العنوان مأساة الأطفال في البوسنة والهرسك
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
مشاهدات 126
نشر في العدد 1122
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
· مؤسسة «سفارة الأطفال» الصربية نقلت خمسين ألف طفل
بوسني نصفهم في عداد المفقودين
حين بدأتُ في جمع المعلومات عن مدى الخسائر
التي تحملها أطفال البوسنة في الحرب الشرسة الدائرة الآن لم يكن يخطر ببالي أن
تصدمني الوقائع والنتائج بمثل ما فعلت.
كان كل ما في ذهني أن أتحسس مستقبل البوسنة
ممثلًا في أطفالها الذين يشكلون بطبيعة الحال «الغد البعيد»، وكانت الخطوة الأولى اللازمة
لذلك التعرف على حجم خسارتهم في هذه الحرب وما يمكن تعويضه وما لا يمكن تعويضه.
المعلومة الأولى كان مصدرها مكتب الإحصاء
الحكومي في سراييفو، وحيث تفيد معلوماته أن عدد الضحايا في هذه الحرب سواء بسبب
الأعمال العسكرية أو بسبب المجاعات والبرد الشديد قد بلغ 267630 وأن عدد الأطفال
منهم 19000 طفل كما يبلغ عدد الجرحى في المناطق الخاضعة للحكومة البوسنية 166308
يبلغ عدد الأطفال منهم 34331 طفلًا.
وأبلغ سكرتير بلدية سراييفو رامز كاديتش
«المجتمع» أن في العاصمة البوسنية وحدها بلغ عدد القتلى 10500 مواطن، وأن عدد
الأطفال منهم 1568، كما أن الجرحى وصل عددهم إلى 58 ألف مواطن، منهم 14825 طفلًا
تحت سن السادسة عشرة عامًا، وذلك حسب الإحصائيات التي أجريت حتى نهاية شهر يوليو 1994
والتي تفيد أيضًا أن نسبة الإعاقة البدنية عند 3335 طفلًا في سراييفو وصلت إلى ما
يزيد عن 5% كما يوجد في هذه المدينة 343 طفلًا من ذوي العاهات الدائمة.
وعبثًا حاولت «المجتمع» الوصول إلى هؤلاء
الأطفال المعوقين فقد حصلنا على عناوينهم وكانت المفاجأة التي تصدمنا في كل مرة أن
حكومات وهيئات غربية ومؤسسات تبشيرية قد قامت بترحيلهم من البوسنة إلى العديد من
الدول الأوروبية.
وأثناء محاولات «المجتمع» للبحث عن هؤلاء
الأطفال اكتشفنا وجود عدد كبير جدًا من الهيئات البوسنية التي تعمل في مجال خدمة
الأطفال، غير أنها لا تمتلك الحد الأدنى من المعلومات كما أن غموضًا شديدًا يحيط
بتحركاتها، وأسر لنا بعض البوسنيين أن الدوافع من وراء إنشاء هذه الهيئات «تجارية»
للوصول إلى تبرعات المحسنين، وإن كان ذلك يصعب تعميمه على كافة الهيئات.
وحسب معلومات المسؤول البوسني فإنه كان في
الملجأ الرئيسي للمدينة 161 طفلًا قبل الحرب بدون أبوين، أما الآن فقد وصل عددهم
إلى 752 طفلًا بعد أن هرب أولياء أمورهم وتركوهم دون مأوى، وفي تقدير هذا المسؤول
فإن نسبة ضحايا الأطفال المسلمين تبلغ 67% من حجم ضحايا الأطفال في العاصمة.
الملف الأسود
ويذكر أهل سراييفو أيامًا سوداء في حياة
أطفالهم، ففي شهر يونيو 1992 أي بعد حوالي شهرين من اندلاع الحرب قصفت المليشيات
الصربية قسم الولادة في المستشفى، مما أدى إلى مقتل عدد من الأطفال الذين كانت
تحتضنهم أنابيب الرعاية الطبية، إما بسبب القصف المباشر أو لانقطاع الطاقة
الكهربائية عن هذه المحاضن.
