العنوان مالك سيف في كتابيه (٤)
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 784
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 23-سبتمبر-1986
•
كل الأحزاب الشيوعية([1]) دون
استثناء تزعم أنها تمثل الطبقة العاملة، كما تزعم أن هذه الطبقة الاجتماعية- ولو لم
تكن موجودة أصلًا كطبقة في كثير من المجتمعات- ملتفة حولها وتؤيدها، والحزب الشيوعي
العراقي- بما أنه حزب شيوعي- يزعم ذات الزعم، فهل كان ذلك الحزب يمثل فعلًا الطبقة
العاملة في العراق يوم نشأ عام ١٩٣٤م؟
يعالج مالك سيف- الأمين العام السابق للحزب- هذه المسألة بنظر ثاقب،
لا ينبغي أن يغيب عمن يتابع الأحزاب الشيوعية وأداءها السياسي.
•
يقول مالك سيف في كتابه «للتأريخ لسان» ص ٦٤ التالي([2]):
«الذين حضروا اجتماع التأسيس،
وعددهم ستة عشر شخصًا يمثلون شرائح اجتماعية غير بروليتارية (غير عمالية)، إذ كان سبعة
منهم محامين، وخمسة معلمين، ومدرسيْن وثلاثة كتاب في دوائر حكومية، وحرفي واحد، ومستخدم
واحد».
وفي صفحات ٢٩٥ – ٢٩٧ يذكر أسماء المؤسسين الستة عشر، ومحل وتاريخ
الولادة، والمهنة، والتحصيل الدراسي، ويخرج القارئ للأسماء والمهن والتحصيل الدراسي
بخلاصة أن هذا الحزب هو حزب مثقفين، وليس حزب طبقة عاملة كما يزعم، واستمرت هذه السمة
تطبع هذا الحزب حتى يومنا الحالي، مرورًا بمؤتمرات الحزب لسنة ١٩٤٤ و١٩٤٥.
يقول مالك سيف في كتابه: «تجربتي في الحزب الشيوعي» ص ٩٠:
«كان عدد الذين حضروا «الكونغرس»
١٩٤٤ لم يتجاوز الخمسة عشر مندوبًا، وزاد عددهم في جلسات «الكونغرس» ١٩٤٥ إلى حوالي
العشرين، وفي كلا المؤتمرين كان عدد المعلمين والمدرسين يشكل النصف أو أكثر»، أما المكتب
السياسي للحزب الذي يزعم أنه يمثل الطبقة العاملة، وينطق باسمها، ويجسد طموحاتها الاجتماعية،
فليس فيه إلا عامل «بروليتاري» واحد، وهو «عبد تمر» ولم يعين في المكتب السياسي عضوًا
إلا بعد إلحاحه في مؤتمر التنظيم ١٩٤٥ حسب رواية مالك سيف (انظر تجربتي في الحزب الشيوعي
ص ٩٦).
•
لقد وقعت معظم الأحزاب الشيوعية في حظيرة المثقفين «الأنتلجنسيا»
ومنها الحزب الشيوعي العراقي؛ لأنها تهتم- خاصة في مراحل التأسيس- بالدعاية قبل التنظيم
والتنفيذ، وهذا يستلزم النشرات والمجلات والكتب والمحاضرات والحلقات النقاشية، ومعظم
الذين يتعاملون مع هذه المواد الإعلامية- وبطبيعة الحال- هم من المثقفين والمتعلمين،
وقليل ما هم في أوساط العمال.
من جانب آخر نجد أن المنهج الذي تبشر به هذه الأحزاب الشيوعية وهو
الماركسية- اللينينية هو منهج غريب عن شعوبنا:
غريب في رؤيته للكون والإنسان والحياة، وغريب حتى في مصطلحاته وألفاظه،
وليس له جذور تاريخية أو نفسية أو عقلية في ثقافة ومزاج العقل العام لدى الإنسان العادي،
ولذا نجد أن الذي تستقطبهم تلك الأحزاب هم من فئة المنجذبين فكريًّا فقط، وغير القادرين
على الفعل الحركي، ويظل تعاملهم مع الشيوعية منحصرًا في إطار الفكر والدعاية لها لا
أكثر ولا أقل، وسرعان ما يخبو هذا الحماس لاصطدامه بصخرة القاع الاجتماعي المتحزمة
بالإسلام وما يبثه يوميًّا- وعلى مدار التاريخ- فيها، ولو كان الحزب الشيوعي العراقي
يمثل بالفعل الطبقة العاملة في العراق؛ لظل وجوده السياسي قويًا ومباشرًا ومعلنًا؛
لأن وجود العمال في العراق قوي ومباشر ومعلن، فما بال قيادات الحزب شريدة طريدة في
أقطار أوروبا الشرقية وسويسرا؟ وأين الطبقة العاملة التي يزعم الحزب أنه يمثلها من
محنة انحساره؟
لأسباب كثيرة ومتعددة ستظل الأحزاب الشيوعية العربية غريبة تمام
الغربة عن جماهير المنطقة العربية، بما فيها جماهير العمال، وستظل الأحزاب الشيوعية
العربية عبارة عن مخيمات فكرية تعرض فيها بضاعات غريبة عجيبة لا أكثر ولا أقل.
____________
([1])
انظر مالك سيف «تجربتي في الحزب الشيوعي» دار الوقائع، 1974، بيروت.
([2])
انظر مالك سيف «للتأريخ لسان» دار الحرية، 1983، بغداد.