العنوان لمسات في التربية من جدي الشيخ على الطنطاوي (۹): العقاب الرادع
الكاتب عابدة فضيل العظم
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1996
مشاهدات 82
نشر في العدد 1214
نشر في الصفحة 61
الثلاثاء 27-أغسطس-1996
استأجر جدي ذات صيف - وقد حيل بينه وبين بلده دمشق - منزلًا كبيرًا في منطقة ريفية جميلة هادئة في أحد مصايف الأردن ليضم شمل جميع أفراد عائلته المتفرقين في البلاد، وفي ذلك المنزل قضينا أيامًا رائعة، استمتعنا فيها بصحبة جدنا وسررنا باجتماعنا بعد طول الفراق، لكن البيت كان بلا كهرباء، فلم يمكن استعمال ما يعمل بالكهرباء من أجهزة وأدوات «بما فيها غسالة الملابس الكهربائية»، كانت المشكلة: فقد كنا نقضي النهار -نحن الأحفاد الصغار - حول البيت نلهو ونلعب في الحدائق والبساتين الواسعة بين كروم العنب، وتحت الأشجار الوارفة، ثم نعود مساء وقت النوم وقد اتسخت ملابسنا وغطتها الأتربة وتناثرت عليها بقع العنب وأثار الفاكهة، فنغتسل ثم ننام تاركين أمهاتنا ساهرات أمام أطباق الغسيل في الحمام كل واحدة منهن تغسل ملابس أولادها .
وفي الصباح يجد كل حفيد منا ملابسه نظيفة مرتبة، ويتلقى قبل خروجه اللعب توصية من أمه بأن يلعب بحذر وهدوء ليحافظ على نظافة ملابسه وأناقتها حتى لا تضطر أمهاتنا إلى غسلها كل يوم... ولكننا كنا نندمج سريعًا في اللعب فننسى كل التوصيات ولا نكترث ولا نبالي بغير اللعب الممتع، ثم نعود مساء وقد اتسخت ملابسنا شأنها كل يوم، فماذا تفعل الأمهات عندئذ؟ تكرر التنبيه.. توبخ بشدة... تضرب.. تمنع طفلها من اللعب خارج المنزل، ولكن ذلك كله لا يفيد ويبقى الأولاد على سلوكهم بلا تبديل ولا تعديل، فماذا فعل جدي عندما علم بالأمر؟ وكيف حل المشكلة؟
لقد عالج الموضوع بأسلوب مبتكر مبدع، استعمله مرة واحدة فقط، بحزم، وبصورة توحي بالقسوة، لكنه كان العقاب الرادع الذي جعلنا نحافظ على نظافة ملابسنا ومنعنا أن نكون أنانيين لا نفكر إلا بأنفسنا وسعادتنا ومتعتنا ناسين حق أمهاتنا، لقد فاجأنا ذات ليلة، وقد عدنا من اللعب في الحقول منهكين متعبين نحلم بالراحة والنوم العاجل في الفراش - فألزم كل واحد منا أن يغسل ملابسه وينظفها قبل أن ينام كما كانت تفعل أمه تمامًا، فاعتذرنا ورجونا جدي أن يعفينا من تلك المهمة، ويسمح لنا بالنوم، لكنه رفض اعتذارنا واصر على تنفيذ الأمر.. فامتثلنا راغمين.
تعبنا يومها كثيرًا وتجرحت أيدينا الصغيرة الناعمة، وأخذ منا الغسيل وقتًا وجهدًا كبيرًا، وأنهكنا النعاس «حتى أشفقت علينا أمهاتنا فرجون جدي أن يعفو عنا ويسمح لنا بالنوم، وهو مصمم على المضي في العقاب»، لكن العلاج كان شافيًا، والعقاب حاسمًا فلم نعد لمثل ذلك السلوك من بعد أبدًا طوال الصيف، وصرنا من يومها أكثر تقديرًا لتعب أمهاتنا وحرصًا على أن نجنبهن الجهد والعناء، ربما بدا جدي قاسيًا في تلك الليلة، ولكن أتظنون أننا كنا سنقوم سلوكنا ونتخلى عن أنانيتنا وأثرتنا بغير ذلك الألم، وبدون تلك المعاناة؟
عابدة فضيل العظم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل