العنوان ماذا يقلق مسلمي روسيا
الكاتب سعيد طالب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1311
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 04-أغسطس-1998
روسيا
- في العهد السوفييتي.. إدارات دينية لتوجيه حياة المسلمين وفق الرؤية الشيوعية.
- في الأوضاع الجديدة.. الجمعيات الثقافية تأخذ زمام المبادرة لبعث النهضة الإسلامية.
روسيا والمسلمون.. مهما بدا هذا الجمع غريباً للوهلة الأولى فلا مجال هنا للاندهاش فروسيا الاتحادية تعتبر إحدى أكبر البلدان الإسلامية في العالم، إذ يقطنها زهاء 13 مليوناً من المسلمين، أي ما يعادل عددهم في سورية تقريباً، ويعتنق الإسلام قرابة 40 شعباً كبيراً وصغيراً إجمالاً من بين الشعوب التي تعتبر ارض روسيا المعاصرة وطنا لها، عاشت فيه على مدى القرون، فحوالي ۳۰ شعباً كبيراً وصغيراً منها يسكن داغستان وحدها.
هذا ويتفاوت التعداد السكاني لهذه الشعوب ففي روسيا هناك ما يناهز 4 ملايين من التتر المسلمين وأكثر من 1.5 مليون من البشكير وأكثر من مليون بقليل من الشيشان، وهناك شعوب مسلمة كثيرة يتراوح عدد أبنائها ما بين ١٠٠ ألف و٥٠٠ ألف، أما في داغستان فهناك شعوب مسلمة لا يتعدى تعدادها عدة آلاف نسمة بل وعدة مئات منها.
لقد اعتنقت هذه الشعوب الإسلام في الفترات المختلفة، ففي داغستان مثلا، انتشر الدين الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين في القرن السابع الميلادي، أما الشيشان والأنجوش جميعهم فلم يسلموا إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، ومنذ سنتين جرت الاحتفالات المهيبة بالذكرى الـ ۱۱۰۰ لاعتناق الإسلام من قبل اسلاف التتر، ففي مثل ذلك العهد بدأ انتشار الإسلام بين البشكيريين، أما بعض شعوب شمال القوقاز مثل الكبردين والبلقار والشركس والأبازين وغيرها فاعتنقت الإسلام منذ 5 أو ٦ قرون مضت.
وجدير بالذكر أن كل مسلمي روسيا هم من أهل السنة، ولم تتح لهم فرصة حقيقية لتلبية احتياجاتهم الدينية وممارسة طقوسهم وعاداتهم الإسلامية والاحتفاء بأعيادهم الدينية بين أهلهم وأقاربهم بشكل علني إلا منذ سنتين أو ثلاث سنوات مضت ويوجد اليوم عدد لابأس به من المساجد حيث تؤدى الفرائض الدينية بانتظام ويوجد في روسيا حالياً أكثر من 10 مدارس إسلامية، كما يدرس عدد غير قليل من الشباب المسلم في الجامعات الإسلامية خارج البلاد وفي هذا العام، والعام الماضي أدى عدد قياسي من مسلمي روسيا فريضة الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ومع ذلك هل يعني كل هذا أن المؤمنين راضون بوضعهم تماماً؟ كلا.. ففي ظروف إشاعة الديمقراطية ظهرت على السطح أو أصبحت أكثر جلاء تلك المشاكل التي كان قد تعذر حلها في الفترة السابقة، إن هذه المشاكل كثيرة، ولنتوقف عند بعضها الذي له صلة بكيفية توجيه الحياة الدينية وانشطة الإدارات الدينية للمسلمين هناك.
وكما هو معروف فلم يتجاوز عدد مثل هذه الإدارات في روسيا الاثنين، وكانت الإدارة الدينية لمسلمي الشطر الأوروبي لرابطة الدول المستقلة وسيبيريا واحدة منهما وتقع هذه الإدارة في مدينة "أوفا" عاصمة جمهورية بشكيريا التي تدخل قوام روسيا الاتحادية، وكانت تلك الإدارة تدير شؤون المساجد المتناثرة على مساحات واسعة للغاية يبعد بعضها عن البعض مسافة آلاف الكيلو مترات، أما الإدارة الدينية الثانية لمسلمي شمال القوقاز فكانت تشرف على المساجد في داغستان والشيشان والأنجوش وأوسيتيا الشمالية وكبردينو - بلقاريا وكرشايفو - شركسيا وأديجيا وكلها مناطق متجاورة واتخذت الإدارة مدينة محج قلعة - عاصمة داغستان - مقراً لها.. ولكي نفهم أسباب ظهور عدم الارتياح تجاه النشاط الديني للإدارتين لا بُدَّ من العودة إلى الوراء قليلاً.
إن الإدارة الدينية لمسلمي الشطر الأوروبي للبلاد وسيبيريا أسست في عام ۱۷۹۸م بموجب مرسوم القيصر الروسي، ولم يكن لهذا المرسوم أدنى علاقة بوضع وشؤون المسلمين تحت رعاية النظام الحاكم أو بدعم مواقع الإسلام واقتصرت في أهدافها على مساعدة السلطات القيصرية وكسب تعاطف سكان المناطق المغتصبة حديثاً حيث يعيش المسلمون ولضمان خضوعهم لها وتقييدهم في سلوكهم بأوامر أجهزة الحكم.
أما الإدارة الدينية لمسلمي شمال القوقاز فقد أسستها الدولة السوفييتية عام ١٩٤٤م حين دارت الحرب الشعواء بين الاتحاد السوفييتي (الذي حلت محله رابطة الدول المستقلة الآن) وألمانيا الفاشية حيث كانت الدولة في أمس الحاجة إلى مساندة المسلمين، ولذلك أقدمت على إعادة فتح جزء من المساجد التي أغلقتها في وقت سابق وتنظيم مركز ديني للمسلمين في المنطقة.
وهكذا وحتى الآونة الأخيرة تولت الإدارتان الدينيتان اللتان تمت إقامتهما بمبادرة من سلطات الدولة توجيه حياة المسلمين الدينية، ولابد من القول إن هاتين الإداريتين كانتا تنفذان أوامر أجهزة الحكم وتوجيهاتها دون تردد بل أيدتا تصرفاتها التي كان من شأنها في حالات غير نادرة تقويض دعائم حياة المسلمين وركائزها ووصل الأمر حد حرمانهم من إمكانية أداء الفرائض بحرية ومراعاة متطلبات دينهم والاحتفاء بأعيادهم الإسلامية.
والبرهنة على هذا يكفي أن نسوق عدداً من الأمثلة الأكثر دلالة، ففي أراضي روسيا الشاسعة؛ حيث يعيش ملايين المسلمين لم يتجاوز عدد المساجد حدَّ المائتين ولم يكن لهذه المساجد وجود إلا في المدن الكبرى والمراكز الإدارية بينما كانت الآلاف الكثيرة من النقاط المأهولة، بما فيها المدن الصغيرة محرومة من المساجد على الإطلاق، وفي داغستان بالذات؛ حيث وجد مقر الإدارة الدينية لم تكن ثمة مساجد إلا في ٢٧ منطقة من المناطق الـ ٤٠ لهذه الجمهورية علماً بأن كل منطقة عبارة عن تجمع سكاني به عشرات بل ومئات الآلاف من المؤمنين، أما منطقة الشيشان والأنجوش التي يقطنها زهاء المليون من المسلمين فلم يوجد فيها مسجد واحد معترف به رسمياً من قبل هيئات السلطة؛ لذا اضطرت الأسر إلى تعليم الأطفال الإسلام بشكل سري.
الصلاة في المقابر:
وبطبيعة الحال حافظ المسلمون في هذه الظروف القاسية، على إسلامهم وتعاليم دينهم ولو بصورة سرية، لقد وصل الأمر إلى حد تنظيم إقامة الصلوات في المقابر والحقول والبيوت الخاصة بعيداً عن رقابة السلطات المحلية، وفي الوقت نفسه تهدمت المساجد وفقدت صلاحيتها لا سيما تلك التي كانت لها قيمة ثقافية كبيرة وكانت المساجد تحول إلى مستودعات وصالات رياضية وتحتل من قبل الهيئات المختلفة وتخصص للشؤون الإدارية والتموينية، بل أقدمت أجهزة الحكم على توظيف المساجد كنواة لترويج الدعاية المعادية للدين ذاته.