وفي شارع تيناشيتشي في سراييفو وجه قناص صربي
رصاص بندقيته إلى طفل رضيع في عربته الصغيرة التي كانت تجرها أمه ومات في الحال.
وفي 10 أكتوبر 1992 قصف الصرب مركزًا للأيتام
واسمه ليوينساكر زيتشي مما أدى إلى مقتل ثلاثة أطفال وجرح ثلاثة عشر آخرين أكبرهم
لا يبلغ العاشرة من عمره.
وفي أول يونيو 1993 قصف الصرب مدرسة «علي
باشينو» للأطفال مما أدى إلى مقتل ثلاثة منهم وجرح 24 آخرين وفي قسم الأطفال
المعوقين في مستشفى بلدية بازاريتشي التخصصية مات خلال الحرب 72 طفلا من أصل 400
وذلك بسبب نقص الدواء والغذاء.
وإذا كانت هذه الأحداث تمثل ذكريات مُرّة
بالنسبة للكبار فإنها تمثل للصغار الذين عايشوها شبحًا ورعبًا يكاد لا يفارقهم.
وتحكي الطفلة أديسا زوبيروفيتشي البالغة من
العمر خمسة عشر عامًا لـ «المجتمع» حكايتها وتقول:
لن أنسى هذا المشهد المرعب طيلة حياتي وأمي
ممددة على الأرض وقد اخترق رصاص «الجيران» الصرب جسدها وتناثر هنا وهناك، وهم
الجيران الذين عاشوا معنا سنوات عمرنا ووعدونا بالحماية، وتتابع كان ذلك يوم
19/6/92 عندما وصل الصرب إلى قريتنا الواقعة بالقرب من جوراجدي.
فقمنا بالاختباء في الجراج لكن الصرب اكتشفوا
مكاننا وأمرونا أن نخرج وعندما فتحت أمي الباب وكان أبي وقتها خارج المنزل فوجئنا
بزخات من الرصاص وأمرتني أمي أن أهرب فأدرت وجهي ووليت فرارًا، لكنني سمعت صوت
صراخها واستدرت ففوجئت بهذا المشهد، وتملكني الفزع وظللت أجري أنا وأخي إلى أن
وصلنا إلى الغابة وهناك لحق بنا والدي وقادنا من جوراجدي إلى سراييفو مشيًا على
الأقدام سبعة أيام، وبعد ذلك عاد هو إلى جوراجدي ومازال هناك يواصل الدفاع عن
الوطن.
العدوان على الأجنة
وامتدت تأثيرات الحرب على الأمهات الحوامل
وبالتالي إلى الأجنة في أرحامهن، ويقول الدكتور سبريتشكو شيميتش مسؤول قسم النساء
في المستشفى الرئيسي: قبل الحرب كانت نسبة الأطفال الذين يولدون قبل موعدهم وتقل
أوزانهم عن 2500 جرام تصل إلى 5% من إجمالي عدد المواليد، إلا أن هذه النسبة
ارتفعت أثناء الحرب لتصل إلى 15%، وأثبتت الأبحاث التي قمنا بها أن ذلك يعود لسوء
تغذية الأمهات أثناء فترات الحمل، وخاصة الأمهات اللاتي يتناولن أقل من 80 جرامًا
من البروتينات يوميًا، وتصل عندهن احتمالات الولادة المبكرة إلى 16%.
كما أن هناك مشاعر الخوف والرعب من القصف
والحياة لفترات طويلة في المخابئ، ويضيف الطبيب الاختصاصي لـ«المجتمع» أننا لا
يمكن أن نتصور ما سوف تكون عليه حالة الأطفال في المستقبل سواءً الذين ولدوا قبل
الموعد أو حتى الطبيعيين.
كما يشير إلى مسألة خطيرة وهي التشوهات
الجسدية للأطفال حديثي الولادة، وكانت النسبة المعتادة قبل الحرب من 0.3-0.7% ارتفعت
لتصل ما بين 3 إلى 4%.
