; ماذا سيقدم أصدقاء اليهود للعرب؟ | مجلة المجتمع

العنوان ماذا سيقدم أصدقاء اليهود للعرب؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-فبراير-1985

مشاهدات 70

نشر في العدد 703

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 05-فبراير-1985

  • على العرب أن يتخلصوا من أوهام السلام المزعوم مع قتلة الأنبياء.
  • المطلوب رأس المقاومة اللبنانية ثمنًا لتسوية مزعومة.

قبل الإعلان الإسرائيلي عن الانسحاب من لبنان شهدت منطقة «الشرق الأوسط» تحركات لاهثة من قبل البعض وهادئة من قبل البعض الآخر، توحي بأن أمرًا ما سيحدث خلال هذا العام (١٩٨٥) الذي أسماه البعض «عام الحسم» وهو التعبير الذي أطلقه السادات على عام الصلح مع اليهود. 

ومع أن العرب في تصورهم للحسم انقسموا إلى عربين وربما ثلاثة إلا أن جوهر المفهوم في نهاية المطاف واحد، وهو إمكان التعايش مع اليهود والاعتراف بدولة «إسرائيل» وحدودها الآمنة سواء في جزء من أرض فلسطين أو في كل أرض فلسطين، المهم هو مبدأ الإقرار بحق اليهود في إقامة كيان سياسي لهم ضمن أرض عربية إسلامية بغض النظر عن مساحتها واسمها.

 ونحن هنا حينما نتحدث عن العرب نقصد العرب الرسميين، سواء منهم من اختار جانب الاعتدال أو اختار جانب التطرف مادام أمر تحرير فلسطين قد غاب من برامج أجهزة الإعلام الرسمية العربية، ومن المناهج الدراسية التي شب عليها جيل الخمسينيات وربما الستينيات من هذا القرن.

 أما العرب غير الرسميين ونقصد الجماهير العربية فهي مبلبلة الفكر موزعة الوجدان بين طموحات وآمال وبين واقع سيئ ردي؟ يجرها جرًا نحو الهلاك بأسماء لامعة براقة مثل السلام والتسوية والصلح والاستقرار، وما إلى ذلك.

ولقد كان السبق لعبد الناصر في اختراع المصطلحات التسكينية لجماهير هذه الأمة حين ابتكر مصطلح «إزالة آثار العدوان» والوقوف في وجه «التوسع الصهيوني» ليجد المصفقين من السذج البسطاء الذين رأوا في هذه الشعارات رمزًا للبطولة والثورية أما «الراسخون في العلم» فقد رأوا فيها بداية الاعتراف الرسمي للكيان اليهودي في فلسطين وبداية التهيئة النفسية لجماهير هذه الأمة لتقبل التعايش مع اليهود ضمن «حدود آمنة ومعترف بها».

 حينذاك، بدأ نفر من أبناء فلسطين من مدرسة حسن البنا يشجعهم نفر من أبناء العروبة من نفس المدرسة يعدون العدة للقضاء على «مصدر العدوان» واقتلاع «الكيان الصهيوني» قبل أن يصبح أمرًا واقعًا ومعترفًا به.

ولكن الطرف العربي الرسمي كان أسرع إلى التحرك، فواجه الموقف بحزم حين أنشأ أجهزة التعقب والملاحقة وفتح السجون والمعتقلات وشدد الحراسة على «حدود إسرائيل».

 ثم كان ما كان من إفساد المقاومة الفلسطينية ثم محاولات الفتك بها واحتوائها، وأخيرًا تسييسها لتسير في نفس الخط المؤدي إلى الجلوس مع الكيان اليهودي على طاولة المفاوضات، وحين سارت في الطريق اكتشفت أن طاولة المفاوضات ليست لها، وحتى تصل إلى «هدف» التفاوض كان لا بد أن تعترف مسبقًا بأن فلسطين لليهود وإنها «أرض إسرائيل» أو جزء من أرض إسرائيل التي لا بد أن تمتد من النيل إلى الفرات.

 وهكذا تحركت «المنظمة» لتكون طرفًا في التسوية «القادمة» بعد أن جاهدت «لتبقى» وتحرك «أصدقاؤها» لإشراكها معهم، وأصر آخرون على استبعادها نهائيا بزعم أنهم أكثر «وطنية» منها. ووجدت المنظمة نفسها أمام خيارين أحلاهما مُر، إما أن تتصدى فتهلك أو تتبع فلا تصل إلى شيء. 

وحين اختارت المنظمة خيارًا ثالثًا يقبع بين التصدي والتبعية كان لا بد لها أن تزن كل كلمة تقولها وأن تتفحص موطئ كل خطوة تخطوها.

 وهنا تحركت المقاومة اللبنانية الإسلامية كأروع ما تكون المقاومة تخطيطًا وتنفيذًا، ووجد اليهود أنفسهم أمام ظاهرة جديدة هم أعجز عن مواجهتها، سواء بطريق مباشر أو عن طريق «الأنظمة»، فتراجعوا مذعورين أمام ضرباتها، وأعلنوا أنهم منسحبون. وكان لا بد للأطراف «المعنية» أن تستفيد من ظاهرة المقاومة الإسلامية في لبنان التي يمكن أن تصل إلى الحد الذي يهدد الكيان اليهودي برمته. وكيانات أخرى متحالفة معه سرًا أو علنًا. 

وطالبت «إسرائيل» بثمن انسحابها الذي زعمت أنه بمحض اختيارها، وإنها فقط قلقة على إمکان عودة الصواريخ إلى مستوطناتها المحاذية للحدود اللبنانية وأن ثقتها في قدرة الجيش اللبناني على لجم هذه المقاومة اللبنانية بعد الانسحاب ثقة غير مؤكدة.

 ولذلك كان الاستنجاد بالولايات المتحدة لتقديم المزيد من الأسلحة والمزيد من الدعم لاقتصادها المنهار بسبب حربها المستمرة في لبنان، طلبت عشرين مليون دولار.

 وعقد مؤتمر قطري لحزب حاكم في إحدى دول «الطوق» وبحث - من ضمن ما بحث - موضوع المقاومة اللبنانية وأعلن على الملأ أنه معها، ولكن كل الدلائل تشير إلى أن رأس هذه المقاومة هو المطلوب ثمنًا لصفقة جارٍ الإعداد لها، ليس في واشنطن فقط ولكن في عواصم أخرى من الدول الكبرى.

وتحرك الطرف الآخر من العرب الذين وجدت المنظمة نفسها أقرب إليهم، ورتبت زيارات لعدد من قادتهم إلى واشنطن بعد أن تمت اجتماعات فيما بينهم، وقيل إن الزيارات من أهدافها طلب التسليح، ولتنشيط الدور الأمريكي «الضاغط» على الكيان اليهودي ليقبل التسوية الشاملة مقابل الانسحاب. 

وإذا كانت مبادرة ريغن التي أعلن وزير الدفاع الأمريكي مؤخرًا «أنها السبيل الوحيد الذي يمكن عن طريقه إقرار السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والمناطق المجاورة لها». إذا كانت هذه المبادرة لا تأتي على ذكر منظمة التحرير فكيف يمكن للمنظمة أن تكون طرفًا في التسوية المرتقبة؟ الرئيس مبارك الذي من المنتظر أن يجتمع بالرئيس الأمريكي في آذار «مارس» المقبل يلمح إلى ما أسماه بمؤتمر السلام المصغر الذي يمكن أن يضم مصر والولايات المتحدة و «إسرائيل» والأردن وفلسطينيين من الضفة أو القطاع بهيئة مستقلة أو ضمن وفد أردني. ويبدو أن هذه الفكرة هي فكرة السادات وأنها لا تتعارض مع اتفاقيات كامب ديفيد.

 ثم إن القرار الذي طالب الملك حسين بأن يكون أساسًا لمحادثات السلام وهو القرار ٢٤٢ لم يأت على ذكر منظمة التحرير كطرف مفاوض وتحدث عن الفلسطينيين باعتبارهم لاجئين لا باعتبارهم شعبًا له حق تقرير المصير، وحين تقبل المنظمة بمثل هذا القرار فمعنى ذلك أنها سلمت الراية وانتهى دورها. ومن الجدير بالذكر أن سوريا التي ترفع لواء التشدد قد اعترفت بهذا القرار، ولعل محاولة تصفية المنظمة بقوة السلاح هو تنفيذ عملي عنيف لهذا القرار. وحين يفشل هذا التنفيذ العنيف يأتي دور التنفيذ العملي اللطيف من الأطراف الأخرى.

 ونحن لا يهمنا المظهر بمقدار ما يهمنا الجوهر، فحركة التحرير الوطني الفلسطيني أو منظمة التحرير الفلسطينية قامتا أصلًا لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وليس يعنينا مدلول المصطلح الذي أطلقه عليها «حسنين هيكل» فيما بعد وهو «المقاومة الفلسطينية» بما يعنيه هذا المدلول من اعتراف ضمني بإسرائيل داخل حدود 1967. وليس يعنينا أن تشترك المنظمة في عملية التسوية أو لا تشترك، بل لعل ابتعاد المنظمة عن طريق التسوية هو الأشرف لها مادامت التسوية تعني الإقرار باعتبار أرض فلسطين أرضًا لإسرائيل. ولو وقع على هذا الإقرار كائنًا من كان من غير الفلسطينيين فلن يكسب الكيان اليهودي شرعيته على الأقل في المجال الدولي. 

والولايات المتحدة، ومن طرف خفي الاتحاد السوفيتي، اللذان يسعيان كل بطريقته الخاصة لإيجاد «تسوية متفاوض عليها في الشرق الأوسط».

لا يمكن أن يكون وراءها غير ضياع فلسطين- أو جزء كبير منها على الأقل - إلى الأبد، أو هذا هو المطلوب لخدمة استراتيجية الدول الكبرى في المنطقة.

 وإذا كان «الصقور» في الكيان اليهودي يطلبون من العرب أن يرفعوا عنهم الأوهام، لأن اليهود «لن ينسحبوا من شبر واحد من أرض إسرائيل»، فإننا بدورنا نطلب من العرب أن يتخلصوا من أوهام تحقيق السلام المزعوم مع قتلة الأنبياء الساعين لهدم المسجد الأقصى. 

وعلى الذين ينتظرون من البيت الأبيض أو من الكريملين شيئًا ذا بال أن يلتفتوا إلى «المقاومة الإسلامية» في لبنان لعلهم يتعظون.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل