العنوان ما الذي حدث؟
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2010
مشاهدات 100
نشر في العدد 1896
نشر في الصفحة 66
السبت 03-أبريل-2010
يتألم الإنسان كثيرًا وهو يرى بعض التقاليد ومفردات السلوك اليومي الإسلامية متجذرة في ديار الغرب، بينما تكاد تتلاشى وتغيب في ديارنا؟
ليس بالضرورة؛ لأن الغربيين تعلموها من قاموسنا الإسلامي، وإنما هي عندهم وليدة تنامي الخبرة الاجتماعية التي تتحرك (أحيانًا) على خط صاعد، وتصل بالجماعات والشعوب إلى اكتشاف الحالات، و الممارسات السلوكية الأفضل والأحسن والأكثر ملاءمة لإنسانية الإنسان وحياته الاجتماعية.
في لندن.. في باريس.. في برلين.. في مدريد.. في كل عواصمهم ومدنهم وقراهم، تكاد ترى وأنت تتعامل معهم البسمة نفسها وهي تغمر الوجوه والكلمة الطيبة ذاتها معلقة على الشفاه، والرغبة العفوية غير المصطنعة في إماطة الأذى عن طريق الناس.
أليس رسولنا ﷺ من علمنا أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن تبسمنا في وجوه الآخرين صدقة؟ أليس هو الذي طلب منا بل أمرنا أن نميط الأذى عن طريق الناس، ماديا كان هذا الأذى أم معنويًا؟
والقرآن الكريم، ألم يأمرنا أن نرد التحية بأحسن منها، أو أن نعيدها كما وجهت إلينا على أقل تقدير؟ ما الذي يحدث في ديارنا ونحن نتعامل مع بعضنا في الدوائر والأسواق والأماكن العامة والمؤسسات، فلا نكاد نتلقى كلمة طيبة، أو بسمة حانية، أو رغبة جادة في إماطة الأذى عن طريق بعضنا والبعض الآخر.. أيا كان هذا الأذى؟
وأين هو رد التحية بأحسن منها، أو حتى ردها كما هي؟
تقول للموظف أو البائع، وأنت تتسلم منه المعاملة أو تسلمه النقود: شكرًا، فلا يرد عليك.. ويا ليته يقف عند هذا، بل هو يمضي إلى أبعد من ذلك فيرمي بالمعاملة أو بقية النقود في وجهك وكأنها منة يمن بها عليك..
تبتسم بمودة في وجه هذا الموظف أو البائع أو ذاك، فلا يبادلك الابتسام، بل إنه يمضي إلى أبعد من ذلك فيقطب في وجهك وملامح الغضب والازدراء تكسو وجهه..
تسلم بحرارة على هذا الشاب أو تلك المجموعة من الشبان فيردون عليك همسًا من أطراف أنوفهم، وقد لا يردون أساسا، وأنت لا تريد سوى أن تسترجع تحيتك كما هي، فلا تحظى بما تريد.
حياة متيبسة لا تطاق.. ومشاعر نضب فيها كل ما هو عذب ورقيق.. ونفوس طغى عليها الجفاء.. ووجوه لم تعد ترى فيها ذرة من حنان.. ما هكذا أرادها لنا رسول الله ﷺ.
ومن عجب أن بعض هؤلاء الذين تتحدث عنهم يصلي ويصوم ولا تكاد تفوته صلاة في مسجد.. فأين ذهب إذن تأثير صلاتهم وصيامهم في تهذيب نفوسهم، وترقيق عواطفهم، وصياغة مفردات سلوكهم؟! قد يقول البعض إن الزمن الصعب الذي اجتازه المسلمون عبر القرون أو العقود الأخيرة بوجه الخصوص، استأصل من نفوسهم الكثير، واستلب من مفردات سلوكهم الكثير.. فقد يكونون معذورين في تصرفاتهم تلك!
والرد على هذا الادعاء ليس صعبًا أو عسير المنال.. فها هي ذي الشعوب الغربية تجتاز عبر الحربين العالميتين الأولى والثانية متاعب وأهوالًا لا تقل عما ابتلينا به واجتزناه.. ولكنهم لم يفقدوا الكلمة الطيبة والبسمة الحانية ورد التحية بأفضل منها..
لا، بل إن كلمة أسف، تكاد لا تغادر شفاههم حتى وهم يتلقون أخطاء الآخرين، وربما تجاوزاتهم وعدوانهم…