; حاكموا المجرمين الطلقاء أو.. حاكموني! | مجلة المجتمع

العنوان حاكموا المجرمين الطلقاء أو.. حاكموني!

الكاتب إبراهيم البعثي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1975

مشاهدات 138

نشر في العدد 238

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 25-فبراير-1975

المصور 2627 14/ 2/ 1975 • من وراء أسوار ليمان طرة، تلقيت مجموعة من الرسائل: بعضها أثار دهشتي وعجبي، ومن بينها ما دفع الدمع غزيرًا إلى عيني وجعل قلبي يدمي. وأكثر ما أثار دهشتي رسالة بتوقيع عبد القادر عامر.. وطبعًا هناك مجموعات كبيرة من المواطنين- وخاصة من الشباب- لا يعرفون من هو عبد القادر عامر. أنا نفسي لا أذكر ملامح وجهه، وإن كان اسمه ما زال منقوشًا في ذاكرتي، فقد رأيته مرة واحدة في بداية عملي الصحفي عام 1946، بينما كان يقف في قفص المتهمين أمام محكمة جنايات الإسكندرية. و«الجريمة» التي كان يحاكم من أجلها هي: إلقاء القنابل على الثكنات البريطانية في هذا اليوم- وبينما كان صديقي المجاهد القديم الأستاذ إبراهيم طلعت المحامي يترافع عنه- تطلعت إلى عبد القادر عامر ومن كانوا معه في القفص، ثم قلت لنفسي: - ترى لو أن واحدًا في المائة من شباب مصر فعلوا ما فعله عبد القادر عامر.. إلى متى يمكن أن يستمر الاستعمار البريطاني في مصر؟ ثم هرب عبد القادر عامر من مصر إلى سوريا. وتوالت أحداث عمره على نحو، قد يكون فيه اندفاع أو حماقة من وجهة نظر البعض، ولكن الصورة التي لا تغيب عني هي إقدامه على مهاجمة الثكنات البريطانية عام 1946. وقد حكم علي عبد القادر عامر بالأشغال الشاقة، في قضية سياسية تم «تحقيقها» في عهد مراكز القوى الإرهابية، والمواطنون جميعًا أصبحوا يعرفون كيف كانت تجري هذه «التحقيقات»، وكيف كانت تتم هذه «المحاكمات». ورغم هذا ما زال عبد القادر عامر في سجن مزرعة طرة. ألا يشفع له ماضيه الوطني ضد الاستعمار البريطاني؟ ألا يؤدي الشك في مدى سلامة التحقيقات والمحاكمات التي تمت قبل حركة التصحيح إلى صدور العفو عنه وعن كل زملائه؟ وبعد أن أوشك على الخمسين من عمره- إن لم يكن قد تخطاها- أما آن الأوان كي يستريح ما بقي له من عمر؟ ورسالة أخرى من المواطن السجين السياسي محمد أبو الخير.. إنه يذكرني بأيام الشباب عندما شاركنا بجهد متواضع في أحداث كوبري عباس، وحصار الثكنات البريطانية في قصر النيل، التي أصبحت الآن مقرًا لمبنى جامعة الدول العربية وفندق هيلتون.. إنه يذكرني بالمواقف الباهرة للمرحومين الدكتور عزيز فهمي ومحمد قراعة، وكذلك مصطفى أغا- السجين حاليًا- وكيف كانوا المحامين الوحيدين في مصر، الذين حضروا للدفاع عن المتهمين في حرق صور الملك فاروق عام 1948. ولست أدري لماذا سجن محمد أبو الخير، ولا أستطيع أن أعرف مدى سلامة موقف مصطفى أغا المحامي في القضية التي أدين فيها، ولكن يكفيني أنها محاكمات تمت في عهد الإرهاب.. محاكمات سادها التعذيب الذي ما زال منقوشًا، على أجساد آلاف ممن امتدت إليهم أيدي صلاح نصر، وحسن عليش، وحمزة البسيوني، وأحمد أنور، وجمال القاضي، وإسماعيل همت وعلي شفيق وغيرهم. ألوف اعتقلوا وسجنوا وعذبوا سنوات طويلة. وكثيرون دفنوا في صحراء العباسية ومعتقل الواحات، وعلى مشارف ليمان طرة.. منهم من سحقهم التعذيب، ومنهم من أطلق عليه الرصاص داخل الزنزانة كما حدث لمجموعة من الإخوان المسلمين، ومنهم من ترك ينزف حتى مات. لقد ذكرت بعض أسماء الجلادين صراحة من قبل، ومن زلت مصرًا على ذكرها لأنني شاهدت جرائمهم