; ماذا وراء موجة العداء لليهود في فرنسا؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا وراء موجة العداء لليهود في فرنسا؟

الكاتب أشرف سلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1990

مشاهدات 193

نشر في العدد 970

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 12-يونيو-1990

·      النفوذ الصهيوني في فرنسا وراء الضجة الإعلامية المفتعلة.

·      المستفيد الأول من الأعمال العدائية تجاه اليهود في أوروبا هو الكيان الصهيوني.

إنه لمن اللافت للنظر أن تتزامن الأعمال العدائية ضد اليهود في فرنسا خاصة، وفي أوروبا عامة، وما رافقها من ضجة إعلامية كبرى، مع انفتاح أبواب الهجرة في الاتحاد السوفييتي؛ لتتدفق منها سيول من اليهود نحو فلسطين المحتلة؛ حيث يتوقع أن يصل عدد اليهود المهاجرين من الاتحاد السوفييتي والذين يستوطنون بالأراضي الفلسطينية العربية نحو ١٥٠ ألف يهودي بنهاية هذا العام فقط.

- نبش لقبور اليهود

الحدث الذي غطى على كل الأحداث في فرنسا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، والذي احتل الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات الفرنسية، وتصدر نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية، وكان موضوع تعليقات كبار الساسة، هو حدث تخريب مقبرة اليهود في كاربنترا في جنوب فرنسا، ونبش ٣٤ قبرًا فيها، وإخراج جثة يهودي دفن قبل أسبوعين، وتعليقها على عمود حديدي لمظلة شمسية.

لقد مثل هذا الحادث ذروة الأعمال العدائية الموجهة ضد اليهود الفرنسيين، فقامت فرنسا ولم تقعد بعد، وتحركت الأحزاب والهيئات والجمعيات لاستنكار هذه الأعمال العنصرية، والتعبير عن تعاطفها مع اليهود، ونظمت يوم ١٤ مايو مظاهرة کبرى في وسط باريس جمعت الأحزاب اليمينية واليسارية معًا، وتقدمها كبار الساسة الفرنسيين بما فيهم رئيس الجمهورية في حركة هي الأولى من نوعها في تاريخ فرنسا ضد ما أسموه بالعنصرية ومعاداة السامية، وقد رفعت خلال هذه المظاهرة أعلام الكيان الصهيوني وشعارات موالية لدولة العصابات الصهيونية، ولم تقتصر المظاهرات على باريس وحدها، بل شملت أكثر من ١٢ مدينة فرنسية.

وقد لعبت وسائل الإعلام الفرنسية- التي وصفها جان ماري لوبان، قبل يوم واحد من حادثة کاربنترا، بأنها تحت سيطرة اليهود- الدور المنوط بها لتضخيم الحملة الإعلامية التي تهدف لإظهار أن موجة العداء لليهود آخذة في الانتشار في فرنسا، وأن الأعمال العدائية العنصرية ضد اليهود الفرنسيين في ازدیاد ملحوظ، والغريب في الأمر أن هذه القنوات الإعلامية هي نفسها تلعب دور المحرض على اليهود بطريقة معالجتها للقضايا التي تخص اليهود، وتسليط الأضواء عليهم، وفرزهم عن بقية الفرنسيين، وجمعها لكل شاردة وواردة تتعلق بالمضايقات التي يتعرض لها بعض اليهود، وقد ذهبت بعض الصحف إلى تشبيه هذه الأحداث بما عرفته فرنسا قبيل الحرب العالمية الثانية من موجات عداء للسامية.

- مسؤولية لوبان؟

ومن الطبيعي أن تتجه أصابع الاتهام نحو ماري لوبان زعيم الجبهة القومية الفرنسية، والذي ينادي بفرنسا للفرنسيين، وقد سجلت جبهته تقدمًا كبيرًا؛ حيث أصبحت تحصل على نسبة ١٥% من أصوات الفرنسيين، فقد وجدت الأحزاب اليمينية واليسارية المتضررة من تقدم الجبهة القومية في حادثة نبش قبور اليهود في كاربنترا فرصة سانحة لتشويه هذه الجبهة، والحد من تقدمها في إطار حسابات الصراع الحزبي، رغم أنه لا يوجد حتى الآن أي دليل ملموس على أن أنصار هذه الجبهة هم الذين قاموا بانتهاك مقبرة اليهود، ويلاحظ في هذا الصدد أن المتخلف الوحيد عن مظاهرة التأييد لليهود في باريس كان الرئيس السابق جيسكار ديستان، الذي يتودد سرًا للجبهة القومية طمعًا في الحصول على أصواتها في الانتخابات الرئاسية القادمة التي ينوي الترشح لها.

ومما يلاحظ أيضًا أن الذين صبوا جام غضبهم على ماري لوبان حاذروا من خلط العداء ضد العرب والمسلمين بالعداء ضد اليهود؛ وكأن اليمين واليسار الفرنسيين لا يريدان في اللاسامية إلا العداء ضد اليهود فقط، وقد علق أحد المواطنين العرب على ذلك بقوله: إننا لم نسمع بقتل يهودي واحد في فرنسا، أما العرب فيصطادون صيد الحمام، وتبكي أمهاتهم ولا يشاطرهن البكاء أحد، ولا يتحرك أحد لمناصرتنا وللتظاهر ضد العنصرية الموجهة ضدنا.

 لو كان الفرنسيون الذين تظاهروا ضد العنصرية صادقين مع أنفسهم، غير متأثرين ولا مدفوعين بالأوركسترا الحزبية الموجهة، لتظاهروا ضد كل أشكال العنصرية، وضد كل الاعتداءات التي تتعرض لها مختلف الجنسيات والجاليات في فرنسا، وفي مقدمتها الجالية العربية الإسلامية.. إن الأمر يبدو وكأنه تزييف للمفاهيم.

إن إحدى الغايات من هذه الضجة الإعلامية استدرار العطف لفائدة الكيان الصهيوني بعد أن أخذت صورته البشعة تتضح شيئًا فشيئا للرأي العام الغربي بفعل الانتفاضة الفلسطينية، التي يعمد العدو إلى قمع أبنائها بكل الوسائل.

- تذمر من نفوذ اليهود المتزايد

نعم.. هناك مظاهر التذمر في الأوساط الأوروبية من سطوة المال والنفوذ الصهيوني وتوجيهه- ولو بقدر- لمجريات الأمور بما يخدم مصالح الصهاينة وأحلامهم.

لقد اعتمد من أرادوا التضخيم الإعلامي لحادثة کاربنترا- كعنوان لازدياد الأعمال العنصرية الموجهة ضد اليهود في فرنسا- على مؤشرات النفوذ الصهيوني وما ولده من ردود أفعال، من ذلك مثلًا: ظهور كتابات تطالب بقراءة بروتوكولات حكماء صهيون، وجرأة بعض الشخصيات الفرنسية على «إدانة الإرهاب الفكري الذي يفرضه يهود أقوياء»، ومن ذلك أيضا ظهور بعض الأطروحات العلمية التي تطالب بإعادة قراءة تاريخ فرنسا، وتخليصه من المعايير اليهودية، وقد نتج عن ذلك أن كذب بعض المؤرخين الفرنسيين المقولات اليهودية بتعرض اليهود للإبادة الجماعية من قبل النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، ومن الطبيعي أن تثور ثائرة اليهود ضد هذه الطروحات الجديدة التي تهدم طروحاتهم التي ركزوها في أذهان الناس كمقولات مسلمة، وعاشوا يستدرون عطف أوروبا وأموالها على أساسها.

والسؤال المطروح الآن بعد هذه الضجة الإعلامية المضخمة في فرنسا وأوروبا عامة هو: من المستفيد منها؟

إن المستفيد بالدرجة الأولى من الأعمال العدائية تجاه اليهود في أوروبا- في هذا الوقت بالذات- وما يرافقها من ضجة وتهويل، هو الكيان الصهيوني، وإذا نظرنا إلى مجمل الأحداث العالمية المتعلقة بهذا الكيان من قريب أو بعيد؛ فإننا نفهم بسهولة كيف أن حادثة كاربنترا تخدم الأهداف الصهيونية، ذلك أن الصهيونية العالمية تعمل وتخطط لتوسيع الكيان الصهيوني في إطار مشروع إسرائيل الكبرى، وهي تبحث عن تكثيف هجرة اليهود السوفييت وهجرة الفلاشا بهجرة يهود من أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية في نفس الوقت، وفي سبيل هذا الهدف فإنها لا تتورع عن انتهاك حرمات الأموات من اليهود، وافتعال أجواء عدائية في أوروبا، والتهويل من الأعمال العنصرية الموجهة ضد اليهود، والضرب على وتر أمنهم المفقود بضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، ومن هذه العصافير:

1- التغطية على الجرائم الصهيونية المرتكبة في الأراضي المحتلة، والمتمثلة في قتل الأطفال، وهدم البيوت، وارتكاب المجازر بعدما بدأ اهتزاز صورة الكيان الصهيوني بسبب تلك الجرائم اليومية.

2- إرهاب اليهود المستقرين في أوروبا، وإشعارهم بافتقاد الأمن من حيث هم، ودفعهم تحت غطاء هذا الإرهاب للهجرة لفلسطين المحتلة للمساهمة في تعمير وبناء «إسرائيل الكبرى».

ومثل هذه الأعمال ليس بالأمر الجديد على زعماء المنظمات الصهيونية، ألم يتواطأ إسحق شامير نفسه مع النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية من أجل اضطهاد اليهود؛ لحملهم على الهجرة نحو الوطن الموعود؟

3- لابد- والهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية على أشدها- أن يقع إرهاب أي يهودي سوفييتي تحدثه نفسه بالاستقرار في بلد أوروبي، وعدم الاتجاه نحو فلسطين المحتلة تحسبًا لإمكانية إعطاء أولئك اليهود الاختيار، وعدم إجبارهم على التوجه لفلسطين للاستيطان بها.

وبالتالي فإنه ليس مستبعدًا أبدًا أن يكون نابشو القبور- في كاربنترا بجنوب فرنسا وفي ألمانيا الشرقية، ومع نبش قبر الكاتب المسرحي اليهودي المعروف برتولد بريتش- مدسوسين من قبل المنظمات الصهيونية العالمية، وقد سارعت هذه المنظمات بعد تلك الحوادث مباشرة إلى فتح مكاتب يهودية في المدن الفرنسية، بقصد تسهيل الهجرة إلى فلسطين المحتلة كخطوة في إطار مخطط مدروس.

وفي الختام: لابد من التأكيد على ضرورة هتك أكذوبة معاداة السامية؛ لأن هذه الأكذوبة موظفة توظيفًا متقنًا في الزمان والمكان لخدمة الأهداف الصهيونية، ولخداع الجماهير لتغطية التمييز لصالح اليهود ومن أجل مآرب حزبية ضيقة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان