العنوان محنة الصراع السياسي في إيران
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1982
مشاهدات 71
نشر في العدد 569
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 04-مايو-1982
محنة الصراع السياسي في إيران
المعتدلون من الإنزلاق في السلطة إلى الصراع عليها.
دور الدستور الإيراني في تفاقم الصراع.
المعارضة تتقاذفها المطامح والأهداف.
اليسار الإيراني حسبه الإنتظار.
المشكلات المستعصية لم تسمح بانتقال السلطة من المنظمات الثورية إلى أجهزة الدولة.
محاولة الانقلاب التي أعلنت عنها طهران وقالت إنها هدفت إلى قتل الخميني والإطاحة بنظام الحكم تُعد صورة من سلسلة المتاعب الخطيرة التي تواجه نظام الحكم الإيراني منذ أن سيطر الحزب الجمهوري على المؤسسات الرئيسية في إيران، وأغلب الظن أن هذه المحاولة -إن صحت- لن تكون الأخيرة نظرًا لأن أسباب الصراع ماتزال راقدة في أعماق البنية الإيرانية التي أنجبتها ثورة الخميني منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
طبائع الثورات
على الرغم من الخصوصية التي تتسم بها كل ثورة، فإن هناك ألوانًا من التشابه تخضع لما يمكن أن يسمى قانون الثورات، وهو أمر يظهر في أكثر من مكان وأكثر من زمان، ولعل من أخطر المعضلات التي تواجه الثورة عقب انتصارها مباشرة أن الذين يتصدون للسيطرة على أجهزة الحكم في المراحل الأولى للانتصار هم في أغلب الأحيان ضحايا الثورة، أو -في أبسط الأحوال- يكون تصديهم هذا لتلك المسؤولية مصدر ضعف محقق لهم، وقد يكون المعتدلون عادة إذا انتدبوا لتلك المهمة نقطة التوازن بين جبهة التطرف نحو اتجاه محدد وبين جبهات الغثاء المتكتل الذي يتدفق مع تيار التطرف في البدء ثم يحاول من بعد أن يلوي عنق الثورة لصالحه، وإذ ذاك يصطدم بجبهة المتطرفين، ومأساة المعتدلين في مثل هذه الأحوال أنهم قد يُسحقون بين سندان هؤلاء ومطرقة أولئك.
ومع ذلك فلا شك في أن هذه التعميمات تتجاوز الكثير من حقائق الوضع في إيران، وإن ألقت الضوء على بعض جوانبه.
بدايات قلقة
في آتون الشك والقلق، والحماسة العارمة، والسعي المتردد للسيطرة على میدان زاخر بالتناقضات والغليان... كانت المهمة الأولى أن يحسم الثوار القضية الرئيسية: وهي ضبط السلطة وتحديد مسؤوليتها، وقد آثر الخميني منذ البداية ألا يتقلد الآيات مهام إدارة الدولة مباشرة، وإنما ترك للأطراف الذين يطلق عليهم اسم المعتدلين هذه المهمة، وهكذا ينتقل الآيات إلى مواقع الإشراف على السلطة، دون أن يحتملوا مسؤولية مباشرة لأي إخفاق، ولعل ذلك يبث في صفوف الأحزاب الأخرى نوعًا من التطمينات، لكن ممارسة الصلاحيات، منذ أن تقلد بأزركان رئاسة أول حكومة بعد الثورة، كشفت تصادمات كبيرة بين سلطة الأجهزة الحكومية وبين السلطة المنبثة في صفوف التنظيمات الثورية التي ماتزال تعتقد بأن عليها أن تحمي الثورة من المخاطر العاتية.
والمعضلات الضاربة كانت أعقد من أن تسمح بانتقال السلطة -في شيء من اليسر- من أيدي تنظيمات الثورة إلى أجهزة الدولة.