بنفسي في السجن الحربي، وفي سجن مصر. ولكن هناك جرائم أخرى تقشعر لها الأبدان، لا يمكن أن يستمر السكوت عليها.. الذي أطلق الرصاص على لويس إسحاق في معتقل الواحات اسمه تحت يدي، والذي طعن أحمد لطفي بالسكن حتى توفي أيضًا اسمه معروف لي، ولكثيرين غيري، والذين ذبحوا الدكتور فاروق المنشاوي داخل زنزانته معروفون أيضًا.. والسجين إبراهيم سلامة قتل حرقًا وهو نائم في زنزانته بليمان طرة، لأنه تجرأ وشكا إلى النائب العام.. أحرقوه قبل عرضه على الطبيب الشرعي، حتى لا يثبت التعذيب الذي كان يشوه جسده... وغير ذلك من الجرائم التي يقشعر لها جسد كل إنسان له قلب وله ضمير. والغريب أن بعض المسجونين السياسيين ما زالوا وراء القضبان، بينما الجلادون طلقاء. ضحايا التعذيب في الليمان، والمجرمون خارج الأسوار. ضحايا الإرهاب محرومون من كل شيء، وأولادهم جياع وأنصاف يتامى، والمجرمون الطلقاء يمرحون في شوارع القاهرة، ويعيشون في قصورهم التي اغتصبوها من دم الشعب. بل إننا- ونحن نستعد لمرحلة جديدة لإعادة بناء التنظيم السياسي- نجد بكل بساطة أن كل الذين ما زالوا وراء الأسوار محرومون من الإسهام في خدعة وطنهم، رغم إن الكثيرين منهم لهم تاريخ وطني وتجربة سياسية، بينما الذين عذبوهم من حقهم التقدم إلى عضوية التنظيم السياسي، ولا يستبعد أن يصل أحدهم أو بعضهم، إلى مركز قيادي في منبر من المنابر الذي ستنبثق داخل الاتحاد الاشتراكي. والذي يثير دهشتي وعجبي، أن كثيرين من المسئولين يعرفون تفصيلات تفوق ما أعرفه عن وحشية هؤلاء المجرمين الطلقاء، ورغم هذا فإنهم يلوذون بالصمت. وقد أشرت في مقال سابق إلى ما تعرض له الدكتور إسماعيل صبري عبد الله «وزير التخطيط» من تعذيب وصل إلى حد ضربه مائة «شومة» كي يغني نشيدًا لعبد الناصر.. وناشدته أن يدلي بأقواله أمام النائب العام، ولكنه لم يفعل، ولم يرسل إلى «المصور» تكذيبًا ينفي فيه أنه عذب. نفس الشيء بالنسبة للدكتور فؤاد مرسي حداد «وزير التموين السابق».. لاذ بالصمت. واليوم أسأل الرجل المؤمن المسلم الدكتور عبد العزيز كامل «نائب رئيس الوزراء ووزير الأوقاف»: • ألم يطلقوا عليك الكلاب البوليسية أنت والمهندس عمر أحمد مرعي في السجن الحربي؟ إنني أدعوك للشهادة أمام النيابة وأمام محكمة التاريخ.. ولا أتصور أبدًا أنك وأنت الإنسان المسلم ستكتم الشهادة. إنني أسأل السيد النائب العام: - في يوم 12 مارس الماضي، وصل إليك بلاغ رقم 69 من المواطن عبد القادر عيد، المقيم في 14 شارع حسن رضوان بحدائق القبة، تضمن اتهامات خطيرة ضد من عذبوه وعذبوا زوجته وأطفاله، ثم تلقيت برقية من نفس المواطن في 24 نوفمبر الماضي، ثم بلاغًا آخر في 30 نوفمبر الماضي. • لماذا لم يبدأ التحقيق إلا في 5 ديسمبر الماضي.. أي بعد تسعة أشهر تقريبًا؟ • ولماذا لم تذع النيابة بيانًا عن نتائج التحقيقات، في البلاغات التي تقدم بها مجموعة من المواطنين الذين عذبوا على أيدي السفاحين قبل حركة التصحيح؟ إن محاكمة الذين عذبوا المعتقلين والمسجونين السياسيين، لن تعرقل سيرتنا في مرحلة البناء، ولن توقف جهدنا في معركتنا مع الصهيونية، بالعكس فإنها ستزيد من إيمان الشعب بأن جدار الخوف قد زال، أو لا بد أن يزول، وإن كل فرد أصبح آمنا نهائيًا على حريته وعلى عمره، وعلى عرضه وعلى ماله، وإن الذي يفكر في الانقضاض على الحريات التي بدأت، أو يتصور أنه من الممكن أن تفتح المعتقلات مرة أخرى، لن يترك بلا حساب أبدًا. إن ما فات من عصر المسجونين السياسيين ممن دخلوا الليمان قبل حركة التصحيح، لا يمكن أن يعوض أبدًا.. وقد أمر الرئيس القائد أنور السادات مشكورًا بالإفراج عن كثيرين منهم، وقد خرج معظمهم وهم أقرب إلى الموت من الحياة، بعد أن عاشوا سنوات امتهنت خلالها آدميتهم، ومزقت أجسادهم ودمرت أسرهم، وعرفوا مع عائلاتهم الجوع والخوف. ولا شك أن مجلس الشعب إذا أصدر قانونًا بالعفو الشامل، عن كل سجين سياسي دخل السجن قبل 15 مايو سنة 1971، فإن الرئيس أنور السادات سيصدق على القانون بكل ترحيب، فقد عرف السجن وكابد الحياة في دور 6 بسجن مصر، وفي معتقل المنيا ومعتقل الزيتون. إنني أطالب بالعفو عن ضحايا الإرهاب، وكفى ما لقيه كل منهم من تعذيب رهيب.. وأطالب أيضًا بالإسراع في محاكمة المجرمين الطلقاء، ليطمئن الجميع، وفي مقدمتهم القارئ الذي ما زال مصرًا على أنه يكتب لي بتوقيع «مواطن جبان». إن التغاضي عن محاكمة هؤلاء المجرمين الطلقاء ليس من حق أحد، لأن ما حدث ملك للتاريخ والحرية والديموقراطية. إنني أطالب السيد ممدوح سالم «نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية» وكذلك المسئولين في المباحث الجنائية العسكرية، وفي المخابرات العامة، بأن يقدموا للنيابة العامة كل ما يوجد في الملفات عن وثائق ومستندات التعذيب. أطالبهم باسم العدالة.. باسم الحرية.. باسم الأخلاق.. أطالبهم من أجل مصر. وأطالب السيد النائب العام باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة والواجبة، نحو كل من شارك في تعذيب وقتل المعتقلين والمسجونين السياسيين. إنهم مجرمون طلقاء.. وهذا غير جائز في عهد سيادة القانون. إنني أوجه النداء إلى كل من يملك إصدار القرار في هذا الموضوع: حاكموا المجرمين الطلقاء.. أو حاكموني. والمجتمع تضم صوتها إلى صوت الأستاذ إبراهيم البعثي في صيحته التي أطلقها، فكيف أن الأحرار الأبرياء من الإخوان المسلمين ما زالوا وراء القضبان حتى يومنا هذا؟؟ ففي «ليمان طرة» واحد وثلاثون رجلًا من الإخوان المسلمين الذين اعتقلوا في حوادث 1965.. وأصدر هبل الحكم عليهم من موسكو لقاء 17 مليون دولار، ولقد أذاع الراديو المبلغ، ثم أذاع الحكم في اليوم نفسه. هؤلاء الذين ما زالوا وراء القضبان أين العهد الجديد منهم؟؟ هل أعاد محاكمتهم أو أقر الوضع السابق؟؟ والأمر الآخر: القتلة المجرمون الذين نهشوا أعراض العذارى، وأقاموا المذابح الجماعية والإفرادية، وشوهوا عددًا كبيرًا من الشباب العلماء.. كيف يتركوا طلقاء؟ بل بعضهم تحت الحراسة، لا خوفًا منه ولكن خوفًا أن يتعدى عليه. فالقصاص منهم ومحاكمتهم حياة لشعب وانتصار لأحرار العالم. صلاح نصر كان يكتب قبل شهر بقوة وثقة، ويزعم أنه من رواد الوطنية والثورية، أما الخجل فقد طلقه طلقة بائنة من قبل ليلة الخامس من حزيران، عندما كان ينعم بصداقة باروخ نادل. يجب أن ترتفع أصوات الجماهير بمحاكمة: صلاح نصر، وحسن عليش، وأحمد نور، وجمال القاضي، وإسماعيل همت، وعلي شفيق، وعبد العال سلومة، وفريد شنيشن، ومحمود عبد المقصود، وأمين وياسين ومصطفى، وحتى الذين كانوا يطلقون النار على من بقي به رمق من الإخوان المسلمين، في مذبحة ليمان طرة. إن التحرك الشيوعي في مصر مؤامرة لإعادة السلطة إلى هؤلاء السفاكين، وإن عادوا- لا سمح الله- فستعود مذابح لا عهد لمصر بمثلها.. ستعود مذبحة حمراء تهدد كل بيت، وكل مسؤول يجاملهم اليوم ويفضي عن تآمرهم رغبة أو رهبة. محاكمة المجرمين السفاكين مطلب شعبي، ليس له ارتباط بأمور أخرى، ولا يجوز التساهل به مطلقًا.
الرابط المختصر :