; ما العِبْرة في وفاة الملك فيصل؟ | مجلة المجتمع

العنوان ما العِبْرة في وفاة الملك فيصل؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1975

مشاهدات 18

نشر في العدد 259

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 22-يوليو-1975

لقد قُتل الملك فيصل رحمه الله تعالى وفارق هذه الدنيا في سرعة خاطفة لم يكن أحد يتصورها ولا حتى هو نفسه، فقد كانت أمامه وفي مخيلته الكثير من المشاريع والمقترحات؛ وهكذا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وهكذا: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.

والشيء المهم الآن هو: هل حصلت العبرة بهذه الوفاة أم لا؟ خاصة للملوك والرؤساء والأمراء والوزراء وأصحاب المناصب والأموال، ثم لعامة الناس ولنا جميعًا؛ هل اتعظنا؟ وهل نحذر الموت ونستعد له استعدادًا حقيقيًا؛ لأننا لا ندري متى يأتي الأجل، أفي بلدنا أم في بلد آخر؟! ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، وهل ذلك في الأرض أو في البحر أو في الجو؟ وبأي شيء؛ أيكون الموت بمرض أم برصاص أم بحريق أم باصطدام أم بسيف أم خنجر أم بقنبلة أم أي شيء آخر لا نعلم؟! أفي اليقظة أم في النوم؟! لأنك إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وقد نكون فجأة بالسكتة القلبية ونحن في أي مكان؛ واللازم علينا الآن أن نراجع أنفسنا ونحاسب أنفسنا قبل أن نُحاسَب؛ ماذا قدمنا للإسلام؟ وماذا عملنا له؟ وما الذي يجب أن نعمله ونقدمه؟ وهل أعمالنا التي نقوم بها ترضي الله سبحانه وتعالى؟! ولنستعرض شريط الحياة ومسؤولياته:

«ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» (متفق عليه في البخاري ومسلم).

لعل كل شخص من رئيس أو ملك أو سلطان أو غيرهم يفكر ولكن يقول: ما زلت شبابًا وما زال في العمر بقية وسعة، وبينما هو في هذه الأحلام والأوهام جاء الأجل ولا ينفع الندم: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.

إذن فيا أيها المسلمون والمؤمنون، أيها الحكام والمحكومون: لنرجع إلى الله سبحانه ولنصلح الأعمال فتصلح الأحوال؛ لأنه بصلاح الأعمال يصلح الله الأحوال: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.

لنفكر كم أخطأنا وقصرنا في حق الله وهو غفور شكور حليم، فلنتب إلى الله عز وجل، ويقول الشاعر:

يا مَنْ أساء فِيما مَضَى ثُمَّ اعْتَرَفْ                     كُنْ مُحْسِنًا فِيما بَقِيَ تَزْدَدْ شَرَفْ

أَبْشِرْ بِقَوْلِ اللَّهِ فِي فُرْقَانِهِ                                    «إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفْ»

فهل سنعود إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى تحكيمهما دون غيرهما من القوانين الوضعية الغربية والشرقية التي هي من وضع البشر الذين لا يعرفون خيرهم من شرهم ولا ما هو مصيرهم وماذا سيفعل بهم، فالذي لا يدري ما يكون مصيره بعد يوم أو ساعة أو دقيقة كيف يضع قانونًا ودستورًا لمئات السنين؟! ولكن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، عالم الغيب، وعالم بما كان وبما يكون وبما لم يكن لو كان كيف يكون، ويعرف ما هو الأصلح لهم في كل زمان ومكان وحال وأوان، أما الإنسان فهو ضعيف كل يوم يبدل ويغير ويزيد وينقص في هذه الدساتير الظالمة والكافرة والفاسقة.

فلنرجع بسرعة قبل فوات الأوان، والموت يأتي بغتة بغير تحذير ولا إنذار:

هوَ المَوْتُ فَاحْذَرْ أَنْ يَجِيَئَكَ بَغْتَةً                     وَأَنْتَ عَلَى سُوءٍ مِنَ الفِعْلِ عَاكِفُ

وَبَادِرْ بِأَعْمَالٍ يَسُرُّكَ أَنْ تَرَى                              إِذَا مَا كُوَشِفَتْ لِلنَّاسِ الصَّحَائِفُ

لا يفرق بين شاب وشيخ، ولا كبير وصغير، ولا أمير أو فقير، أو ملك أو وزير، أو تاجر أو بر أو فاجر؛ فالحذر الحذر من الخمول والغفلة، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، ولا ينفع بعد الموت إلا العمل الصالح والإيمان. ألا نتذكر كل يوم تمر أمامنا جنازة من قريب أو صديق أو جار؟!

كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ                         يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ

فَإِذَا حَمَلْتَ إِلَى القُبُورِ جَنَازَةً                              فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَهَا مَحْمُولُ

ليتفكر الذين ينامون على وسائد الحرير والديباج والخمائل على ماذا سينامون في القبور؟ بأي خد يبدأ التراب بالوصول إليه؟ كيف الجسم وهو ينخره الدود؟!

يَا خَدُّ إِنَّكَ إِنْ تُوَسَّدْ لِينًا                                     وُسِّدْتَ بَعْدَ المَوْتِ سَمَّ الجَنْدَلِ

فَانْهَضْ لِنَفْسِكَ صَالِحًا تَنْجُو بِهِ                      فَلَتَنْدَمَنَّ غَدًا إِذَا لَمْ تَفْعَلِ

وكيف الحساب في القبر والسؤال؟! هل أعددنا لكل سؤال جوابه؟! ليت شعري نحن في غفلة وبعد شاسع عن تذكر الموت والقبر وعقابه وحسابه وعذابه! هل ستكون قبورنا روضة من رياض الجنة نرى فيها مقعدنا من الجنة ويأتينا من روحها وبردها ورائحتها الطيبة، أم ستكون حفرة من حفر النار نرى فيها المقعد في جهنم ويأتينا من حرها ورائحتها الكريهة والعياذ بالله؟! نحن بعيدون عن هذا التفكير لضعف إيماننا ويقيننا وانغماسنا في شهوات الدنيا الفانية.

فلتكن في وفاة الملك المرحوم عظة وعبرة، ولا نترك الذكرى تمر سدى، وكفى بالموت واعظًا، وإذا لم نتعظ بالموت فبأي شيء نتعظ؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

فنصيحة إلى الحكام خاصة من الملوك والرؤساء والأمراء ثم إلى المحكومين عامة - والدين النصيحة: ارجعوا إلى الله وحكموا كتابه وطبقوا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وادعوا إلى سبيل ربكم بالحكمة والموعظة الحسنة. وفق الله حكام المسلمين وهداهم إلى ما يحبه ويرضاه من القول والفعل والعمل، وأصلح العلماء ورزقهم قول كلمة الحق في كل حال في الرضا والغضب وأمام جميع الناس، وأصلح الرعاة والرعية، وعلمنا ما ينفعنا ونفعنا بما علمنا، وجعل علمنا حجة لنا لا حجة علينا، وجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

عبد العزيز بن يوسف بهزاد

خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة - البحرين

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1783

74

السبت 05-يناير-2008

حياة  القلوب

نشر في العدد 1674

87

السبت 22-أكتوبر-2005

لعلكم.... في رمضان

نشر في العدد 639

89

الثلاثاء 04-أكتوبر-1983

الأسرة- العدد 639