; محطات جديرة بالتأمل في تاريخ فلسطين | مجلة المجتمع

العنوان محطات جديرة بالتأمل في تاريخ فلسطين

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1998

مشاهدات 69

نشر في العدد 1298

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 05-مايو-1998

فجأة وفي الثلث الأخير من الليل انتفضت القرية كلها على دوي رصاص العصابات وصرخات الجرحى من النساء والأطفال وتفتحت أعينهم على عشرات الجثث التي أسقطتها الرصاصات الغادرة.

 البعض قاوم المجرمين لكن دون جدوى فقد كانوا أقوى تسليحًا وعدة، واستمروا يمشطون القرية في وحشية حتى خيوط الصباح الأولى ولم تطلع شمس يوم التاسع من أبريل حتى كان أهل القرية قد هجروها مذعورين، وأصاب ذعرهم أطفال ونساء القرى المجاورة فهجروها أيضًا قبل أن تصل إليهم رصاصات تلك العصابات الوحشية.

 هذا بالضبط جانب مما حدث قبل نصف قرن لقرية «دير ياسين» والتي دخلت التاريخ شاهدة على واحدة من أبشع المذابح التي ارتكبتها عصابات الهاجاناه وشتيرن الصهيونية على امتداد التراب الفلسطيني.

وقد كانت قرية دير ياسين، تمثل في ذلك الوقت كابوسًا مرعبًا للصهاينة، ومصيدة كبيرة لعصاباتهم، وذلك لموقعها الاستراتيجي على إحدى التلال المطلة على القدس، متحكمة في الطريق الرابط بين القدس ويافا، وهو ما جعلها تسيطر على واحد من أهم خطوط إمدادات العصابات الصهيونية وكان شباب القرية يشاركون قوات «الجهاد المقدس»، بقيادة عبد القادر الحسيني وجيش الإنقاذ، بقيادة فوزي القاوقجي، ولذلك بادر العدو بتصفيتها واحتلالها وفق مخطط متكامل للسيطرة على جزء من فلسطين، فقبل احتلال دير ياسين بفترة وجيزة كانت العصابات الصهيونية قد احتلت الساحل الفلسطيني بالكامل، كما احتلت مدينتي يافا وحيفا، وقبل مذبحة دير ياسين، بساعات احتلت العصابات مدينة القسطل بعد استشهاد المجاهد عبد القادر الحسيني وهكذا انطلقت العصابات الصهيونية لابتلاع فلسطين تحت حماية القوات البريطانية، وتحت ستار قرار الأمم المتحدة الصادر في التاسع والعشرين من نوفمبر عام ١٩٤٧م، والقاضي بإنشاء دولتين في فلسطين، إحداهما عربية، والأخرى يهودية، وقبل أن تعلن بريطانيا انتهاء انتدابها رسميًا على فلسطين وخروج قواتها في الخامس عشر من مايو ١٩٤٨م، كانت بريطانيا قد مكنت العصابات الصهيونية من ترسيخ أركان كيانهم، فقد أجمع مؤرخو القضية الفلسطينية على أن اليهود بالتعاون مع بريطانيا أعدوا قوات كبيرة تمهيدًا لهجوم شامل لاحتلال القدس والساحل الفلسطيني كله قبل حلول يوم الخامس عشر من مايو – تاريخ انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين.

 إن استفحال إجرام العصابات الصهيونية ما كان له أن يتم هكذا إلا بعد القضاء على كتائب المجاهدين، وإطفاء جذوة الغليان الشعبي التي تفجرت في فلسطين منذ وعد بلفور عام ١٩١٧م، وقد كان يوم العشرين من أبريل عام ١٩٣٦م يومًا مشهودًا في تاريخ القضية الفلسطينية، فقد شهد انطلاقة أطول إضراب عام في التاريخ استمر ستة أشهر كاملة، وصاحبه عمليات بطولية من المجاهدين ضد الاحتلال كادت أن تعيد الأمور إلى نصابها، لكن تكالب الاستعمار العالمي وتواطؤ بعض القادة طعن تلك الانتفاضة في مقتل.

الليلة ليست أشبه بالبارحة فانتفاضة اليوم تعي جيدًا درس التاريخ فهي أصلب عودًا وأشد مراسًا وأكثر استعصاءً على العدو.

الرابط المختصر :