; مجلة الأسرة (187) | مجلة المجتمع

العنوان مجلة الأسرة (187)

تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1974

مشاهدات 182

نشر في العدد 187

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 12-فبراير-1974

لماذا المرأة؟

أدعياء تحرير المرأة

جميل صدقي الزهاوي

 في احتفال حاشد ضم الكثير من أهل بغداد ألقى جميل صدقي الزهاوي قصيدته التي مطلعها:

مزقي يا ابنة العراق الحجابًا

واسفري فالحياة تبغي انقلابًا

 مزقيه واحرقيه بلا ريث

فقد كان حارسًا كذابًا

كان يخاطب صبيحة الشيخ داود التي خرجت على المسرح متحجبة، وعندما قال هذا البيت خلعت حجابها تمزقه إربًا إربًا وتعلن أنها سوف لا تعود إلى هذا السجن المظلم مرة أخرى. كانت هذه الظاهرة حدثًا جديدًا لا في بغداد والعراق، ولكن على طول امتداد العالم الإسلامي المترامي الأطراف.

 ولأول مرة يسفر النسوة عن وجوههن في مدينة الرشيد ويخرجن لمزاحمة الرجال في كافة الأعمال وراح الزهاوي يبارك هذه الوقاحة الجديدة ويغذيها من شعره:

اسفري فالحجاب يا ابنة فهر

هو داء في الاجتماع وخيم

ولسوف أمر على تراث الزهاوي لنرى أكان يريد خيرا للمرأة بهذه الدعوة الجديدة؟ أم أن الدعوة للسفور عنده جاءت تخدم أغراض أخرى استقرت في نفسه.

يكتب الزهاوي تاريخه بنفسه فيقول «.. وأما أمي فاسمها «بيروز» وهي سيدة عصبية المزاج من أسرة كردية وجيهة «ولعلي ورثت العصبية منها» وكنت في صباي أدعى بالمجنون لحركاتي غير المألوفة وفي شبابي بالطائش لخفتي وإيغالي في اللهو، وفي كهولتي بالجريء لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي بالزنديق لمجاهرتي بآرائي الحرة الفلسفية المخالفة لآراء الجمهور».

فشهد الرجل على نفسه بأنه مجنون وطائش وأنه كان يدعى بالزنديق لمجاهرته بآراء فلسفية تخالف رأي الجمهور وسنتعرض لهذه الآراء بعد قليل.

 

الزهاوي والسياسة

كان الزهاوي عضوًا لمجلس المعارف في بغداد، ثم مديرًا لمطبعة الولاية، ثم محررًا عربيًا للزوراء الرسمية، ثم عضوا لمحكمة الاستئناف، وكان من أعداء السلطان عبد الحميد والخلافة الإسلامية، ومن أنصار الاتحاديين حتى إن «جمال باشا» أعاده لبغداد رغم الضجة الشعبية ضده وكافأه الاتحاديون فعينوه نائبًا عن لواء المنتفق في البرلمان العثماني، وما زال خادمًا أمينًا للاتحاديين حتى قامت الحرب العالمية الأولى ودخل الإنكليز العراق وأرادوا اعتقاله فأبرز لهم وثيقة تثبت أنه مكاتب لجريدة المقطم المصرية الموالية للإنكليز فافرج عنه وانطق لسانه يكيل المدح للإنكليز والولاء لهم:

أحب الإنكليز وأصطفيهم

لمرضى الإخاء من الأنام

 جلوا في الملك ظلمة كل ظلم

بعدل ضاء كالبدر التمام

 ثم يهاجم الأتراك هجومًا عنيفًا، ويفضل الإنكليز عليهم فيقول:

تبصر أيها العربي واترك

ولاء الترك من قوم لئام

ووال الإنكليز رجال عدل

وصدق في الفعال وفي الكلام

 وأنت تسومك الأتراك خسفا

وتسلب من حقوقك باهتضام

 وبالأمس كان يناجي السلطان عبد الحميد - وهو عدوه اللدود -:

سياسة مولانا الخليفة فاخدم

يفل به الأمر اليسير ويحسم

وقد بعث الله الخليفة رحمة

إلى الناس إن الله للناس يرحم

ففي عهده قد أصبح الملك عامرًا

به الأمن يزهو والأماني تبسم

وعاد يمدح فيصـل الحسين :

 إنا محيوك فاسلم أيها الملك

ومصطفوك لعرش زانه الفلك

 وبعد جفوة الملك عاد يتزلفه ويمدحه حتى عينه عضوا في مجلس الشيوخ.

لقد عاش الزهاوي متقلبًا يبارك الحاكم ولو كان - كوكس  الإنكليزي - وشعر هو بهذا التقلب فقال : «وقد نظمت قصائدي في ظروف مختلفة وأوقات مختلفة، وأحوال مع نفسية مختلفة، فلا غرو في الشعور والرتبة »

ولا شك أن أدعياء تحرير المرأة الجدد !! يغضون الطرف عن عمالته للإنكليز المستعمرين، ويغفرون ما أسرف في مدح صاحب السلطان مهما كان، لأنه قد كفر عن كل ذنوبه- عندهم- بخروجه على رأي الجمهور ودعوته لانحلال المرأة وبهذا وذاك يعتبرونه مجددًا ومصلحًا وعظيمًا.

الزهاوي وتحرير المرأة

فهو يريد للمرأة أن تمزق الحجاب لينظر إلى وجهها، ليشبع نهمه منها، وبهذه الأبيات القليلة يسفر عما في نفسه من دعوته التي أعلنها:

 نظرت إليها وهي تخطو كأنها

غزال بمخضر من الروض يمرح

 وتحسب ماس القرط نار حباحب

على متلع من جيدها تتوهج

ولا صبر حتى يمسك القرط رجفة

بآذانها من جيدها تتوهج

حقًا إن ماس القرط نار تلتهم المعتدين على شرع الله، والرجل رهين بأعماله عند الله لقد سقط في الحفرة التي كان يخشاها، وترتعد فرائصه من ذكرها.

والزهاوي لا يريد إنقاذ المرأة من الجهل والتخلف، ولو أراد ذلك وكان صادقا في مراده لما أعلن ثورته على الحجاب وراح يسرد مضاره ومنها: «إن الحجاب يسيء ظن الغربيين بنا فإنهم يقولون لو كان المسلمون واثقين بعفة نسائهم لما ضغطوا عليهن هذا الضغط فأخفوهن عن عيون تطمع في النظر إلى وجوههن النضرة» فهو يفكر بعقلية أسياده الغربيين ويخشى من سوء ظنهم بأمثاله، ويؤكد أن الغرض من السفور أن عيونًا طائشة مستهترة تريد النظر إلى وجوههن النضرة!

ويمضي الزهاوي كاشفًا عن أغوار نفسه فيصب نقمته على الأوائل من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم:

كان الحجاب يسومها

خسفا ويرهقها عذابًا

إن الأولى قد أذنبوا

هم صيروه لهـا عقابًا

ولا يتوقف عند هذا الحد فیعیب الإسلام لموقفه من المرأة - كما يظن - ونشر في صحيفة المؤيد «العدد ٦١٣٨» «أجاز المسلمون- بإطلاق الكلمة- أن يقسو الرجل فيطلق المرأة ويستبدلها بغيرها كسقط المتاع.. لماذا لم يجز.. المسلمون- يريد الإسلام- أن تطلقه لتنجو من شراسته، أشاعت بعض الصحف أن جماعة من النساء المظلومات شرعن يرتددن فرارًا من معاشرة أزواجهن المسيئين إليهن، وذلك نتيجة معاملة قاسية طبيعية لذلك الظلم الثقيل، فلا يلومن المسلمون إلا أنفسهم فهن مضطرات إلى الردة وما حيلة المضطر إلا ركوبها».

ويمضي في «قالته الشنيعة» فيعيب على الإسلام أن عقدة الطلاق بيد الرجل، وأنها ترث نصف الرجل، وهي مقبورة في حياتها بالحجاب وعدم الاختلاط، وهي مهضومة في الآخرة لأن الرجل المصلي يعطي من الحور العين من سبعين إلى سبعين ألفا، وأما المرأة المصلية فلا تعطى إلا زوجها وربما اشتهته في الجنة التي وصفوها قائلين ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ﴾ (الزخرف:٧١) على حين يشتهى هو غيرها من الحور العين اللائي أعطينه .

 فالزهاوي اتخذ ذريعة للدس على الإسلام والكيد له، كما هو واضح فيما قاله، وبعد ذلك أراد تقليد من المرأة الغربيين، وبين رغبته في التمتع بالنظر إلى النساء في الشوارع وهن عاريات.

 

 عقيدة الزهاوي

- قال الزهاوي: «وفي شيخوختي كنت أدعى بالزنديق لمجاهرتي بآرائي الحرة الفلسفية المخالفة لآراء الجمهور».

فما هي هذه الآراء التي خالف فيها الجمهور؟ منها نقده للإسلام بأنه هضم حقوق المرأة وسلط الرجل عليها - وقد مر بك ذلك قبل قليل.

