; مأساة أمهات وصغارهن وراء قضبان الأسر | مجلة المجتمع

العنوان مأساة أمهات وصغارهن وراء قضبان الأسر

الكاتب زكريا المدهون

تاريخ النشر الجمعة 10-سبتمبر-2004

مشاهدات 83

نشر في العدد 1617

نشر في الصفحة 30

الجمعة 10-سبتمبر-2004

أطفال ولدوا في معـتقلات الصــهـاينة

الأسيرة منال غانم إيذاء السجانين امتد ليصل إلى طفلي الرضيع

لا يفارق ذاكرة المحامية بثينة دقماق مشهد الأسيرة منال غانم مقيدة الرجلين، وهي تحمل رضيعها بين يديها وتمشي ببطء خوفا عليه من السقوط من بين يديها متجهة صوب غرفة الزيارة لتلتقي محاميتها من وراء حاجز.

كأم أولًا، وكإنسانة ثانيا، ينقبض قلب المحامية قلقا على الرضيع الذي لم يشاهد من الدنيا بعد سوى هذا الحاجز، وما يتيحه سقف ساحة الفسحة اليومية من زرقة السماء.... وتتسارع ضربات قلبها مع تباطؤ الخطى للأم

المقيدة.

في رحلتها الطويلة مع الأسيرات والأسرى شاهدت المحامية دقماق آلامًا طافحة في الأرواح وعلى الأجساد، لكن مشهد الأسيرة منال غانم وهي تحمل وليدها الذي أنجبته مؤخرًا وراء القضبان هو الأقسى بامتياز.

وقد اعتقلت منال وهي حامل في الأشهر الأولى ... إنها أم لثلاثة أطفال، أنجبت رابعهم وراء القضبان في أبريل «نيسان» من العام الماضي. 

تقول دقماق كنت أتحدث مع الأم وأداعب الطفل في وقت واحد، أمد له إصبعي من الشبك - السلك الحاجز - ليمسك به ويضحك..

وعلى غير عادة الأسيرة أو الأسير عندما يلتقي محاميه، حيث يشكو له ما يقاسيه في الأسر، ويناقشه في حيثيات قضيته، فإن الأم منال تستغل زيارة المحامية لتشرح لها مشكلات رضيعها الخطر على حياته جراء رش الأسيرات بالمياه وربما بالغاز حاجته للشمس وضوء النهار وللهواء النقي حاجته للألعاب، ولكل ما لا يتاح وراء الأبواب المقفلة ذات الصرير فائق الإزعاج.

 روت منال لمحاميتها لحظات الرعب التي عاشتها لدى رش غرف السجن بالماء البارد مؤخرًا، قائلة: «عندما فتحوا خراطيم المياه الباردة علينا، حملته وخبأته في جوف صدري وهرعت إلى أكثر الأمكنة أمانًا في الغرفة وجلست مقوسة الظهر كي أوفر له أكبر قدر ممكن من الحماية.

مأساة رضيع

ومنال ليست الأسيرة الأولى التي تضع حملها وراء القضبان، فقد سبقتها الأسيرة میرفت طه من القدس.

وقد اعتقلت ميرفت البالغة ٢١ عامًا في مايو «أيار» عام ۲۰۰۲م، وهي حامل، ووضعت وليدها الأول خلف القضبان بعد أشهر قليلة.

ولسوء حظ الطفلين فإن والدتيهما تحتجزان في قسمين مختلفين من أقسام سجن النساء في الرملة، مما يحول دون نشوء علاقة طفولة بينهما هما في أمس الحاجة إليها، والمشكلة الأكبر بالنسبة للوالدتين أن قوانين السجون الصهيونية تسمح للأم بحضانة طفلها حتى يبلغ العامين من العمر، تجبر بعدها على نقله إلى عائلتها في الخارج.

تضيف دقماق أرى الوالدتين منال وميرفت، وهما تتمزقان ألمًا كلما فتح موضوع نقل طفليهما منهما إلى أسرتيهما ...

والمشكلة مع الأسيرة الحامل تبدأ من لحظة اعتقالها ولا تنتهي حتى بعد تحريرها من الأسر، فعند اعتقالها توضع الأم في ظروف اعتقالية بالغة الصعوبة، حيث التحقيق القاسي الساعات طويلة يتخلله عنف الضرب والتعذيب والضغط النفسي.

وعندما تحين ساعة الولادة تنقل الأسيرة إلى المستشفى وتضع حملها، وهي مقيدة اليدين وبعدها تنقل القيود من يديها إلى رجليها.

وبعد الوضع يتحول الوليد الجديد إلى سجين داخل غرف مغلقة، حيث لا يمنح أية استثناءات تتطلبها حاجته البيولوجية والنفسية مثل الخروج إلى الفورة الفسحة في أوقات إضافية، وتلبية رغبات غريزية لديه مثل: الحصول على الألعاب وغيرها حيث يمنع دخول الألعاب إلى السجن منعًا مطلقًا.

تقول الأسيرة ميرفت للمحامية: غالبًا ما يضيق طفلي من السجن، ويأخذ بالصراخ، لكن ما باليد حيلة، فلطالما طالبنا أن يسمح له بوقت إضافي في ساحة الفسحة لكن إدارة السجن لم توافق.

وتقول الأسيرة منال: «طفلي الأصغر سنًا ومعاناته أشد حتى الفوط غالبًا ما تأتي ضيقة ولا مجال لتبديلها، وهو ما يؤذي جسده ويجعله في ضيق دائم» وعلى قسوة وجود رضيعيهما معهما في الأسر فإن العديد من الأسيرات يحسدن هاتين الوالدتين على ما يرين فيه امتيازًا، خصوصًا بالنسبة لمن لا تستطيع منهن رؤية أطفالها البعيدين عنها.

ومن بين الأسيرات الأمهات واحدة من الجولان السوري المحتل هي أمل محمود. 

والأكثر قسوة بالنسبة للأسيرة الأم عندما يكون زوجها أسيرًا أيضًا، حيث يحرم أطفالهما من رعاية أي منهما مثل: ليناسراحنة وغيرها.

 ولحرمان ذوي الأسيرات والأسرى من زيارة ذويهم فإن بعض الأسيرات لم يلتقين أطفالهن، منذ ما يزيد على ثلاث سنوات ونصف السنة منهن الأسيرة سونا الراعي من قلقيلية، التي لم تشاهد ابنها سوى مرة واحدة طيلة الانتفاضة. 

لكن قتامة الصورة لا تخفي خيوط الضوء في حياة الأسيرات ومنها مساعدة الأمهات الخبيرات للأمهات الجدد وسهرهن على أطفالهن.

تقول دقماق: «الأم قاهرة السعدي من مخيم جنين ترعى طفل ميرفت طه كأنه ابنها تمامًا، وتساعدها على التعامل مع مشكلاته وحالاته المزاجية والصحية وفق خبرتها الطويلة كأم لعدة أطفال».

وتضيف: «على قسوة الحياة في الأسر، خصوصًا لأم لديها أطفال داخل الأسر أو خارجه، إلا أن الأسيرات نجحن في تحويل واقعهن المستحيل هذا إلى واقع يمكن العيش فيه، بل واستغلاله في بناء شخصياتهن ثقافيًا واجتماعيًا وإنسانيًا» ...

وتسوق العديد من الأمثلة على ذلك منها .... الأسيرة سعاد غزال من سبسطية، التي دخلت الأسر طفلة في الخامسة عشرة والنصف وأصبحت اليوم فتاة ناضجة ذات ثقافة رفيعة ..

الرابط المختصر :