ولم يتوافر لمسلمي روسيا مؤسسات التعليم الديني الخاصة بهم، وعلى مدى سنوات طويلة لم ينشر إلا كتاب واحد ذو مضمون ديني وحرمت العشرات من الشعوب من إمكانية قراءة الكتب الدينية بلغتها الأم، ولم تصدر أي من الإدارتين الدينيتين جريدة أو مجلة دينية ذات قيمة.
صحيح أنه توجب على مسؤولي الإدارتين بحكم نظامهما الداخلي، أن يتقدموا بالتقارير أمام ممثلي الجمعيات والطوائف الإسلامية بانتظام، وأن ينتخبوا من جانبهم، غير أن مؤتمرات المسلمين لم تعقد على مر سنوات طويلة، وإذا انعقدت بعض المؤتمرات فعلاً كان يجري انتخاب مرشحي هيئات الحكم الشيوعي.
وفي الوقت ذاته عاش قادة الإدارتين الدينيتين حياة ميسورة على حساب الأموال التي كانت ترد إليهم تحت رقابة هيئات السلطة نفسها من الجمعيات الإسلامية، وكان هؤلاء يمثلون المسلمين في مختلف المنظمات الاجتماعية وينطقون بلسان المؤمنين وباسمهم، وكان الزعماء الدينيون ضيوفاً دائمين على الصحافة، إذ حاولوا من خلال مقالاتهم في الصحف وأحاديثهم الموجهة للقارئ أو المستمع الأجنبي تقديم صورة براقة عن الدولة السوفييتية وسياستها تجاه المسلمين متحدثين عن الحياة الحرة الطليقة في ظل النظام الاشتراكي، وفي الوقت نفسه لم يبذلوا أي محاولات من أجل تحسين أوضاع المسلمين وجمعياتهم، وسعت العشرات من الجمعيات القائمة فعلاً خلال سنوات طوال إلى انتزاع الاعتراف بها من قبل أجهزة الحكم، إلا أن الإدارتين الدينيتين لم تحاولا أن تقدما أي عون لها، واستكانت الإدارتان لواقع انعدام الكتب الدينية وانحراف المسلمين عن التقاليد والوصايا الدينية ولم تتحركا في سبيل نشر تلك القيم الإنسانية العامة والخالدة التي تتضمنها التعاليم الإسلامية.
وكان عجزهما عن العمل دون توجيهات من قبل هيئات الحكم ورغبتهما في إرضاء الجميع دائماً شديدة لدرجة أن قادة الإدارتين فقدوا السبيل وأصابتهم الحيرة عندما طرأ التغيير على سياسة الدولة السوفيتية، ومنحت المراكز الدينية حريات واسعة وإمكانات حقيقية لزيادة عدد المساجد وتحسين حالة الطوائف الإسلامية وحتى عندما انطلقت الحركة الجماهيرية في منطقتي الشيشان والأنجوش وكرشايفو شركسيا التابعتين للإدارة الدينية لمسلمي شمال القوقاز مطالبة بفتح المساجد الجديدة والاعتراف بالجمعيات الإسلامية، لم يتجرأ رؤساء الإدارة على قيادة تلك الحركة لإثبات استعدادهم للعمل في الظروف الجديدة أمام المؤمنين.. عندئذ انفجر السخط المتراكم لدى المتدينين على مدى سنوات إلى السطح، مما أدى إلى اضطرار المفتي الذي كان يترأس الإدارة الدينية لمسلمي شمال القوقاز إلى ترك منصبه، ثم تقرر حل الإدارة الدينية التي لا نفوذ لها ولا نشاط وتعمل حالياً في جمهوريات شمال القوقاز الإدارات دينية الخاصة بها، وتشكلت ست إدارات بدلاً من الإدارة الواحدة في السابق.. أما الإدارة الدينية لمسلمي الشطر الأوروبي لرابطة الدول المستقلة وسيبيريا فهي بدورها لم تشغل أيضا المكانة اللائقة بها في توجيه الحياة الدينية، وابتداء من عام ۱۹٨٩م أجرى افتتاح المئات من المساجد الجديدة دون أن تبادر الإدارة الدينية ذاتها لعمل شيء رغم أن المسؤولين المحليين في هيئات السلطة تولوا هذا الأمر في حالات كثيرة.
