العنوان الشيشان: دوداییف يكشف خدعة السلام الروسية.. مبادرة يلتسين مناورة سياسية لمصالح انتخابية
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996
مشاهدات 79
نشر في العدد 1196
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 16-أبريل-1996
- دودايیف: نحتاج الحرية لا السلام.. والبعد عن مطلب الاستقلال خيانة لـ ٣٠ ألف شهيد
نداء الرئيس الروسي بوريس يلتسين لوقف العمليات العسكرية في الشيشان وبدء مباحثات سلام مع الرئيس الشرعي جوهر دوداييف– دون أن يصفه بالإرهابي– والذي أعلنه في نهاية مارس الماضي، لم ينخدع به لا الرئيس دوداييف، ولا المقاتلون الشيشان، ولا حتى المواطنين العاديين من الروس، ولا الجيش نفسه، إذ أن الجميع يعرف أن خطة السلام المزعومة ما هي إلا مناورة سياسية لامتصاص الغضب الجماهيري بسبب التورط في المستنقع الشيشاني، وذلك قبل انتخابات ١٦ يونيو «حزيران» المقبل، خاصة وأن منافسه الشيوعي يحتل المركز الأول في استطلاعات الرأي العام.
تهامى أولي أستاشلينو– مواطنة روسية تعيش في الشيشان- تعلق على المبادرة قائلة: لا أصدق كلمة واحدة يقولها يلتسين.. فالطائرات من ارتفاع ۳۰۰۰ كم تمطر كل الشيشان بقنابل الموت، فهل يوجد ملاح أو طيار مهما كان يستطيع التفريق بين المدني والعسكري؟ بالطبع لا.. فعن أي سلام يتكلم هؤلاء؟
أما أومار «۳۸ سنة» وهي روسية تعيش في موسكو، فقالت: إن يلتسين لا يستطيع أن يفعل شيئًا، إنه لا يستطيع حكم نفسه، فهو مخمور ليل نهار، وكلمته لن يصغي لها أصغر جندي.
ولكن شاشا «١٩ سنة» قالت: إن يلتسين كاذب ومخادع، وإنهم– تقصد الإدارة الحاكمة والجيش– بعد أن يحتسوا الأطباق طبقًا طبقًا سيلعقون أصابعهم القذرة، فهناك الكثير من المستفيدين من استمرار الحرب.
كشف الفخ
بالطبع لم يسقط الرئيس دوداييف في الفخ الروسي، فطالما أعلن الرئيس يلتسين نداءاته لوقف إطلاق النار بهدف امتصاص غضب الرأي العام المحلي والعالمي دون أن يتحقق ذلك الأمر ولو لبضع ساعات، لذلك كان رده المتوقع والحاسم «أنهم لن يتراجعوا قيد أنملة عن مطلب الحرية والاستقلال؛ لأنهم ببساطة شديدة لو فعلوا ذلك سيخونون ٣٠ ألف شهيد سقطوا حتى الآن من أجل ذلك المطلب، وبالتالي فإن الاستقلال والحرية هما دين في أعناقنا لهؤلاء الشهداء، وعلينا أن نوفيه، نحن لا يلزمنا السلام، ولكن الحرية، وحتى إذا ما انسحبت القوات المسلحة الروسية من بعض المناطق، فسوف تسلمها لقوات OMOM التي يقودها الروس، وهي أشد فتكًا، فجنودها من المجرمين وأبناء الشوارع «الغجر»، ولذلك ستكون أكثر خطورة بسبب وجود أسلحة مرعبة في أيديهم».
استمرار العمليات
ومن المؤكد أن دوداييف وغيره كانوا على حق إذ أن جروزني والقرى المحيطة بها لم تسمع بوقف إطلاق النار؛ لأن الأسلحة الروسية لم تتوقف، بل إن الجنرال فلاديمير ساميونوف– قائد القوات الروسية– قال في تصريح يوم ٢ إبريل «نیسان» الجاري: إن بداية انسحاب بعض القوات العسكرية من الشيشان لن تبدأ قبل نهاية الشهر الجاري، وأضاف بأن العمليات العسكرية ستستمر في مناطق جنوب جمهورية الشيشان، وعلى رأسها فدينو ونوزهاي يورت في الجنوب الشرقي، وباموت وستاري أتشوي، وأوركهوفو في الجنوب الغربي.
وهو الأمر الذي أكده أيضًا دوداييف في تصريح لوكالة أنباء توران الأذربيجانية بثته في الثاني من إبريل «نيسان» أيضًا، أشار فيه إلى أن المعارك لم تتوقف لحظة رغم إعلان يلتسين وقفه لإطلاق النار من منتصف ليلة الأحد ٣١ مارس، ولم يغلق دوداييف باب إمكانية التفاوض مع الروس، وترك الباب مفتوحًا إذا كانت مباحثات السلام ستستند إلى الواقع.
قراءة في المبادرة
وبالطبع فإن مبادرة السلام التي طالما تحدث عنها يلتسين وأتباعه لم تحمل جديدًا، والمفاجأة الوحيدة كانت في اعترافه بشرعية دوداييف، واستعداده للتفاوض معه، ورغم إعلانه عن ضرورة إجراء انتخابات حرة بعد السلام، إلا أنه لم يفصح عما إذا كان سيسمح لدوداييف والمجاهدين من أتباعه بالمشاركة أم لا؟ كما لم تتضمن المبادرة كلمة الاستقلال، والعنصر المهم في الخطة هو أنه ترك الباب مفتوحًا لعمل مباحثات مع دوداييف بشرط تحقيق السلام والاستقرار في الجمهورية خلال فترة محددة، وبذلك يكون قد قبل بأن دوداييف هو القوة الأولى في الشيشان، وسحب الشرعية من مؤيدي روسيا هناك الذين أتى بهم يلتسين في انتخابات مزيفة لإدارة الشيشان.
