; المجتمع الأسري (العدد 1206) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الأسري (العدد 1206)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996

مشاهدات 92

نشر في العدد 1206

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 02-يوليو-1996

اللص الصغير

يعتاد بعض الأطفال أخذ أية قطعة نقود أمامهم، وقد يفتحون حقيبة الأم ليأخذوا منها نقودًا دون إذنها، وقد لا تجد الأسرة غضاضة في ذلك ظنًا منها أن هذا سلوك طفل «لا يزال لا يعي»، ولكن أشد ما يقلق كل أسرة أن يستمر هذا السلوك مع الطفل بحيث يصبح سمة فيه وينشأ بين أفراد الأسرة لص صغير.

ويؤكد علماء النفس أنه لا بد من التعامل مع هذا الأمر بهدوء وروية، وألا يذكر الأبوان أبدًا أمام الطفل كلمة «سارق» بل يحاولان إفهام الطفل بأسس العلاقات التي تربط أفراد الأسرة، وتوصيل فكرة الملكية الخاصة له، لأن ذلك هو أفضل الطرق لضمان عدم دفع الطفل للجنوح. 

وينبه كذلك علماء النفس إلى أن الطفل الذي يسرق الأشياء بهدف إتلافها متعمدًا، طفل يعاني نفسيًا، ولا بد من الاهتمام به، وملاحظة حالته، ومحاولة معرفة الأسباب التي أدت به إلى هذا السلوك.

ويرى بعض المحللين النفسيين أن الطفل بإقدامه على السرقة لا يكون ذلك رغبة منه في المسروق، بل هو نتيجة رغبة دفينة لتعويض شيء ينقصه، فهو يبحث مثلًا عن شخص معين، أم انشغلت عنه أو أهملته، اهتمام من والدين يشك في حبهما له، فالطفل لا يتلذذ بما يسرق بل يحاول لفت الانتباه إليه وتعويض ما ينقصه من حب وحنان، والطفل لا يدرك هذا الأمر بل يتحرك بدوافعه الداخلية المرتبكة المهزوزة، ولذلك يكون العلاج بتفهم الأم لهذا الأمر - والأم خاصة - لأن حبها وحنانها عنصر أساسي بالنسبة للطفل، لذلك قد يكون الدافع الأصلي وراء السرقة هو حاجته الملحة أن يوطد علاقته بأمه. 

بلا وعي:

 وإذا أدرك الآباء والأمهات هذه الحقيقة، فمن السهل عندئذ علاج الطفل من هذا الداء، فيمكن للأم أن تشعره تدريجيًا بأنه يملك قلبها، وأنه برغم أخطائه لم يخسر شيئًا من حبها، وتعطيه الثقة في نفسه وفي من حوله، وتبدأ في تفهم الطفل وإدراك أنه في اتجاهه نحو السرقة يكون مدفوعًا بقوة متسلطة عليه، ويفعل ذلك أحيانًا بلا وعي بما يفعل، لذلك لا بد من علاج السبب أولًا، وكلما كانت الأسرة متفهمة وصبورة ساعد ذلك على سرعة العلاج، وكلما شددوا على الطفل وأصروا على محاسبته وسؤاله كالمحققين زادوا الأمر تعقيدًا، واضطروا الطفل للكذب بجانب السرقة، لأنه لن يجد مبررات عنده ليقولها، وهنا يتضاعف الشعور عنده بالإثم، ويحس أنه قد أسيء فهمه من جانب الكبار، وتتضاعف مشكلته النفسية.

لكن الأناة والصبر والتفهم هي أفضل طريقة لمعالجة الطفل ومحاولة إعادة الثقة له بنفسه وبمن حوله، وتجديد تكيفه مع الأسرة والمجتمع.

تربية الوازع الديني:

وقد أكد المرحوم الدكتور عبد الله ناصح علوان – الأستاذ السابق بجامعة الملك عبد العزيز بجدة – في كتابه «تربية الأولاد في الإسلام»، أن الطفل إذا لم ينشأ على مراقبة الله والخشية منه، وإن لم يتعود على حفظ الأمانة وأداء الحقوق، فإنه لا شك سيدرج على الغش والسرقة وأكل الأموال بغير حق.

لذلك كان لزامًا على الآباء والمربين أن يغرسوا في أبنائهم عقيدة المراقبة لله والخشية منه، وأن يعرفوهم بالنتائج الوخيمة التي تنجم عن السرقة وتستفحل بسبب الغش والخيانة، وأن يبصروهم بما أعد الله للمجرمين المنحرفين من مصير فاضح، وعذاب أليم يوم القيامة. 

ومن المؤلم أن كثيرًا من الأمهات والآباء لم يراقبوا أولادهم مراقبة تامة فيما يرونه في أيديهم من أمتعة ونقود، فبمجرد أن يدعي الأولاد أنهم التقطوها من الشارع، أو أهداها إليهم أحد الرفقاء، صدقوهم وأخذوا بأقوالهم الكاذبة دون أن يكلفوا أنفسهم مهمة التدقيق والتحقيق وملاحظة دقيقة دون أن يشعروا. 

والأقبح من ذلك أن يجد الولد من أحد أبويه من يدفعه إلى السرقة ويشجعه عليها. 

لذلك كله لا بد من تربية الوازع الديني عند الطفل، ثم ملاحظته الدائمة إذا طرأ عليه سلوك غريب، ومحاولة معرفة الأسباب والمعالجة بطريقة هادئة وصبورة حتى يجتاز الطفل هذه المرحلة ويعتاد السلوك السوي الرشيد.

لمسات في التربية من جدي «الشيخ على الطنطاوي» (1)

الأحاديث المفيدة

جدي لا يحب الجلسات الفارغة التي تتناول أحاديث سخيفة لا قيمة لها، أو التي يستفاد منها، لذلك كان - غالبًا– ما يحول الجلسات العالية الهادئة إلى جلسات علمية هادفة ممتعة ومسلية، حتى إننا كنا ونحن أطفال نترك اللهو واللعب لننضم إلى هذه الجلسات لما نجده فيها من المتعة والفائدة. 

يتجلى إبداع جدي في طريقته البسيطة السهلة عند نقل الحديث من موضوع عادي إلى موضوع جوهري، حيث يلتقط - بسلاسة – كلمة من الحديث الدائر بيننا ليحول بها مسار البحث وينتقل إلى الموضوع المفيد.

أذكر أن أحدهم قال «بالفصيح»: هل تغلق الباب من فضلك؟ فجعل جدي من كلمة «تغلق» مدخلًا إلى حديث طويل ممتع سائلًا: ما هي الدولة التي نسبت لـ «تغلق»؟ ومتى وأین قامت؟ وبذلك دخلنا في التاريخ والأعلام. 

ثم انتقل الحديث إلى الدين وما حققته هذه الدولة بسبب تمسكها بالإسلام واهتمامها بتطبيق أحكامه.. وهكذا حتى يتشعب الحديث إلى اللغة أو الفقه أو سواهما من العلوم، وجدي مسرور يرد على أسئلتنا واستفساراتنا، شارحًا ما يهمنا، طارحًا أقوال العلماء ومناقشًا أدلة المذاهب ومحيلًا على ما يلزم من الكتب والمراجع. 

وما كان حديث جدي، مهما كان موضوعه، يخلو من حكمة مفيدة، أو بيت من الشعر، أو نادرة عربية قديمة، أو قصة واقعية غربية، أو حكاية مضحكة من ذكرياته، وكل ذلك يروح هذا ويخفف من كم الجد وإعمال العقل. 

ثم كان جدي في نهاية هذه الجلسات يرشدنا إلى الكتب التي استقى منها ما طرح من معلومات وربما حدثنا عنها وعن مؤلفيها حاثًا ومشجعًا على الرجوع إليها والاطلاع عليها.

لقد بدت تلك الأحاديث - دائمًا  - عفوية تلقائية، فلا أكاد أذكر قط أن جدي جمعنا في مكان خاص ليحدثنا أو ليلقي علينا موعظة أو ليعطينا درسًا في الدين، لكن الفائدة التي حصلنا عليها من تلك الجلسات كانت عظيمة، أما الذين اتبعوا النصيحة وراجعوا في الكتب فقد فاقونا جميعًا في معلوماتهم صغارًا وتفوقوا على أقرانهم في مدارسهم وأعمالهم كبارًا.

عابدة فضيل العظم

الرابط المختصر :