ولعل من أهم تلك المعضلات أن أنقاض المؤسسات التي كانت تابعة للشاه ماتزال في نظر الثوار تعج بالمتآمرين والخونة والانتهازيين، وعلى الرغم من حملات التصفية الواسعة التي شملت كل تلك المؤسسات، لم يمحض الثوار تلك المؤسسات شيئًا من الثقة، وهكذا فلم تكن المؤسسات والإدارات الجديدة بمنجاة من لوثة سابقاتها في نظر الثوار، وكان هذا يحملهم على التشبث بالسلطة، والسيطرة على مؤسسات الدولة سيطرة شديدة، وقد تمثل هذا في هيمنة الحزب الجمهوري على المجلس الشُّورِي، وعلى الحكومة، وعلى المحكمة العليا، مما نجم عنه بالضرورة تقييد رئيس الجمهورية، وأسفر فيما بعد عن تناقضات حادة انتهت بإقالة أول رئيس للجمهورية عنوة، بعد سبعة عشر شهرًا من انتخابه.
وهكذا اندفع الحزب الجمهوري إلى الاعتماد على ميليشيات الحرس الثوري واللجان الثورية بدلًا من الإسراع في إعادة المؤسسات الشرعية المتفتتة، والركون إليها، ولما كان من الصعب ضبط الصلاحيات الممنوحة لتلك التجمعات الثورية، فقد زادت ممارساتها الطين بلة مما أثر تأثيرًا كبيرًا في احتدام تناقضات جديدة أنجبت معارضة حادة، ركبت سبيل العنف بعد فترة وجيزة جدًا، يضاف إلى ذلك أن الدستور الإيراني نفسه يعطِي معظم الصلاحيات لمجلس الشورى، الذي ينبغي أن يصادق الرئيس على توصياته، مما يجعل دور الرئيس من باب تحصيل الحاصل، فضلًا عن أن المجلس يملك التوصية بإقالة الرئيس.
«خطوة جديدة أشد خطرًا»
وهكذا لبس الصراع لبوسًا أكثر تميزًا، فقد بدا في صورة عملية تفرد بالسلطة
تنزع إليها بعض الأطراف ممثلة في الحزب الجمهوري، ويقابلها على الجبهة الأخرى عملية رفض غير منتظمة من جانب الأحزاب الأخرى، لا سيما بعد أن جنح الرئيس الأول بني صدر إلى استقطاب القوى المستاءة من هيمنة الحزب الجمهوري حوله، باعتباره لم يكن يملك حزبًا سياسيًّا، مما فتح طريقًا جديدًا للصراع على السلطة، وعزز دور الأحزاب الناقمة، وكذلك أظهر بني صدر ومن يؤيده بمظهر المعادين للدين، وسهل على الآيات إقناع الخميني بعزله. وربما كانت هذه الفترة هي التي نقلت الخميني من موقع الموجه الروحي للثورة إلى موقع المتحيز للحزب الجمهوري الذي يمثل القوة السياسية للآيات.
وليس عجيبًا أن يبدأ منذ تلك الفترة التي تحالف فيها بني صدر مع مجاهدي خلق.. الهجوم على شخص الخميني نفسه بصورة علنية عنيفة.
وهكذا برزت موجة المعارضة العلنية المسلحة بعد أن كانت محصورة إلى حد كبير، واستحال الصراع مرة أخرى كما بدأ: صراعًا من أجل الحرية السياسية المفقودة.
«دور المعارضة»
أجج هذا الطريق الذي انزلق فيه الصراع حمّى الأحزاب المعارضة؛ لأنه منحها قضية واضحة تسوغ موقفها المعارض، إنها قضية الحرية السياسية، واستمدت المعارضة أيضًا مسوغات أخرى من واقع يرزح تحت وطأة الحرب حرب الخليج، وواقع استيقظت فيه مطالب جديدة لفئات متميزة «الأكراد، والبلوش، والتركمان..» وتفتحت فيه مطامح جديدة لفئات كانت في مراحل الانتصار الأولي يائسة من كل مطمح، وهكذا تبلورت مطالب المعارضة ووعودها في مسائل واضحة: الحرية السياسية للأحزاب، ومنح الحكم الذاتي للأقليات القومية، وإعادة بناء الاقتصاد الوطني.... إلخ.
وربما كان أقوى المعارضين على الساحة الإيرانية «جماعة مجاهدي» خلق التي أصرت -بلسان زعيمها مسعود رجوي- على إسلاميتها، رغم ما توصف به من أسماء عجيبة كالإسلام اليساري أو الإسلام الماركسي.
ولعل إصرارها ذاك هو الذي جمع حولها أعدادًا كبيرة من الشباب على حين لم تنجح التنظيمات اليسارية في استقطابهم إلى صفوفها، وقد تم تحالُف مجاهدي خلق مع بني صدر في فترة اختفائه بعد أن قام الخميني بعزله، ووقع الفريقان ميثاقًا مشتركًا لمجلس أسَّسوه تحت اسم المجلس الوطني للمقاومة، وتنسب إلى مجاهدي خلق معظم العمليات المسلحة ضد النظام القائم في إيران، ومن المعروف أن مجاهدي خلق تعرضوا في هذه الفترة إلى تصفيات دامية من حرس الثورة واللجان الثورية، واشتبكوا في معارك عدة مع حزب الله الموالي للحزب الجمهوري الحاكم.
ويبرز في الساحة الإيرانية دور اليسار من خلال منظمات عدة أكبرها حزب تودة، وفدائيي خلق، ولعل مما يلفت النظر أن حزب تودة اتخذ خلال الصراع موقف المتفرج، ومع أن النظام الإيراني قد منع صحيفته «مردم» من الصدور في سياق المنع الذي فرض على معظم الصحف والنشرات، فإن «تودة» لم ينضم إلى المعارضة انضمامًا فعليًّا، بل إن بعض أطراف المعارضة يتهمونه بالتواطؤ مع الحزب الجمهوري تواطؤًا صامتًا، وقد برز الدور السلبي الذي يقوم به تودة في الاشتباكات العنيفة التي شملت عددًا من المدن والقرى الإيرانية بين الحزب الجمهوري وحزب الله التابع له وبين مجاهدي خلق وحرس بني صدر في النصف الأول من عام ٨١ خاصة في إبان الاحتفال الذي قام به بني صدر وبازركان لإحياء ذكرى مصدق في جامعة طهران،
والواقع أن «تودة» لا يعاني فقط من قلة الأنصار، بل هو يحمل تركة قاتمة في تاريخ النضال ضد دكتاتورية الشاه ومايزال الإيرانيون يذكرون خيانته لمصدق في عام ١٩٥٣.
ويضاف إلى أطراف المعارضة فئات أخرى انتعشت مطامحها منذ أن احتدم الصراع بين السلطة في إيران وبين الأحزاب الأخرى، ولا ريب في أن هذه الفئات لا تتمتع بالتأييد والدعم الكافييْن، ولكنها تحاول أن تجد لها مكانًا في حلبة الصراع الجديد، فالشاه الابن مايزال متشبثًا بالشكليات، يحاول إيواء بعض فلول المعارضة البيروقراطية، أو العسكرية الموالية لأبيه، ولكن أكثر المراقبين يصفون الشاه الابن بأنه متردد كوالده وعاجز عن قيادة معارضة ملكية، هذا فضلًا عن الرفض الذي يواجهه به معظم المعارضين، ويغلب على الظن أنه يمثل مرحلة لابد أن تكون قد طويت نهائيًا.
ويظل بعد هذا كله أن القوى المناوئة لنظام الحكم الإيراني تعاني من مشكلة التمزق، فهي ليست جبهة موحدة، لما بين أطرافها من التباين في الأهداف، والقوى، ومدى الدعم والتأييد من جانب الشعب، ولعل مما يزيد الأمر تعقيدًا أن روافد جديدة تصب في تيار الصراع على السلطة في إيران، ففي الشمال يخوض الأكراد معركة مفتوحة مع الحزب الجمهوري وقاعدته المسلحة، ويلتفون حول الحزب الديمقراطي الكردستاني وتُظهر بلوخستان الإيرانية تعاطفًا كبيرًا مع المقاطعة الباكستانية الملاصقة التي تحمل الاسم نفسه والثقافة نفسها، وهذا كله يزيد في ثقل العبء الذي تجشم حمله الحزب الجمهوري الحاكم، في معاركه العِدَّة التي يخوضها على ميادين عِدَّة أيضًا.