ولكن يلتسين رغم مغامرته بالاعتراف بدوداييف الذي تطالب برأسه السلطات القضائية الروسية، وأعطت أمرًا بالقبض عليه، فإن لتكتيك السلام الذي اتبعه أهداف أخرى غير موضوع الانتخابات، وإرضاء الرأي العام العالمي الذي عاد اهتمامه إلى القضية الشيشانية ثانية بعد العمليات الناجحة التي قام بها المجاهدون الشيشان مؤخرًا.
إثارة القرى ضد دوداييف
ففي الأسبوع الأخير من شهر مارس الماضي ترددت ادعاءات حول رغبة بعض القرى الشيشانية في توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار مع روسيا، مما يعني اهتزاز الأرضية التي يقف عليها المجاهدون ودوداييف؛ ولذلك فإن إطلاق المبادرة في ذلك التوقيت استهدف وضع الرئيس الشيشاني في مأزق حرج، خاصة بعدما صرح يوم ۲۸ مارس الماضي من خلال محطة تلفازه الخاصة ردًا على ذلك، إذ قال: إن توقيع اتفاقية سلام بين روسيا والقرى يعني إلقاء السلاح، وعدم السماح للمجاهدين للقوات الروسية بدخول القرى، وبالطبع لن تتمكن القوات الروسية من تحقيق ذلك، فهي ستقوم في كل لحظة بالإخلال بالاتفاقية مع القرى التي ستكون بدون دفاع حينذاك، وأكد أنه لا يثق في الروس، فإذا أرادوا وضع حد للحرب، فيجب عليهم أن يتفاوضوا بجدية معنا أولًا، فإنهاء الحرب مرتبط بموسكو أولًا، ولكن لن تنتهي الحرب قريبًا.
والقرى الشيشانية كانت الضحية الأولى لتلك الحرب الإبادية دون شك، فإذا علمنا أنه قد تم إزالة ۳۷۰ قرية من مجمل ٤١٠ حتى الآن لأدركنا فظاعة ما يحدث هناك بين القوة العظمى الثانية في العالم والقرى الشيشانية الفقيرة، فقرية شماشكي– على سبيل المثال– التي تم احتلالها يوم ٢٨ مارس بعد قتل ٥٠٠ مدني من سكانها لم يبق فيها لبنة بيت واحد، علاوة على وجود 1.2 مليون شيشاني لاجئين في الجبال هربًا من القصف العشوائي من الطائرات أو الدبابات، فهناك حاليًا ٦٠٠ دبابة، ومئات المدافع الثقيلة هدفها الوحيد تدمير القرى وحصد الأرواح، وبالتالي فخروج بعض النداءات من بعض الأفراد فيها لتوقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار لا تعني استسلامًا للهزيمة أو سحب الدعم من المجاهدين، ولكن لحماية الأطفال والنساء من الإبادة.
الفيروس القاتل
تلك الإبادة التي تتفتن روسيا في القيام بها ضد الشعب الشيشاني، ليس بالقنابل فقط، ولكن من خلال تطوير فيروس قاتل يتم حقنه لأطفال الشيشان من خلال حقن التطعيم، وهو ما صرح به حسني حازوييف–رئيس الوزراء الشيشاني– لصحيفة تركيا يوم ۲۹ مارس الماضي «بهدف القضاء على النسل الشيشاني كسلاح أخير بعدما فشلت كل الأسلحة».
ولكن فيروس الموت لا يمكنه القضاء على الروح الشيشانية المحصنة بلقاح الإسلام ومصل الاستقلال.
وعمومًا فإن اعتراف يلتسين بشرعية دوداييف يعتبر نصرًا كبيرًا للمجاهدين الذين نجحوا في إجباره على الاعتراف بالحقيقة أيًا كان هدفه من تلك المبادرة التي لم تجعل القرى الراغبة في عقد اتفاقية سلام مع القوات الروسية في التمرد ضد دوداييف والمجاهدين تثور ضدهم، بل تواصل حمايتهم وتقديم المأوى لهم داخل أرواحهم ووجدانهم.
كما أن دوداييف وقوات المجاهدين سيواصلون القتال، ولن يتوقفوا إلا بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الروسية، فإذا جاءت إدارة جديدة يمكن إجراء مباحثات جدية معها على أساس الاستقلال التام للشيشان أولًا، ثم البحث عن الصيغ الارتباطية مع روسيا بسبب الموقع الجغرافي المعقد للشيشان ثانيًا.
وإذا ما نجح يلتسين فإن المجازر ستستمر، والدماء الشيشانية المسلمة ستكون حافزًا للثورة في كل مكان، فالنموذج الشيشاني للجهاد يفزع جميع الأنظمة، ولذلك فإن الأمم المتحدة، والناتو، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وحتى منظماتنا الإقليمية، ومعظم العواصم الإسلامية تغض الطرف عن الجريمة الروسية، عسى أن يتمكن يلتسين من القضاء على الفيروس الجهادي في الشيشان، حتى لا تصاب باقي الشعوب بعدواه السريعة.