العنوان لوحة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 20-أغسطس-2005
مشاهدات 71
نشر في العدد 1665
نشر في الصفحة 57
السبت 20-أغسطس-2005
برع المسلمون في فن الزخرفة وارتقوا بالخط العربي والعمارة الإسلامية
لقد أبدعتها يد فنان ماهر- أفرغ فيها عصارة فكره وذوقه بدقة وإتقان، وسكب فيها ما ينم عن حس مرهف، وذوق رفيع ولو نظرت إلى الحائط في غرفة الضيوف أو في غرفة المعيشة أو حتى في المطبخ في غرفة الطعام لرأيتها معلقة عليه. وقد وقفت شامخة عالية أمامك ولم لا وقد أعطيتها من اهتمامك واخترتها بدقة ومزجت بين ألوانها وألوان الحائط بل والفرش والبسط، فتعطينا شكلًا جماليًا رائعًا فهل عرفتها؟ إنها اللوحة التي نزين بها جدران المنزل ونحرص على ملاءمتها للمكان الذي تعلق فيه، فهل حاولت حين النظر إليها أن تتعرف من خلالها على ذلك الفنان المبدع، وهو يمزج بينها وبين لوحات أخرى حين رسمها فمن لوحة الكون وما يحويه من أرض وسماء ومخلوقات استنبط إبداعاته، ومن جمال الطبيعة الخلابة أضفى على رسوماته، ومن أنماط الحياة المختلفة كانت إيقاعاته، فصبغ ألوانها بصيغة جمعت بين الفن الإسلامي الرفيع والنفس الإنسانية المتحضرة، والخيال الواسع الرحيب.
جمال منظومة
لقد خطت خطوطها بيده وامتزجت ألوانها بمشاعره، فصاع من خلالها ما يختلج في صدره وخاطره قصيدة جمال منظومة تنبئك، عن حب الإنسان للجمال، فالنفس تألفه وترتاح إليه وتتمناه على الدوام، ولم لا ولوحات الجمال، قد بثت وتناثرت هنا وهناك تجذبك إليها أينما كنت وحيثما سرت والعين إذا نظرت وجب على القلب المؤمن أن يتفكر، فإذا تفكر كانت له العبرة:
إذا المرء كانت له فكرة: ففي كل شيء له عبرة ولو أعمل كل منا فكره عند رؤية الأشياء لتغيرت عنده الرؤية ولرأى في كل ما حوله آية من آيات الله.
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد
ولوحات الجمال البهيجة تجدها بين صفحات القرآن الكريم حيث امتزجت ألوان الإعجاز الجمالي في مخلوقاته سبحانه وتعالى فدعانا إلى النظر إليها بعين التفكر، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر: 2٧- ٢٨).
امتن الله تعالى على عباده بآية الجمال وجعلها نعمة منه وفضلًا، ولفت أنظارنا إلى جمال الكون وما فيه من مخلوقات، فقال عن الأنعام: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (النحل: 6).
كما بين لنا أن الجمال لا يقتصر على الماديات والمحسوسات من الأشياء، فهناك صفات هي أيضًا جميلة حثنا على التحلي بها والتجمل، ودعا رسولنا صلى الله عليه وسلم إليها فقال له: ﴿ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ (المعارج: 5)، والصبر الجميل الذي لا شكوى فيه، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر: 85)، وهو الصفح الذي لا عتاب معه، فهو سبحانه يحب الجمال: «إن الله جميل يحب الجمال» «مسلم»، وشجع الإسلام على الإبداع وحث على النظر في صفحة الطبيعة الخلابة وجمالها الأخاذ حيث ينمو الحس الفني الرفيع، فجسد المسلمون ذلك في فنونهم فارتقوا بها وربطوها بعقيدة التوحيد بعيدًا عن الخرافات والوثنيات والشركيات فأطلق للخيال تصوره ما لم يخرجه ويشطح به بعيدا عن الحق، فنتج عن ذلك أن برع المسلمون في فن الزخرفة حتى إنها اشتهرت بالزخرفة الإسلامية، كذلك ارتقوا بالخط العربي فصارت له أنواع وأشكال كثيرة، وأصبحت له مدارس خاصة يدرس بها، وقامت حضارة المسلمين يصحبها فن العمارة الإسلامية وفن الزخرفة والإبداع جنبًا إلى جنب.
وفي عصر الخلافة الأموية ابتكر المسلمون وأبدعوا وتنافسوا مع الحضارات الأخرى، فكان من أبدع آثار الأمويين مسجد قبة الصخرة وهي آية في الجمال يلاحظ عليها المبالغة في الزخرفة والتفنن في رسم الأشكال الجمالية، وكان عهد الوليد بن عبد الملك عهد دخول العمارة الإسلامية ميدان الزخرفة، مع ما كان يقوم به من أمور الدين والدولة.
في الأفق الواسع
لما أعمل المسلم فكره وجال بخياله في الأفق الواسع، واستخدمه لنهضة أمته، نتج عن ذلك حضارة حازت قصب السبق في مختلف العلوم، وأذكر هنا مجال الجغرافيا لارتباطه بالرسم والخيال، فقد كان أشهر رسامي الخرائط العالم المسلم «الإدريسي» الذي رسم خريطة للأرض على كرة من الفضة الخالصة، ووضع عليها خطوط الطول والعرض، أما «الإصطخري» الذي عاش في القرن الرابع الهجري فهو أول من رسم خريطة العالم الإسلامي عن طريق رحلاته ومشاهداته الشخصية «والمسعودي» الذي رسم خريطة للعالم تعد من أدق الخرائط العربية، كل ذلك يحتاج لخيال واسع وتصور صحيح وجمال في التصميم.
إن هذا الفن تستطيع من خلاله أن نرتقي بالقيم والأخلاق والعلوم، وذلك دأب المسلم الذي مهما ارتقت أعماله، فإنها تصب في وعاء الدين الصافي، فلنتذوقه بصدق، ونسيره وفقاً لشرع الله دون غلو أو تفريط، ليصبح جندًا من جنود الله على هذه البسيطة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل