقائي العارفين باللغة العبرية قال لي إن الجنود يقولون لبعضهم: انظروا إلى هؤلاء الحمقى الذين يحفرون قبورهم بأيديهم».

ويضيف دنش قائلًا: إن صديقه ترجم له أقوال الجنود وطلب منه أن يتمهل في حفر الحفرة التي سيدفنان سويًّا فيها.. بعد وقت قصير من ذلك لاحظ «دنش» شخصًا يهوديًّا كان على معرفة به فناشده أن يتدخل لإنقاذه.. هذا الشخص اليهودي تحادث مع الضابط الإسرائيلي المسؤول عن الموقع، فأرسل الأخير الجنود ليخرجوا «دنش» وصديقه من المكان فنجوا من الموت.

ويقول أحمد صالح زراع الذي توفي بعد الإدلاء بشهادته: عندما بدأت المعركة في نحو منتصف الليل، دخل الجنود وأطلقوا النار دون تمییز، باتجاه كل من وقعت عليهم أعينهم، والصورة كانت وكأنها مثل حروب هتلر.. أكوام من الجثث كومت في الشوارع.. كان هذا منظرًا مفزعًا.. عندما كانوا ينقلوننا من مكان لآخر كنا نسير على أكوام من جثث القتلى.. وبعد السيطرة على القرية جمعوا أبناءها على شاطئ البحر، الرجال على حدة، والنساء والأطفال على حدة وبدأوا في نقل مجموعات من الرجال إلى المقبرة كي يقتلوهم.

لقد وقعت حادثة مع فتاة جميلة تبلغ من العمر ١٦ أو ١٧ عامًا.. أربعة جنود جروها بالقوة من بين الناس وقد نهض عمها كي ينقذها من أيدي الجنود، ولكنهم دفعوه جانبًا.. وعندما رفض أطلقوا الرصاص على رأسه وقتلوه.. الفتاة المسكينة رحلت بعد ذلك إلى الضفة الغربية، وكل ما علمنا عنها أنها لم تتزوج أبدًا.

مقبرة جماعية

وقد التقى «كاتس» مع رسلان حسن أيوب أعمر «أبوحسن» قبل سنتين في مخيم اللاجئين بطولكرم، حيث يسكن هناك. وقال أبو الحسن: «إن الدولة التي قامت على أساس وقواعد الجريمة، هي دولة زائلة، وأما الدولة التي تقوم على العدل فهي دولة دائمة»، هذا ما ردده أبو حسن البالغ من العمر ٧٥ سنة، بعدما حاول عدة مرات التهرب من الاجتماع مع «كاتس».

وبعدما هدأت أعصابه روی «أبو حسن» لكاتس قائلًا: «بعد احتلال القرية جمعوا الناس على شاطئ البحر واختاروا سبعة كي يقوموا بجمع جثث القتلى وكنت واحدًا من السبعة خلال عملية الجمع وجدنا جثتين وسط شجيرات الصبار، فخشيت الاقتراب منهما لأنهما كانتا مليئتين بالأشواك. عندما اقترب منا الضابط اشتكى الحارس من رفضي الدخول في وسط الصبار في تلك اللحظة أخرج الضابط مسدسه وصوبه نحوي بهدف إطلاق النار عليّ فلم يكن أمامي مفر فقفزت إلى داخل شجيرات الصبار وسحبت جثث الشهداء التي كانت هناك.. وقد امتلأت بالأشواك بطبيعة الحال.

ذُبحوا داخل بيوتهم

الموقع الثالث الذي ذُبح فيه ضحايا الطنطورة حسب شهاداتهم - إضافة إلى المقبرة والشوارع- كان في داخل البيوت خلال البحث عن السلاح.. الشهود رووا أن كل فتى ألقي القبض عليه خضع للتحقيق حول «سلاح موجود» بحوزته.. الجنود أخرجوا المعتقلين لبيوتهم لجمع الأسلحة.. «خرج الجنود مع السلاح، إلا أن الشبان لم يخرجوا من تلك البيوت أبدًا».

أخلاق اليهود

ولعل الرواية التالية تكشف المعدن الخسيس للجناة وأمثالهم ممن لا يزالون يحتلون فلسطين، تقول الدراسة:

أحد الشهود هو مصطفى المصري «أبو جميل» البالغ من العمر ٦٥ عامًا.. أبو جميل لم يتحمس للحديث عن الأمر إلا أنه قال في آخر المطاف: «في الساعة الثانية عشرة ليلًا سمعت بوجود شيء غير طبيعي وأن الحرب قد بدأت.. كنت في ذلك الحين في الثالثة عشرة من عمري فتوجهت لوالدي وسألته عن هذه الضجة فقال: إن هناك شيئًا بين الجيران على ما يبدو».

لم يكن والده مرتاحًا للأمر على حد قول أبو جميل في ذلك اليوم «فطلب من كل أفراد الأسرة البقاء في البيت.. عندما رأى أن القرية قد احتلت اقترح على جيرانه من قرية جسر الزرقا أن يبقوا في بيته وكان يعرف الكثيرين من اليهود في الجوار، فأمل أن يصل أحد من معارفه اليهود ليساعدنا في الخلاص من هذا الموقف. وهذا ما حدث، إذ قدم لبيتنا جندي كان يعرف الأسرة جيدًا. «أنت تعرفنا منذ ٢٠ سنة»، قال له والد المصري إلا أن الجندي رد عليه «إياك أن تقول شيئًا كهذا، فانا لا أعرف أحدًا منكم» الوالد رد عليه وهو مكسور الخاطر «إن كان هذا ما تقوله فلا تقدم معروفًا لأحد أنا لا أريد منك أي شيء».

غادر الجندي المكان ونقل المسؤولية عن عائلة المصري إلى جندي آخر. هذا الجندي أبعد مصطفى وشابًّا مريضًا آخر، وبعد ثوان معدودات عندما كانوا على بعد (۱٥) مترًا من البيت سمعوا صوت إطلاق النار وفهموا أنهم قد قتلوا كل أبناء الأسرة - ۱۲ فردًا.

أبو جميل تحدث أيضًا عن قاتل يهودي تجول في شوارع البلدة وأطلق النار على المارة بشكل عشوائي كما يحلو له وبدون سبب بعد أن انتهت المعركة بساعات «دافيد شيلي ناشده أن يكف عن إطلاق النار على العزل وكأنهم طيور بط ولم يكف عن فعلته إلا بعد جدل طويل».

ويحاول الباحث الإسرائيلي البحث عن مبررات لتلك المذبحة، فينقل عن الحنان عناني أحد الجنود الصهاينة المشاركين فيها من المحتمل أن يكون ما حدث مرتبطًا بفقداننا قبل ذلك بأسبوع لعدد كبير من خيرة زملائنا في معركة كفر سابا العربية؛ الأمر الذي جعل الجنود يخوضون معركة الطنطورة وهم مشبعون بمشاعر الانتقام.

عناني قال أيضًا: إنه في عدد كبير من الوحدات بما فيها وحدته كان الجنود متعطشين للدم بشكل غير عادي، وفي بعض الأحيان كان من الصعب جدًّا السيطرة عليهم. «إلى جانب ذلك، لم تكن هنا سياسة واضحة بصدد إطلاق النار على الناس بعد استسلامهم».

اللواء احتياط بنتس فريدان قائد العملية في الطنطورة وبعدها قائد لواء الكسندروني أكد أن عددًا كبيرًا من السكان المحليين العرب قد قتل في معركة الطنطورة، «هذه كانت حربًا وفي الحرب، خصوصًا التي تجري في منطقة سكنية، يقتل الناس عندما ترى عدوًا أمامك ليس على جسده ورقة كتب عليها إنه لا ينوي قتلك. أنت تبادر لإطلاق النار عليه، على هذا النحو انتقلنا من شارع إلى شارع، وبذلك قتل عدد كبير من الناس».

المحتلون الصهاينة لم تتغير طبائعهم كثيرًا بعد قيام كيانهم، فقد مارسوا السياسات الإرهابية نفسها في مذابح صبرا وشاتيلا، وقانا، وغيرها من الشواهد على الإرهاب اليهودي المستمر، وعلى التعطش للدماء، وما لم يلتفت إليه الكثيرون أن رموز الإرهاب الصهيوني تحولوا إلى رموز وطنية تستحق التمجيد لدى الشعب الإسرائيلي، كما أن كثيرًا منهم تحولوا إلى قادة سياسيين للكيان الصهيوني، كما حصل بالنسبة لمناحيم بيجين وأرئيل شارون وإيهود باراك.

كما أن الجنرال عاموس يارون قائد قوات المظليين السابق، وأحد أبرز المتورطين في مذبحة صبرا وشاتيلا الذي تمت إدانته من قبل لجنة كاهان التي حققت في ملابسات المذبحة، قد تم تعيينه مديرًا عامًا لوزارة الدفاع الإسرائيلية!!

الرابط المختصر :