وفي أروقة المستشفى التقينا بواحدة من هؤلاء
الأمهات اللاتي ولدن قبل موعدهن وتقول إنها تعمل ممرضة في نفس المستشفى وأن ظروف
الحرب كانت تفرض عليها المساهمة في حمل ونقل الجرحى، وتعتقد أن ذلك سبب رئيسي فيما
حدث لها، فضلًا عن مشاعر الخوف والقلق الدائمة.
وتقول: كانت حركتي غير طبيعية فأنا مرغمة على
عبور الشوارع جريًا خوفًا من القناصة ودون أي اعتبار لحالة الحمل لدي، ورغم عملي
في المستشفى فإنني لم أتلق الرعاية الصحية والغذائية المناسبة.
أطفال البوسنة.. للبيع
يكاد يكون ذلك هو أبشع وجه من وجوه مأساة
أطفال البوسنة، وبدأت القصة عندما نشرت جريدة «فتشرني لست» الكرواتية خبرًا مفاده
أن شرطة جوهانسبرغ في جنوب إفريقيا أحبطت مخططًا لاستجلاب عدد من الأطفال
البوسنيين لبيعهم، وذكرت أن رجل أعمال معروف هو المسؤول عن ذلك وأنه تورط من قبل
في عمليات لبيع الأطفال من الصومال، وذكرت جريدة غلوبوس الكرواتية يوم 22/7/94 أن
المنظمة الدولية ضد العنف أصدرت بيانًا رسميًا أكدت فيه على اكتشاف عمليات منظمة
لبيع أطفال من يوغسلافيا السابقة، وذكرت أن الأطفال كانوا يرسلون إلى رومانيا
ومنها للولايات المتحدة والمكسيك وإيطاليا.
ونقلت الجريدة عن مسؤول بوسني قوله إن هناك
حادثتين محددتين لاختفاء الأطفال، أولهما مائة طفل تم ترحيلهم من إحدى الملاجئ في
سراييفو في شهر 11/92، وثانيهما تخص 200 طفل تم ترحيلهم بطائرات روسية إلى موسكو،
وتشير أصابع الاتهام إلى مؤسسة اسمها «سفارة الأطفال» أسسها صربي يدعى دوشكو
توميتش كان يعمل قبل الحرب في جهاز المخابرات اليوغسلافي، ومعظم العاملين في هذه
السفارة هم من الصرب، وتم بواسطة هذه المؤسسة إجلاء حوالي خمسين ألف طفل بوسني،
نصفهم الآن في عداد المفقودين حسب تقدير السلطات البوسنية.
وذكرت «فيسنا بيليتش» التي كانت تعمل مديرة
مكتب سفارة الأطفال في مدينة سبليت الكرواتية، أنه قد عبر من سبليت وحدها حوالي 15
ألف طفل بعضهم في صحبة أمهاتهم وأن معظم الطائرات التي قامت بإجلاء الأطفال مرت
عبر بلغراد، وبعض الأطفال نقل في حافلات مرت عبر ضاحية «بالي» الواقعة تحت
الاحتلال الصربي ومنها إلى بلغراد ثم إلى بلدان أوروبية أخرى.
وقال رئيس الصليب الأحمر البوسني محيي الدين
علي تشهايتش: إن أكبر عمليات الإجلاء تمت في بدايات الحرب حين كانت الفوضى تعم كل
شيء، وإن أول دفعات الأطفال خرجت من سراييفو عندما كان الصرب على وشك اقتحامها
والتعرض لمذابح رهيبة وعندها لم يهتم الأهالي بالوثائق والأوراق الثبوتية، وإن أول
قافلة خرجت في 18/5/92.
وذكرت رئيسة مكتب اللاجئين الحكومي في مدينة
سبليت أن الحافلات كانت تصل إلى الحدود دون أي إعلان مسبق، وأن أكثر من ست عشرة
قافلة مرت عبر الحدود الكرواتية حيث كان من المفترض أن تنقلهم إلى معسكرات
اللاجئين، وأن هذه القوافل كانت في صحبة سيارات مجهولة الهوية.
مواجهة مع سفارة الأطفال
جمعت «المجتمع» كل هذه الاتهامات وتوجهت بها
إلى المسؤول عن سفارة الأطفال في سراييفو «دوشكو توميتش» والمتهم بالإعداد لهذه
العمليات، غير أن الرجل اكتفى بالنفي الكامل لكل هذه الاتهامات، لكنه قال: إن هناك
مليونًا و70 ألف طفل تم ترحيلهم عن البوسنة شاركنا نحن فقط في 50 ألفًا منهم
فلماذا لا تسألون عن مصير الباقي؟ وأضاف معللًا: إن سفارة الأطفال من السهل
مهاجمتها أما المسؤولون عن الأطفال الذين رحلوا من جوراجدي، وفوتشا وفيشي غراد
وغيرهم والذين أصبحوا عرضة للأعمال الإجرامية فلا أحد يسأل عنهم.
وذكر مصدر بوسني لـ«المجتمع» أن هذا الرجل هدد
أثناء محاكمة أقيمت له في سراييفو بالكشف عن أسماء كبيرة متورطة إن لم يطلق سراحه
وهو ما تم لاحقًا.
أما «عامر زيلتش» مدير ملجأ الأطفال في
سراييفو فإنه يؤكد على خروج أطفال من ملجئه بواسطة سفارة الأطفال كأنه لا يعلم
شيئًا عن مصيرهم ولا يستطيع اتهام أحد بشيء، وهذا يشير إلى أن عددًا كبيرًا من
الأطفال الذين رحلوا كانوا بدون أبوين حتى يصعب ملاحقتهم بعد ذلك.
لكن مدير الملجأ يفتح ملفًا آخر أكثر قسوة فهو
يقول إن قافلتين للأطفال خرجتا من الملجأ واحدة إلى ألمانيا بتاريخ 1/8/92،
والثانية إلى إيطاليا 17/7/92 وإن عمليات الترحيل تمت بواسطة سفارة الأطفال،
وبناءً على اتفاق بأن تقوم بلدية ميلانو بإيوائهم لكننا اكتشفنا أن منظمات كنسية
هي التي استقبلتهم ولم يكن الاتفاق على ذلك، ويتابع لقد علمت أنه يُنظم لأطفالنا
هناك دروس لتعليم المسيحية وإن كنت لا أستطيع الادعاء بأنهم يجبرون على ذلك.
والتقت «المجتمع» بأسرتين من أسر هؤلاء
الأطفال، الأولى هي السيدة أنيسة توبالوفيتش التي قالت إن طفليها تم ترحيلهما إلى
إيطاليا بواسطة سفارة الأطفال وظلت أخبارهما مقطوعة عنا إلى أن استطعنا أخيرًا
الاتصال بهما وعلمنا أنهما في استضافة إحدى الكنائس، وعندما سألتها ألا تخافين عليهما،
قالت: نعم.. ولكن ماذا فعلتم أنتم لنا؟!
والثانية هي السيدة خيلا تاتيتشي التي قالت إن
ابنها معوق ويبلغ ثلاث سنوات وإنه رحل إلى إيطاليا، وقالت وهي تتشنج باكية أنا
مهاجرة من منطقة «بالي» المحتلة، وقد أحرق بيتي بالكامل وقتل زوجي وأتمنى عودة
ابني الوحيد.
ذهبتُ إلى مقبرة المدينة، أو بالأحرى استادها
الرياضي الذي تحول إلى مقبرة، كانت الشواهد تشير إلى وجود عدد من الأطفال بعضهم
ولد ومات في الحرب.
دمعتان لا تكفيان.. فالذين غيبوا تحت التراب
ربما يكونون أحسن حالًا من هؤلاء الذين سيعودون كبارًا إلى بلدهم.. مُبشرين
ومتغربين يسرقون عرض ودم الذين بقوا هنا يدافعون عن الأرض والعرض.. والدين!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل