; «أول سقوط» من نوعه في تاريخنا الهجري | مجلة المجتمع

العنوان «أول سقوط» من نوعه في تاريخنا الهجري

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-ديسمبر-1977

مشاهدات 97

نشر في العدد 378

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 13-ديسمبر-1977

الكلام العاطفي السطحي عن الهجرة يوشك أن يكون «تخديرًا» عامًا لضمير الأمة، ذلك أن مجيء عام هجري جديد- في هذه الظروف يقتضي- تناولًا جديدًا لمعنى الهجرة ومعنى التاريخ الهجري، ابتغاء «النجاة الفكرية»- على الأقل- من هذه الدوامة الذليلة.

نعم، فهذه فرصة مريرة لتقويم التاريخ العربي الحديث، وتقويم الفكر السياسي الذي أدى إلى اعتبار «الركوع» أمام اليهود بطولة وشجاعة وإنجازًا «تاريخيًا»، وينبغي أن يكون في مقدمة الظواهر التي أولى تستحق الدراسة والتحليل والتقويم:

·       ظاهرة «السقوط التاريخي»، ففي أول تعليق على رحلة «الخيبة السياسية» قلنا: في التاسع من ذي الحجة عام ١٣٩٧ سجل مرصد  التاريخ حركتين بارزتين.

·       حركة: السقوط التاريخي العربي.

·       وحركة: الاستعلاء التاريخي اليهودي، إن تاريخنا كله لم يشهد سقوطًا مروعًا كالسقوط الذي حصل يوم 9 ذي الحجة ١٣٩٧ الموافق ۱۹ نوفمبر۱۹۷۷.

ولسنا من الذين يمجدون كل شيء في تاريخنا فنحن نعترف بوجود فترات مظلمة، انهزمت فيها الأمة، وضعف الحكم واستبد الحكام.

لكن- رغم كل ذلك- لم يحدث قط سقوط تاريخي مروع كالذي حدث في هذه الأيام.

لم يحدث قط أن سلم حاكم «القدس» لأعداء الأمة، أو انحنى أمام مقابر الذين قتلوا أبناء أمته، أو منح شرعية الوجود لمن احتل أرضًا إسلامية.

·       وظاهرة: المفارقات التاريخية.

لقد كانت هجرة الرسول خطوة متقدمة في تأسيس دولة الفكر، دولة الفتح والتمكين والسيادة.

أما اليوم، فإن اليهود هم الذين يفعلون ذلك بمنطق الباطل لا بمنطق الحق.

فهم تنادوا من جميع أنحاء الأرض، ووصى بعضهم بعضًا بالهجرة إلى فلسطين لإقامة دولة الفكرة والسيادة «..»، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك لولا الانحطاط التاريخي في هذه الأمة.

وقطعًا، لن يحس بهذه المفارقات من اتخذ من شبكات التلفزيون مدخلًا إلى التاريخ.

▪    اقتراح

هذه- إذن- ظروف غير عادية، ومن هنا ينبغي أن تحسب فيها الخطوات والكلمات، لأجل ذلك نقترح: أن تسجل أسماء كل الذين أيدوا وشجعوا وهتفوا ورضوا ودافعوا عن زيارة «السقوط التاريخي»، أن تسجل أسماؤهم في قوائم تسمى بـ«قوائم الساقطين تاريخيًا»؛ لكي يعرف الأبناء والأحفاد شناعة المعرة التي ورثها لهم آباؤهم وأجدادهم.

ولا نقول: بالمسؤولية التاريخية عن الخطيئة فتلك مقولة نصرانية أبطلها القرآن: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ (النجم: 39) بيد أن الذين يقترفون الخطايا التاريخية لا يسعهم أن يورثوا ذراريهم «مجدًا تاريخيًا».

▪    جريمة الاستغلال

وما دمنا بصدد الرصد والتسجيل، فإن السقوط التاريخي اقترن بظاهرة جريمة الاستغلال للآلام الناس، وجريمة استغلال الإسلام.

·       إننا نقطع بأن التدهور الاقتصادي في مصر، كان شيئًا متعمدًا، كيف؟

من يطلع على مبررات الارتماء في أحضان العدو يدرك أن معظمها يتلخص في هذا القول:

إن السبب هو الوضع الاقتصادي في مصر.

ولا جدال في أن حالة الحرب تؤثر في الوضع الاقتصادي لأي بلد لكن لو كان هناك حزم وجد في التنمية، لما وصل الأمر إلى هذا الحد.

وعدم الجد في التنمية مسؤولية مدنية لا عسكرية، ويمكن أن يكون عدم الجد ناجمًا عن غفلة وطنية تستمر شهرًا أو شهرين، سنة أو سنتين، أما أن يكون عدم الجد قد استمر أكثر من ربع قرن، فمعنى ذلك أن هناك «تخطيطًا» طويلًا لإبقاء مصر في وضع اقتصادي سيئ.

ولكن، لماذا؟

لمثل هذا اليوم، يوم تبرير الارتماء في أحضان العدو بسوء الوضع الاقتصادي.

يحرم الناس من الحياة المادية المعقولة زمنًا طويلًا، وكلما ضجوا وشكوا قيل لهم: إن حالة الحرب هي السبب.

ومع شدة الحرمان وتكرار المقولة، يروض الضمير العام أو يهيأ لتقبل إنهاء حالة الحرب، إن الحكومات المتعاقبة اطلعت على دراسة مفصلة عن سوء الإدارة وسوء التعليم وضعف الإنتاج.

فماذا فعلت؟ لا شيء؟

فهل منعها العدو من القيام بهذه الإصلاحات؟ لا.

هل يمكن إصلاح الوضع الاقتصادي بدون هذه الإصلاحات الضرورية؟

وبسقوط هذين الاحتمالين، ينشأ الاحتمال الثالث وهو: إن الحكومات المتعاقبة كان يمكنها تحسين المستوى الاقتصادي ولكنها لم تفعل.

ومن هنا قطعنا بالتعمد في إبقاء الوضع الاقتصادي متأزمًا، وهذا التعمد جزء من خطة الحرمان.

وهذا الحرمان جزء من خطة الترويض والتهيئة.

التهيئة لتقبل ما لا يعقل قبوله.

وكل ذلك استغلال بشع لآلام الناس.

·       أما جريمة استغلال الدين، فقد ظهرت في التحليل الديني للسقوط التاريخي.

لقد أقصى ذلك النظام: الإسلام عن الحكم.

وأبعده عن الصراع مع العدو، أكثر من ربع قرن، هذه واحدة، والثانية: إنه منح اليهود ما ليس لهم، حيث اعترف باحتلالهم «للقدس»، والقدس قضية إسلامية من الدرجة الأولى.

والثالثة: إنه يحاول أن يشطب- بخطبة أو باتفاق سياسي- ما قرره الله تعالى في القرآن.

فهو يعمل على إنهاء «حالة العداء» مع اليهود، والقرآن يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82).

والرابعة: إنه سحب القوانين الإسلامية من مجلس الشعب، ووعد الأقباط- سرًا- بأن القوانين ستظل كما هي، ولن يكون هناك قانون إسلامي.

«ويبدو أن هذه رغبة اليهود أيضًا اعتبارًا بما سيأتي، أي إن القوانين الإسلامية كانت ضحية السياسة الانفتاح على العدو».

النظام الذي يقف من الإسلام هذا الموقف يعمد هو نفسه من جهة أخرى إلى استغلال الإسلام.

وصدق الله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ، وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ۚ بَلْ أُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (النور: 48-50).

لقد انشقت الأرض عن كتاب وسياسيين وعلماء- مع الأسف- طفقوا يفلسفون «السقوط التاريخي» إسلاميًا.

ويبدو أن الخضوع للصهيونية أو التأثر باليهود، قد أثمر بسرعة، فمن المعروف عن اليهود أنهم يحرفون الكلام عن مواضعه.

وخلال أسبوعين أو ثلاثة. ظهرت فئة تخصصت في تحريف الكلام عن مواضعه، ولعل ذلك بداية للتبادل التكنولوجي في عصر السرعة.

فمنهم من عقد مقارنة بين رحلة «السقوط التاريخي» وبين صلح الحديبية.

وهذا تحريف للحقائق عن مواضعها، فصلح الحديبية، كان إلهامًا من الله للرسول صلى عليه وسلم.

ومن الخيانة الفاجرة أن يزعم أحد أن الانحناء للأعداء إلهام من الله، ومن الخيانة الفاجرة عقد مقارنة بين الرسول العظيم وبين أبطال السقوط التاريخي.

وصلح الحديبية كانت سياسة حكيمة، تتناقض تمامًا مع ما يجرى اليوم.

كانت قريش لا تعترف بالمسلمين ولا بوزنهم السياسي، وهذه قضية كانت تشغل بال المسلمين.

والمصلحة الراجحة تمثلت في أن تعترف قريش بالوجود السياسي للمسلمين.

ولقد حدث هذا الاعتراف بمجرد إجراء المفاوضات، ثم بوثيقة الصلح.

وإذا كنتم تقتدون بالرسول- مطلقًا- فافعلوا مثلما فعل إن كنتم صادقين.

إن اليهود أوقدوا نيران الفتن، ونسجوا المؤامرات ضد المسلمين، فضربهم الرسول وأجلاهم.

ومنه محرف هذه الآية عن مواضعها:

﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 112) فقال: إن هذا الحبل هو الرسالة التي قام بها الرئيس أنور السادات ليوصلها إليهم.

هذه- والله- هي أخلاق اليهود.
 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1002

الثلاثاء 17-مارس-1970

دروس من الهجــرة وما سبقها

نشر في العدد 2100

128

السبت 01-أكتوبر-2016

دروس للمهاجرين المعاصرين