; محاولة للفهم.. ماذا في القاهرة؟ | مجلة المجتمع

العنوان محاولة للفهم.. ماذا في القاهرة؟

الكاتب محمد عبد الفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1973

مشاهدات 12

نشر في العدد 159

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 17-يوليو-1973

إن المتتبع للحياة السياسية بمصر في الفترة الأخيرة وخاصة شهر يونيو (حزيران) سيلاحظ تسارع الاهتمامات واختلافها بحيث أنها تمثل كل القضايا والمشاكل التي تعاني منها مصر قد طرحت في فترة وجيزة جدًا وهي شهر يونيو.

فمع إطلالة شهر يونيو «الذكرى السادسة للنكسة» طرح الرئيس أنور السادات شعار المواجهة الشاملة.. وبدأ الوزراء الجدد الذين تسلموا مناصبهم خلفًا لوزارة السيد عزيز صدقي المقالة بالنزول إلى الجماهير في جميع المحافظات والمراكز والقرى وشرح شعار المواجهة الشاملة وحل مشاكل الناس على الطبيعة وأكثر من وزير مسؤول وفي أكثر من محافظة ألقيت الخطب واستعملت شعارات.. الحرب هي الحل وما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.. وعلى كل فرد في الأمة أن يؤدي دوره في المرحلة القادمة وهي مرحلة المواجهة..

ومن الناحية الأخرى فإن نشاطًا متزايدًا ومكثفًا بدأ في الدبلوماسية المصرية.. فطلبت مصر رسميًا من مجلس الأمن مناقشة مشكلة الشرق الأوسط برمتها منذ قرار التقسيم عام 1947.. واستطاعت أن تحصل على عدد كبير من الأصوات الدولية بالموافقة على مناقشة القضية.. ثم التحركات السريعة والمتتالية لوزير الخارجية المصرية من فرنسا والتصريحات الصحفية والإذاعية عن خطورة الموقف وتهدد السلام العالمي. وموقف إسرائيل المتصلب.. ثم إرسال مندوب الرئيس السادات إلى المملكة العربية السعودية.. دولة الكويت.. ووفد سائر إلى بكين وآخر إلى الأردن.. وتصريح للرئيس اليوغسلافي تيتو عن خطورة الموقف الحالي في الشرق الأوسط وعلى الدول الكبرى أن تؤدي واجبها أمام دول المنطقة.. كل هذا كان مع بداية شهر يونيو...

إن رجل الشارع المصري بات اقتناعه أن الحرب آتية لا ريب فيها ومع الذكرى السادسة.. ومرت الذكرى السادسة.. وبدأ السيد هيكل بصراحته للتنبيه عن موعد اللقاء بين نيكسون وبريجنيف وموضحًا ترتيب مشكلة الشرق الأوسط في محادثات القمة بأنها ستأتي في نهاية القمة وأن على روسيا أن تدرك خطورة الوضع الحالي ومكانتها في المنطقة العربية من إهمال القضية. وعلى العرب بدأ ممارسة الضغط على الولايات المتحدة أو على الأقل التلميح به..

وبالطبع فإن إحسان عبد القدوس يتكلم نفس الموضوع ويمتد إلى عملية شراء السلاح من أمريكا والغرب وموقف أوروبا من العرب وينتهي محذرًا من لقاء أمريكا وروسيا..

وتنتشر الأنباء عن قرب لقاء السادات وكوسجين في دمشق بواسطة الرئيس الأسد ويعلق الرئيس السادات على ذلك بقوله إن كوسجين رجل رمزي في الاتحاد السوفيتي ولكن قائد البحرية يقوم بزيارة لموسكو وتأخذ الزيارة احتمالين إما بحثًا عن سلاح للقوات البحرية بصفة أن صاحب الزيارة قائد البحرية.. أو مناقشة مشكلة الشرق الأوسط ووضعها في لقاء بريجنيف ونيكسون وذلك تبعًا لتوقيت الزيارة..

وتصاب المنطقة بخيبة أمل مفجعة لتحالف روسيا وأمريكا في البيان الصادر عن لقاء القمة. وينفعل الإعلام المصري ويواكبه الإعلام العربي فتظهر الرسوم الكاريكاتيرية للحب والصداقة بين بريجنيف ونيكسون. ويكتب عبد الرحمن الشرقاوي في مجلة روز اليوسف.. لقد أصيب الكثير بخيبة الأمل وخاصة هؤلاء الواهمين أن الحل سيأتي من الخارج..

ويعلن راديو القاهرة عن سفر الرئيس أنور السادات إلى ليبيا وفي التعليق يقال إن الغرض من الزيارة هي دراسة نتائج قمة روسيا وأمريكا..

وفي طريق العودة يمر الرئيس بدمشق ويجتمع مع الرئيس الأسد لمدة 24 ساعة فقط..

وتبدأ اهتمامات القاهرة تتحول في اتجاه الوحدة مع ليبيا ويتم تشكيل لجنة يترأسها عبد القادر حاتم لوضع صيغ القوانين ووجهات النظر في موضوع الوحدة..

ويصل الرئيس الليبي إلى القاهرة ويتباحث مع أنور السادات لمدة يومين في الإسكندرية.

ومن غريب أن يطرح الرئيس الليبي طلب الوحدة الفورية والاندماجية الشاملة مع مصر في أول سبتمبر... والأغرب منه، بل والأعجب هو التمنع الواضح في قبول مصر الوحدة مع ليبيا.

وتحدث مجموعة لقاءات بين القذافي والمؤسسات السياسية والفكرية في مصر.. ويحاول في هذه اللقاءات أن يعبر عن طموحه وآماله ولكنه يقابل وجهات نظر مختلفة متباينة في تحمسها للوحدة.

تخوف اليسار المصري

ففي دار روز اليوسف يخاطب عبد الستار الطويلة- صحفي في الجريدة...

شيوعي- الرئيس القذافي قائلًا: ما يساورنا نحن المثقفين هو المخاوف على الوحدة والمحاذير التي يمكن أن تقع فيها أنت وزملاؤك. أحيانًا نقرأ عن تصريحات وخطب تتحدث فيها عن الأفكار المستوردة وكدت تخلق من الماركسية عدوًا للعالم العربي... الماركسيون في العالم العربي هم جزء أصيل من التقدمية. أريد أن أقول إن هناك تخوفًا من أن تكون ليبيا إضافة جديدة لليمين في مصر المتربص-... وهذا هو واقع الحال للشيوعيين في مصر، وهم أصحاب الرفض الحقيقي للوحدة مع مصر... ويضيف هذا الصحفي قائلًا: كنت ناوي السفر إلى ليبيا بعد قرار قطع يد السارق قررت عدم السفر-.

الشيوعيون العرب لا يعرفون ما يجري في موسكو

ويجيب القذافي على تخوفات اليسار المصري قائلًا:

الشيوعية والرأسمالية في هذه الظروف عمالة. وإذا الشيوعيون والرأسماليون لا يسمحون لنا بالعمل عندهم وعلى أرضهم فلماذا نسمح نحن لهم!! هناك مواد في الجامعات الشيوعية لا يسمح بتدريسها. لا بد أن نبرز شخصيتنا وإلا سلمنا بأننا في منطقة نفوذ. إذا قلنا الاحتواء الفكري مقبول.

فالاحتلال لا بد أن يكون مقبولًا. ولا داعي أن نقاتل إسرائيل ونحرر الأرض.

يبدو أن الشيوعيين العرب لا يعرفون ما يجري في موسكو، وإذا كانت لديهم صورة جميلة فإنها صورة نظرية لا توجد إلا في الكتب، وإذا كانت الشيوعية بهرت بعض الناس فإن هذا كان في فترة من الفترات؛ لكن اجترار الماضي دون تجديد هو عين الرجعية...

فإنسان اليوم مطحون بالماركسية، والرأسمالية الاستراتيجية السوفيتية تختلف عن استراتيجية الأمة العربية ومصلحة الأمة العربية تتناقض 90% مع مصالح الاتحاد السوفيتي. إذا كان في مصر شيوعيون فيجب أن ينتبهوا إلى أن الاتحاد السوفيتي الآن يختلف عن الاتحاد السوفيتي الموجود في الكتب، ونحن نرى أن هناك ثورات حدثت في الوطن العربي سموها تقدمية واشتراكية. وبعدين الأداة الثورية أصبحت تتصرف كليًا عن الجماهير. وسنة بعد سنة انقلبت إلى سوط تسلط على الجماهير.

فجوة بين الشعبين

وفي مناقشات قادة الاتحاد الاشتراكي بمصر، واجه الرئيس القذافي موجة عارمة من النقد والملاحظات.

نصر عبد الغفور- المنوفية: من المؤكد أن هناك فجوة بين الشعبين المصري والليبي... المصري بيروح يشتغل في ليبيا ثم يسب بل إنه مكروه هناك وإحنا في مصر نستقبل الشعب الليبي بالترحاب وبصراحة بيحضر مصر علشان يشرب الخمر وبعدين يشتموا فينا، فيه واحد ليبي قال لي شخصيًا أنتم عايزين فلوسنا.. نحن نطالب بوحدة نابعة من الجماهير ويجب أن تزال الفجوة الموجودة بين الشعبين...

ويقول آخر: لم تحدث للآن لقاءات شعبية بين الشعبين في مصر وليبيا.. الرئيس القذافي بيقول إن الثورة الشعبية في ليبيا صاحبة السلطة.. ولجان هذه الثورة الشعبية أول شيء عملته هي طرد المصريين في ليبيا.. فكيف تتم هذه الوحدة؟

إنني أضم صوتي إلى صوت زميلي أن هناك مشاكل سياسية واقتصادية لا بد من البت فيها. إن اللجان التي قامت بدراسات الوحدة كانت لجانًا حكومية ولم تأخذ رأي التنظيمات السياسية ومجلس الشعب.

يجب أن تكون لنا وقفة لنتساءل: هل نريد وحدة اندماجية أم وحدة فيدرالية تعاهدية. أنا من المنادين بأن تكون الوحدة بين بلدينا وحدة فيدرالية تعاهدية.

إن حرص الجماهير على الوحدة هو الذي يجعلها تطالب بالتأني والدراسة المستوفية للوحدة.

وبيان طرابلس نص على أنه من الجائز أن تتم الوحدة على مراحل متعددة.

وأنا أؤيد هذا الاتجاه وأرى أن نتدرج في الوحدة وأن نبدأ بتوحيد القوات المسلحة.

فتور وركود

وينهي القذافي هذه المناقشات بانطباع حاد وأليم، حين يوجه حديثه إلى الصحفيين والمثقفين قائلًا:

ولكن رغم أهمية هذا الموضوع الحيوي أنا شايف لا حركة... الدنيا ساكتة كده فتور... وكأن الوحدة الاندماجية ليست حدثًا تاريخيًا عظيمًا، أو كأن الوحدة ستكون بقرار سياسي بين حكومتين؛ مثل أي اتفاقية فنية أو اقتصادية أو تجارية.

وهكذا تتساءل

وهكذا كانت أمواج الاهتمامات في مصر من شعار المواجهة الشاملة والنشاط الدبلوماسي إلى ترقب واهتمام وخيبة أمل بلقاء بريجنيف ونيكسون.. ثم مناقشات الوحدة مع ليبيا.

ونتساءل في محاولة للفهم... إن كانت الوحدة أملًا يداعب خيال الشعوب العربية وهدفًا ترى الشعوب فيه مخرجًا لكثير من مشاكلها وتحدياتها أمام التقدم اليهودي الصهيوني... فما هي تصورات هذه الوحدة في ذهن الشعوب وكيف يتخيلها أصحاب الأيديولوجيات المختلفة... هذا هو السؤال والفهم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 111

233

الثلاثاء 01-أغسطس-1972

محليات (111)

نشر في العدد 81

172

الثلاثاء 12-أكتوبر-1971

أكثر من موضوع (العدد 81)