زمام المبادرة:
ومع الظروف الجديدة وفي حالات أكثر بادر المسلمون أنفسهم والمثقفون المتعاطفون معهم بالتحرك وأخذت الجمعيات الثقافية الوطنية المختلفة زمام المبادرة بأيديها وبإحكام في مجال نشر القيم الإسلامية بين سكان روسيا المتعددة العقائد الدينية وإعادة بناء المساجد المهدمة وترميم الآثار الثقافية، وشأنها في ذلك شأن المراكز الثقافية الإسلامية التي تعمل بصورة مستقلة، أما زعماء الإدارة الدينية فلم يتمكنوا من إقامة الصلات الوثيقة بها أو ممارسة تأثير يذكر على أنشطتها أو التعاون معها من أجل بلوغ الهدف المشترك.
وليس هذا كل شيء، ذلك أنه يتجلى تدريجياً للجميع أن الإدارة الدينية وجدت نفسها غير قادرة على توجيه حياة المسلمين الروحية في الظروف الجديدة، وإذا كان إشرافها يشتمل على مائة مسجد ونيف بالأمس فإن عدد المساجد يجاوز اليوم الآلاف.. علماً بأن أئمة المساجد هم كالعادة من الناس الذين لم يزاولوا من قبل النشاط الديني، ولم يطلعوا إلا قليلاً على أسس الدين الإسلامي وتعاليمه، إذن يصعب عليهم التعامل مع المسلمين الذين كانوا محرومين لفترة طويلة من الإسلام وترعرعوا في ظروف جرى فيها حظر كل ما له علاقة بالدين، أضف إلى ذلك أن رجال الدين الجدد في كل المناطق تقريباً قد ترعرعوا في وسط مسلمين أو محيط مغاير يوميا مما يجعلهم في حاجة إلى المساعدة كي يعرفوا كيف يجب أن يمثلوا دينهم الحنيف من خلال علاقاتهم بمعتنقي الديانات الأخرى دون أن تتدهور هذه العلاقات أو تزداد حدة، إن هؤلاء الأئمة لا يتلقون المساعدة المطلوبة من قبل الإدارة الدينية التي لم تخطط - مثلاً - الإصدار مجلة إسلامية دورية أو طباعة الكتب الإسلامية التي يحتاجها السكان خاصة حول نشأة الدين وانتشاره واسهامه في الحضارة العالمية وتعاليمه الأخلاقية وموقفه من معتنقي الديانات الأخرى ومنجزات الشعوب المسلمة الثقافية والعلمية والفنية في الماضي والحاضر، هذا ما يهم المؤمنين لاسيما الشباب منهم، كما انه لا تتوافر مؤلفات الفقهاء ورجال الدين الإسلامي التي تشرح رؤية وموقف الإسلام من القضايا والمشاكل المعاصرة، وفي الوقت ذاته يقوم الناس الذين لا يمتون بصلة إلى الإسلام بإصدار الأدبيات الدينية وبيعها في كل مكان راكضين وراء كسب الربح فقط مع العلم بأن هذه المطبوعات من حيث محتواها لا تستجيب لمتطلبات المسلمين في رابطة الدول المستقلة.
جدل حول النظام التعليمي:
وتشهد روسيا اليوم جدلاً حاداً حول دور الإسلام ومكانته في نظام الدولة التعليمي، ويبحث القائمون على وزارة التعاليم الروسية عن الظروف التي تفضي إلى تحديد مكانة تعليم الإسلام ومضمونه في المدارس، إلا أن الإدارة الدينية تهمل هذا النشاط إهمالاً تاماً.
إن العدَّ الزمني يدور بسرعة فنحن في زمن المتغيرات السريعة والمطلوب من قادة المنظمات الإسلامية أن يتبنوا المواقف الجديدة ويتخلوا عن الكليشيهات والقوالب البالية لدى معالجة القضايا الدينية وأن يتعلموا أساليب العمل في ظل الدولة الديمقراطية المتعددة الآراء والمعتقدات والقوميات والديانات.
إنني على يقين بأن هؤلاء الشباب سيصرون على مزاولة نشاطاتهم وسيقنعون الآخرين بضرورة العمل وفقاً للنمط الجديد ومع مراعاة مطالب المؤمنين وخصائص روسيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل