; محاولة للفهم في الواقع المعاصر | مجلة المجتمع

العنوان محاولة للفهم في الواقع المعاصر

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

مشاهدات 85

نشر في العدد 1176

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 21-نوفمبر-1995

المراقب للحوادث، والمتأمل في الوقائع، والراصد للنوازل في العالم الإسلامي يحس أن هناك غموضًا يحيط بواقعنا، وضبابًا يُخيِّم على مُجْريات الأمور عندنا، كل شيء باهت، وكل أمر مخير، وكل حقيقة غائبة، النهار كأنه ديُجُور عندنا، والشمس كأنها الغراب في أفقنا، والليل كأنه الكوابيس في ديارنا، تشعر في كثير من الأحيان أن الرقاب معلقة في خيوط والأيدي مقيدة في أصفاد، والأرجل مسمّرة في أغلال، وتلحظ في أوقات عديدة أن العقول كأنها مسحورة، أو مقهورة أو مرصودة، تسيطر عليها تعاويذ شيطانية أو طلسمات إبليسية، تصيبها بقدر كبير من الخبل والشطط والتخبط والحَيرة، كلما تلفتت يمينًا أو شمالاً تهمس في وجل «دستور يا أسيادي»، ولهذا تبدو الأمور في ديارنا غير مفهومة، ولا معقولة ولا حتى مبررة، تحار فيها أفهام كثيرة وتشرد عندها ألباب عدة، فمثلًا منطقتنا المعمورة العلية، أصبحت مسرحًا للحوادث من كل لون وفن، وملعبًا للكوارث من كل شاردة وواردة، مع أن أهلها الطيبين المسالمين، وشعوبها الأوفياء الأصلاء أجساد متعانقة وأرواح متفاهمة، ونفوس متناغمة، كما قال رسولنا الكريم« مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ . مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» (البخاري:6011) فمن الذي لوّث هذه الصفحات البيضاء؟ وسوّد هذه الثياب الناصعة؟ وما تلك الأسباب التي بدّلت الحال بنا، وغيرت الأيام عندنا، وورثت الشكوك في مجتمعاتنا؟

قد سحب الناس أذيال الظنون بنا *** وفرّق الناس فينا قولهم فِرَقًا

فكاذبٌ قد رمى بالظن غيرتنا *** وصادقٌ ليس يدري أنه صَدَقًا

إن منطقتنا تتعرض لصراعات كثيرة من قوى متعددة، وافدة وحاقدة، متربصة ومتنمرة، تريد أن تُفرق وتُبدد، وتوغر الصدور، وتبذر الأحقاد، وتوهن القوى، وتشتت الجهود، علّها تظفر بفرصة أو تقع على فريسة، فهي لذلك قد تُسبب الحوادث وتلصقها بالأبرياء، وتنسبها إلى أي فصيل أو قبيل في الأمة، وهذا أمر قد شوهد ولُمِس وغُض الطرف عنه مرارًا: هذا أمر.

  • وأمر آخر قد تتصارع قوتان متنافستان على أرضنا، وتتحارب جهتان متصارعتان على ساحتنا، ولا نستطيع كشف ذلك فنلحقه جهلاً بأبنائنا وشعبنا، وكم جرت من حوادث كشفها التاريخ ولكن بعد فوات الأوان ونفاذ السهام، ومن عجيب الأمر أنك قد تجد من بني جلدتنا، وفيمن ينطقون بألسنتنا أعوانًا على ذلك، ومحرضين عليه، وفرحين بإلصاقه بالأبرياء، بوضاعة فجة وصفاقة منقطعة النظير. 

إنما أنفس الخسيس سباع *** يتفارسن جهرة واغتيالًا

  • وأمر آخر: إننا مصابون بتصديق الظنون بأنفسنا، وتصيد العيب للبرآء فينا، وهذا داء وبيل يلفت عن الصواب، ويقطع الأوصال، ويوغر صدور المصلحين والمخلصين، وصدق الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (آية:12 سورة الحجرات) وروي أن النبي قال: «ألا أُخبِرُكم بشِرارِكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «شراركم المشَّاؤونَ بالنَّميمةِ المُفسِدونَ بينَ الأحبَّةِ الباغونَ للبُرآءِ العيبَ» (الهيثمي:96/8) وكثيرًا ما تُبني الأوهام في أمتنا المصائب، وتهدم الصروح وتبدد القوى، قيل: «أبغض الناس إلى الله المثلِّث». قال الأصمعي: هو الرجل يسعى بأخيه إلى الإمام، فيُهلك نفسه وأخاه وإمامه، وقد قيل: من أطاع الواشي ضيّع الصديق..

أما أن ينزل البلاء بالظن، وتكون الحجة هي قالة السوء، فتلك هي القاصمة للظهر، والحالقة للاستقرار والأمن، أما أن يشعر البرآء بالوجل والخوف، وينعم المرجفون بالإرجاف والإفساد، فإنه لا يسع الناس إلا أن يتحسبوا أي شيء، ويستعيذوا من أي شيء.

أقول وقد رأيت لها سحابًا *** من الإرجاف مقبلة إلينا

وقد سحت غواديها بهطل *** حوالينا البلاء ولا علينا

  • وأمر آخر هو أننا قد تاهت من تصرفاتنا الحكمة، ومن سياساتنا التوفيق، وأصبحنا ندير الأمور بعضلاتنا لا بعقولنا، وبأظفارنا لا بأفكارنا وأحاسيسنا، مع أننا قد أنعم الله علينا وعلمنا الحكمة في كل أمورنا. وصدق الله، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 269) ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (سورة فصلت:34).

قرأت ذات مرة: أنه كان لعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما -أرض وكان له فيها عبيد، وكان إلى جانبه أرض لمعاوية بن أبي سفيان، فدخل عبيد معاوية في أرض ابن الزبير، فكتب عبد الله كتابًا إلى معاوية يقول فيه: أما بعد، يا معاوية إن عبيدك قد دخلوا في أرضي فانههم عن ذلك. وإلا كان لي ولك شأن، فلما قرأ معاوية الكتاب دفعه إلى ولده يزيد فقرأه، فقال معاوية: يا بني ما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إليه بجيش يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، فقال معاوية: بل غير ذلك خير منه يا بني، ثم كتب معاوية له كتابًا يقول فيه: أما بعد. فلقد وقفت على كتاب حواري رسول الله، وساءني ما ساءه، والدنيا بأسرها هينة عندي في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك فأضفها مع ما فيها من العبيد والأموال إليك، والسلام»

 فلما قرأ عبد الله بن الزبير الخطاب، كتب إلى معاوية: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام.

 فلما قرأ معاوية كتاب عبد الله بن الزبير أعطاه إلى ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه بشرًا، فقال له أبوه: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب فإذا ابتليت بشيء من هذه العلل، فداوه بمثل هذا الدواء. 

هذه هي سياسة السادة والكبراء وأصحاب الرأي والحزم، وقد أعجبني سياسة السلطان قابوس في عفوه عن أبنائه بعد الوقيعة بينه وبينهم وهم سنده في الشدة، وسيف الأمة وقوتها في البأساء، أما سياسة الصغار وسُرَّاق السلطة والمحكومين بتعاويز وطِلُسْمات خفية، فهذا شيء آخر يحتاج إلى فهم وكشف للواقع المر!!

الرابط المختصر :