 ولقد قال في رسالة بعثها للأستاذ أحمد محمد عیسى:

 لما جهلت من الطبيعة أمرها

وأقمت نفسك في مقام معلل

 أوجدت ربا تبتغي حلا به

للمشكلات فكان أكبر مشکل

ثم يقول والجانب البارز في حياتي هو تمردي على كل  قديم ضار

سئمت كل قديم

عرفته في حياتي

إن كان عندك شيء

من الجديد فهات

 وله قصيدة عنوانها «ثورة في الجحيم» عدد أبياتها (٤٣٣) بيتًا ومن فهرس مندرجاتها:

- السؤال في السفور والحجاب وجواب الميت.

- الله هو الأثير والاختلاف في الاسم.

- حوار بين الميت وليلى الجحيم «ليلى فتاة فرقوا في الجحيم بينها وبين حبيبها».

- يعدد من شعراء الجحيم: عمر الخيام يتغنى بالخمرة، سقراط، منصور الحلاج يعاتب الله.

- اختراع أحد أهل الجحيم آلة تطفئ السعير.

 ثم يتحدث عن شاب في الجحيم يخطب ويدعو إلى ثورة عامة، ثم تنشب الحرب بين حفظة جهنم وأهل الجحيم، وينجد الشياطين أهل الجحيم ويحتلون الجنة ويطردون البله منها. وآمن بوحدة الوجود واعتبرها جوهر التصوف الإسلامي وكذلك بفكرة الأثير.

 وعن عقيدة الزهاوي تحدث الأستاذ كمال إبراهيم:

لقد قرأ لي قصيدته «ثورة في الجحيم» قبل أن ينشرها عام ۱۹۲۸ وقد بادرني وهو يخرج أوراقها، أأنت ممن يعتقد بهذه الخرافات؟

يقصد قضايا البعث والنشور

 قلت: لكل رأيه ومعتقده.

ومن قصيدته «الدمـع ينطق والهًا» التي قالها في مصر:

وليس يبالي ميت في حفيرة

بأن ضريحًا فيه قد نام ضيق

وسائله هل بعد أن يعبث البلى

بأجسادنا نحيا وندنو وننطق

 فقلت مجيبًا إنني لست واثقا

بغير الذي حسي له يتحقق

 تقولين يفنى الجسم والروح خالد

فهل بخلود الروح عندك موثق؟

 وهذا الانحراف في العقيدة كان سببا في خروجه من العراق- بعد أن خشي على نفسه من القتل- إلى سورية ثم مصر وكان فيها منبوذًا إلا عند «سلامة موسى» وأصحاب الهلال «فوافق شن طبقه» كما قال العرب قديمًا وأجمع علماء ذلك الزمان على تكفيره والرد عليه ومنهم الشيخ سعيد النقشبندي الذي ألف رسالة عنوانها «السيف البارق في عنق المارق». 

وبلغ به الاستهتار في الدين وعلماء المسلمين أنه لما كان نائبًا في البرلمان ونوقشت ميزانية البحرية وجد مخصصات باسم «البخاري الشريف»- أي لطبع كتب هذا الإمام العلامة- فأنكر ذلك وقال «هل يتحرك الأسطول بالبخار الشريف أم بالبخاري الشريف؟» وهذا مكتوب بخط يده.

فالزهاوي متقلب في سياسته يمدح في الحكام من أشرق نجمه، ويصب ناره على من سقط عن كرسي الحكم ولو كان من أقرب المقربين إليه، ولا يخجل في ولاء الإنجليز وجريدة المقطم.

والزهاوي: استغل المرأة لجبنه عن حرب الإسلام وجها لوجه  فتظاهر بالدفاع عنها بما سماه حرية المرأة ولكنه تحلل وفساد وعبادة لصنم ركع له فلاسفة ذلك العصر وسموه «أوربا» 

وليس المهم عندي أمات الزهاوي زنديقًا كافرًا أم لا.

 لكن المعروف- عند أهل العراق- أن ابن عمه علامة العراق فضيلة الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله، رفض أن يصلي عليه عند موته عام ١٩٣٦.

صحيح أن الزهاوي قبل وفاته قال أبياتا فيها ذكر الله ورسوله لكن هل قال ما قال تزلفًا للمناسبات التي اعتادها لكن الذي أقوله إن رجلًا طائشًا مجنونًا عندما قال شعرًا وفي معظم أيام حياته لا تقبل امرأة عاقلة أن يكون سندًا لها ومدافعًا عنها، إلا إذا كانت على شاكلته.

- أم عصام-

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 240

101

الثلاثاء 11-مارس-1975

في جامعة الإسكندرية

نشر في العدد 419

84

الثلاثاء 07-نوفمبر-1978

يهود الدونمة.. وحجاب المرأة..