; ماذا لو فعلنا؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا لو فعلنا؟

الكاتب النذير المصمودي

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002

مشاهدات 68

نشر في العدد 1499

نشر في الصفحة 50

السبت 04-مايو-2002

ماذا لو أمسكنا زمام فوضانا، ولجمنا جموحنا الأحمق، واقتربنا من عيون الصواب؟

لو فعلنا... لأصبحنا نحن كما هي ذواتنا تمامًا بلا تزوير.

لو فعلنا... لاحتشدت المرايا أمامنا تعيد بناء صورنا المتناسلة في الظلام كتماثيل مشوهة بالغبار. 

لو فعلنا... لاكتشفنا أننا كنا نحتال علينا كوننا لسنا نحن رغم القرائن وشهود العيان.

فلماذا لا نفعل؟

لأننا ببساطة الفنا الكارثة، وتألفنا مع الطوفان، والتآلف مع الكارثة يحولها إلى حدث عادي وحياة عادية!!. 

منذ نصف قرن ألفنا موتنا اليومي في فلسطين.. وتألفنا مع مشهده في تبلد... نراه ثم نطيب هواء الدم بروائح الامتعاض الساذج وبخور الصحف!!.

ومن اليمين إلى اليسار، ترتجف خطانا في قرار مبعثر الاتجاهات وبين الطرق المؤدية إلى أمريكا ودهاليز الأمم المتحدة تتبدد خطى الكبار غارقة في التيه، وتغرق خطبهم المجلجلة في اللامعنى!!

وهكذا ما زلنا... وما زال للرصاص الصهيوني الوقت الكافي لاختيار الضحية المناسبة والوطن اللائق. هناك... ما زالت الغيوم ترسم وقاحتها بدخان البارود... وما زلنا نرسم صباحاتنا الممتدة من الفضيحة إلى الفضيحة بألوان السلام الوديع، ونغلف أوهامنا بمختلف سلالات الوهم. 

غنينا لغيفارا ولم ننتصر، صنعنا قميصًا لمانديلا ولم ننتصر.. وما زلنا نطلع من الجماجم نعبث بالأمس ونتاجر بالمقابر!! 

وفي المدى شهداؤنا يتوضؤون بحزننا وبزيفنا، ويفتحون أبوابنا الموصودة بالشهداء. 

وما زلنا نسرق دماءهم وعيونهم وترابهم. 

وما زلنا نقرأ ملامح العار الموزع في الشوارع خطبًا ومسيرات تفتح الجرح المنسي وتفضح الصمت!! کبارنا هذه المرة اجتمعوا... اجتمعوا محذوفين عن ذواتهم....

ظنت الشعوب أنهم سيحمون بصدورهم هذه المرة طفلًا يموت لنقص الحليب، وآخر يتنفس الموت من خلال فوهة بندقية.

ظننا... وكان مجرد ظن!!..

نامت الظنون في خواطر الكبار... ومتنا بحسرة في الصدور!! 

فأي اعتذار مباح لهؤلاء لفرارهم من أنفسهم؟!. 

ألا يكونون مع أنفسهم في هذه اللحظة يعني أن رؤوسهم مفصولة عن أطرافها... ويعني أنهم بحاجة إلى ارتطام ما كي تتوحد رؤوسهم مع أطرافهم، وينشأوا من جديد على هيئة واحدة!!..

في الضفة الأخرى التحم رأس «شارون» بأطراف شعبه، فأصبح الرأس والأطراف واحدًا واقرأوا إن شئتم استطلاعات الرأي، وأصبح الواحد لا يعف عن ذريعة كي يبرر بقاء ليس على قيد الحياة فقط، بل ليبقى الأقوى والأعند والأعنف.

وفي ضفتنا بقي الرأس يركض غربًا... بينما الأطراف تركض شرقًا... الرأس يغني بدم بارد للسلام.. والأطراف تغنی بدم ساخن للنار!!

هذا هو سر الهزيمة!!

ومع ذلك، فما زال بيننا أناكون لهم ما يشبه الضمير بعضهم وضع الضمير في جيبه.

وبعضهم وضعه بين ساقيه وأعاد دفنه في صمت أحمق!!

وهكذا نسوق الهزيمة لطريق جديد!!

كم مضى من أعوام، ونحن نذوب في جذوة الهتاف الفارغ ونعود ظافرين بالذل والحسرة هناك صوت غريب عن مدينتنا.

نطارده المسافات من يمين ليسار... لكنه ينبت رغم القحط زعترًا بريًا، يكبر بين الصخور والأحجار

يكبر بحرًا مزيدًا باخضرارنا... يعند رغم الموج والقراصنة، يغسل وجوهنا، ويطهر وجوه الأساطير من الغبار المتراكم. 

هناك.. في آخر الصف.. مقاعد شاغرة للموت

وهناك... أمهات نبت لهن بكاء طويل بمليون سنة... منذ أن بكت أم موسى وليدها وهي تقذفه في اليم.

وهناك... أباء نبتت لهم حسرة طويلة بـألف عام... منذ أن بكي نوح ابنه وهو يراه يغرق في

الطوفان!.

وهناك... أطفال ليسوا كأطفال العالم... يولدون ولا يصرخون ويموتون ولا يصرخون وحولهم كهنة من كل أصناف عرائس الأراجوزه تخيط أكفانهم وتحفر قبورهم، حسب مقاسات آثامهم!!

ونحن حولهم نطرق أبواب الريح... ولا نعيد الاعتبار للعاصفة....

وفي امتحان الحضور نكون أول الغائبين.... هكذا نحن... نتباهى بمسيرة المليون ولا

واحد في امتحان الحضور.... هكذا... منذ خمسين عامًا، تنفجر من غير شظايا، ونرث الانبطاح جيلًا بعد جيل!!. 

نحن أصحاب الدم البارد بلا منازع.

 نحن أصحاب ديوان الحماسة بلا منازع. 

نحن المخمورون بهلع المدينة توثق كلامنا بالخوف، ومن خلال مكبرات الصوت نكبر ظاهرتنا الصوتية، ثم نرتبك ويرتبك الحلم في روعنا... فتنام ماذا لوفعلنا، فأمسكنا زمام فوضانا... وأطرقنا أبواب الجهاد المنظم؟ 

الرابط المختصر :