; معالم على الطريق.. مؤمن آل فرعون.. هل يسمع المجانين؟ | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. مؤمن آل فرعون.. هل يسمع المجانين؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 18-ديسمبر-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1631

نشر في الصفحة 45

السبت 18-ديسمبر-2004

تمضي الأيام وليدة الخطا أو لاهثة تضرب بأستار النسيان على البلايين والبلايين من البشر في بطون الحقب والقرون، لأنهم عاشوا ولم يوجدوا وولدوا ولم يذكروا ، وماتوا ولم يفتقدوا وضلوا في التاريخ ولم يعثر عليهم بينما تمضي القرون والحقب على أعلام من البشر لا يطوى ذكرهم، ولا تختفي معالم حياتهم، ولا تدع للنسيان سبيلا يزحف منه على جلائل مواقفهم من أجل الحق وفي سبيل الخير، رجال انفردوا بسجايا وخصال، وعاشوا على المثل والقيم، وشقوا في الحياة طريقا وعرا على مبادئ وأصول لقوا الموت في سبيلها، وتحملوا صنوف العذاب من أجلها. 

وقد ضرب لنا القرآن الكريم بعضًا من هذا الصنف في سالف الزمان، وأبرز لنا مواقفهم وأفعالهم شاهدة عيان أرأيت إلى الرجل من آل فرعون يوم أن التقى القوم وتأمر الجمع على الفتك بموسى، يتلمسون كل طريق لإرضاء فرعون بإهلاك موسى والتنكيل به وذكره بكل سوء فيقف فريدًا وحيدًا وسط الكفر والبغي والفساد. ومن خلال الظلم والظلام، لا يبالي ولا ينافق، بل بقذف بالحق في وجوههم، ناصعًا كالشمس قويًا كالإعصار يحركه الإيمان، ويدفعه الحق قائلًا:﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّىَ ٱللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ (غافر : ۲۸) 

ويمضي الرجل الشامخ إلى موسى محذرًا وناصحًا ليقول له:﴿إِنَّ ٱلْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّى لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ﴾ (القصص:20) كم من الآلاف أو مئات الآلاف انحنوا لفرعون وسجدوا له وتقربوا إليه وساروا في ركابه وأعلنوا إيمانهم به إلها من دون الرحمن، والتمسوا الرزق والخير والأموال ومتاع الدنيا في رضاه، ظنًا منهم أنه المانح والمانع والمحيي والمميت؟... ترى كم من هؤلاء مضى كما مضى فرعون، وراح في طي النسيان، وإن حلت ذكراهم يومًا في الأذهان انهالت عليهم اللعنات، ولحق بهم كل الخزي والعار، ويبقى الرجل المؤمن ذكرى على الدرب الطويل، تحت مكانتها في التاريخ ويتضوع أريجها في صفحاته مجللة بالمجد والفخار، قدوة ومثلًا وهداية ونورًا. 

ويأتي الأستاذ عمر التلمساني . يرحمه الله. بعد ذكر هذا المثل الحي بمثل آخر في هذه الأيام ليذكر بأن الأمثلة في هذه الأمة ما زالت تتوالى على الدرب، ومازالت مسيرة الخير ولودًا ومازال العطاء الإيماني وسيظل ينير الطريق، ويبعث الأمثال في كل عصر وحين، لتظل القدوة وضاءة وهادية للأجيال، فيقول: والأستاذ عبد القادر عودة القاضي الشهيد من هذا الصنف الذين ساروا ولا يزالون يسيرون على الطريق، وقف على حبل المشنقة في تهمة ملفقة ظالمة، فازداد على الحق إصرارًا، ورأى الموت بعينيه فأسرع إلى لقياه، ولم تكن جريمته إلا أنه قال كما قال الذين سبقوه على الطريق ربي الله، ولم تكن فعلته إلا أنه أنكر على الظالم ظلمه، وأبت عليه نفسه أن يسكت على صنوف الذل والهوان الذي يراد للأمة أن تحياه، وتعيش في ظله، فمضى شهيدًا بعد أن سطر على صفحات التاريخ سطورًا لا تبلى ولا تمحى، وحفر في القلوب والأذهان على مر الأيام ذكرى تنمو وتزدهر لتكون نبراسًا لكل المجاهدين  وعلمًا للقاصدين، وذكرى للمؤمنين.  

ولقد ضرب المجاهدون والدعاة في العصر الحديث من روائع الأمثلة ما ينبغي ذكره والتنويه به حتى تستخزي هذه الهوام والخنافس الكريهة، فهذا الكاتب الفذ والمفكر العبقري فريد عصره ووحيد أوانه سيد قطب . يرحمه الله . طلب منه وقد سجن ظلما وحكم عليه بالإعدام لتصفيات سياسية ضد الإسلام ودعاته، طلب منه أن يكتب إسترحامًا للطاغية الذي حكم عليه بالسجن ويخرج إلى الحياة كريما معافى تنتظره وزارة التربية ليكون على رأسها، فأبى وقال قولته المشهورة: إن السبابة التي أرفعها في الصلاة شهادة للواحد بوحدانيته تأبى أن تسطر كلمة إطراء لظالم. 

يا قيوم السموات والأرض، ويا جبال الصبر والصمود كيف وماذا فعل الإيمان بهذه القلوب؟ إنه العهد والميثاق العتيد، وإنها حلاوة الإيمان: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُۥ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23 ) 

صدق مع الله وصدق مع النفس وصدق في دنيا الناس، وفي الصحيحين: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». 

هؤلاء هم الرجال الذين يهدون إلى المجد: 

يخوض إلى المجد والمكرمات 

                                        بحار الخطوب وأهوالها 

وإن ذكرت للعلا غاية 

                                       ترقى إليها وأهوى لها 

ونحن قصدنا من ذكر بعض المواقف أن تذكر الأمة ببعض مواقف الرجال في هذا الجو الوبيء، والذي ينتشر فيه عهر المواقف، وتتسابق فيه بعض القيادات إلى الشذوذ الفاضح، في أوقات تغلي فيها الأمة وتتطلع إلى قيادات ترودها وتتقدمها لرد الهجمة عنها، فإذا بها أول المنهزمين بغير نزال والمنبطحين دون حرب أو قتال تتطوع منكسفة إلى بيع كل شيء بل إلى التنازل عنه بمهانة غريبة، ووضاعة فريدة منصبة نفسها خادمة للعدو وللتثبيط هنا وهناك، وللتخذيل يمينًا ويسارًا، بغير حياء أو إحساس بالمهانة ضاربة بمصائر الأمم والشعوب عرض الحائط، وملقية بمقومات الأمة ومقدراتها وعقائدها في الجحيم، في جنون غير مسبوق في الأمم، أو معروف في التاريخ إلا لعميل مزروع، أو خائن مصنوع.

فهل في استطاعة الأمة أن تأخذ على أيدي هؤلاء قبل حلول الكارثة!! وهل في استطاعتها إنتقاء بدائل قادرة على حمل الأمانة في فلسطين وفي غيرها؟ نسأل الله ذلك.. آمين..

 

 

الرابط المختصر :