; لماذا وقع المسلمون في البوسنة على اتفاق «دايتون»؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا وقع المسلمون في البوسنة على اتفاق «دايتون»؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1995

مشاهدات 62

نشر في العدد 1180

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 19-ديسمبر-1995

  • يعتبر المحللون والمراقبون أن الفائز الأكبر من وراء هذه الاتفاقية هم الكروات.. وأن الاتفاقية ليست سوى هدنة طويلة الأجل.

أخيرًا وبعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب، والقتل والتدمير، والتهجير، كان القصد منها هو إنهاء تواجد المسلمين في وسط أوروبا في مذبحة هي ليست الأولى منذ عام ١٨٨٤م، عندما بدأت مذابح الصرب ضد المسلمين، حيث ترك الغرب للصرب -مرة أخرى- الفرصة الكاملة لتنفيذ هذا المخطط بكل السبل اللاأخلاقية بعد مليون وربع تقريبًا من المهاجرين المسلمين الذين تركوا ديارهم وأرضهم، وبعد أكثر من ٢٠٠ ألف قتيل من الرجال والنساء والأطفال، وبعد أكثر من ٢٥ ألف معوق إعاقة كاملة، منهم خمسة آلاف طفل، بعد فقد بلاد كاملة كان آخرها «جيبا وسربيرينيتسا» اللتان لن ينساهما المسلمون، ولن ينسوا ما حدث فيهما من جرائم فاقت الخيال والتصور، بعد كل هذا اضطر الغرب للتدخل بحسم لوقف الحرب في البوسنة، وفرض السلام المزعوم، والذي أجمع كل البوسنيين وعلى رأسهم علي «عزت بيجوفيتش» أنه هدنة وليس سلام، ولا يمكن أن يعتبر سلام، ولكن ليس أمام المسلمين إلا قبوله.

  • إذا لماذا قبل المسلمون هذه الهدنة رغم تقدمهم في المعارك الأخيرة؟

من استطلاع آراء المسؤولين تبين أنه لم يكن أمامهم إلا القبول بأخف الضررين للأسباب الآتية:

۱ - طول فترة الحرب والتي استمرت أكثر من ٤٢ شهرًا في أبشع حروب هذا القرن وحشية، مما أنهك القوى وأتعب الناس. 

2- الانتصار الحادث على أرض الواقع من أهم أسبابه هو اتفاق المسلمين مع الكروات، وهذا الحليف تحركه مصالحه فقط، ومن السهل الضغط عليه من الغرب للانقلاب على المسلمين وقلب الدائرة.

3- ضعف موقف الحليف الاستراتيجي للبوسنيين وهو العالم الإسلامي، وهو موقف متباين بين الدول التي تحاول أن تساعد، إلا أنها مقيدة بضوابط السياسة العالمية والتي تتحكم فيها أمريكا وحلفاؤها بالدرجة الأولى، وهذه الدول مثل إيران وماليزيا، وتركيا، وباكستان، ودول تكتفي بإرسال بعض الأموال كمساعدات إنسانية فقط مثل الخليج، ودول تسعى لعدم وجود كيان إسلامي بالبوسنة؛ خوفًا من الزعم بأن تصبح ملاذًا للإرهاب مثل مصر، والتي صرح مسؤوليها بسعادتهم بالاتفاق بالبوسنة، والذي يساعد على ألا يكون بالبوسنة كيان إسلامي يساعد الإرهاب، كما أفاد بذلك سفير كرواتيا بمصر. 

وبالتالي فقد أصاب البوسنويون خيبة أمل في موقف العالم الإسلامي من قضيتهم وتأكدهم من عدم جدية هذا الموقف.

4- عدم وصول الإمدادات والسلاح. 

5- ثم يأتي أحد أهم هذه الأسباب وهو رغبة القوى العظمى- المزعومة- أمريكا الآن في هذا الاتجاه.

التحرك الأمريكي

  • ولكن لماذا تحركت أمريكا الآن في هذا الاتجاه؟

اعتبر المسؤولون بالبوسنة أن أهم أسباب التحرك الأمريكي الآن هو:

١ - الظروف السياسية الداخلية في أمريكا ورغبة الرئيس «كلينتون» أن يكون هو رجل السلام في العالم لإنهاء بؤر التوتر خاصة في الشرق الأوسط، وكذلك البوسنة، واقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، وما أخذته هذه القضية من اهتمام الرأي العام سواء العالمي أو الأمريكي على الخصوص، واستغلال الجمهوريون المسيطرون على الكونجرس الأمريكي لهذا الموقف، وإصدار قرار فك حظر السلاح عن البوسنة، والذي وضع «كلينتون» في موقف ضعيف في الوقت الذي يراهن فيه «كلينتون» في الانتخابات القادمة على أنه رجل السلام في العالم.

2- الصراع السياسي بين أمريكا وأوروبا وفشل الأوروبيون في حل القضية، والتي طالما طالبوا الأمريكان بالابتعاد عنها باعتبارها قضية أوروبية يحلها الأوروبيون، وقد ثبت فشلهم في ذلك نظرًا لتضارب مصالحهم، وعدم قدرتهم على الحسم، مع إثبات فشل الأمم المتحدة أيضًا في الحل بعد أن فشلت قواتهم حتى في حماية نفسها، واضطرت لجلب قوات حماية لقوات الحماية.

3- نجاح المسلمين في الدفاع عن بقائهم وإفشال المخطط الغربي الهادف إلى إنهاء تواجد المسلمين في هذه المنطقة، والذي كان يتولى تنفيذه الصرب بأبشع مما كان يتوقع الغربيين أنفسهم كما حدث في «سربيرينيتسا»، فقد أعطى الأوروبيون الضوء الأخضر للصرب لأخذ «سربيرينيتسا»؛ لأسباب منها: إعطاء درس للمسلمين لعدم اللجوء للقوة أثناء محاولة فك حصار سراييفو، وكذلك لتسهيل حل المشكلة البوسنية، حيث كان الصرب يصرون على السيطرة على شرق البوسنة وإصرار المسلمون على الدفاع عنها، إلا أن وحشية الصرب وإجرامهم في تنفيذ الأمر فاق تصور حلفائهم، ووضع الغرب والأمم المتحدة في مأزق حتى أمام شعوبهم.

ولهذا فقد نجح المسلمون في البقاء وفشل الصرب في إنهاء تواجد المسلمين، وأصبح من الصعب على الشعوب تحمل مزيد من المذابح بعد كل ما حدث مما اضطر الغرب لتغيير إستراتيجيتهم وما فشل الصرب في الوصول إليه بالذبح والعنف والجرائم نتوقع أن يحاولوا الوصول إليه بالغزو الثقافي والفكري والمادي في المرحلة القادمة، خاصة من خلال المساعدات الغربية المتوقعة، ومن خلال إنفاذ الفيدرالية والذي سيسعى الغرب الإذابة المسلمين من خلاله مع حلفائهم الكروات، كما أعلن توجمان رئيس كرواتيا منذ أيام، «أن الغرب كلفني بقيادة المسلمين في البوسنة إلى الغرب».

العناصر الإيجابية في الاتفاقية

ونعود للقراءة السريعة في ملف الاتفاقية:

  • فما هي أهم العناصر الإيجابية للمسلمين في الاتفاقية؟ 

من المفيد أولًا أن نذكر أن معظم من تم استطلاع رأيهم من البوسنويين خاصة المسؤولين سواء سياسيين أو عسكريين كانوا مختلفين في التقييم لهذه الاتفاقية، فمنهم القائل بأنها غير جيدة، ولا يوجد فيها بارقة أمل للمسلمين، ومنهم المتفائل بها، والذي يعتبرها انتهاء للحرب بالنصر لهم، إلا أن الجميع-كما قلنا- يعتبرها هدنة مؤقتة، وإن كان من الممكن أن تدوم لبضع سنوات، ولكن لابد من عودة طبول الحرب مرة أخرى، وكان أكثر الآراء توازنًا هو رأي المفاوضين، ويمثلهم الرئيس الذي قال: «إنها ليست سلامًا، وإنما هدنة اضطررنا لقبولها بسبب الظروف المحيطة، وهي تحتوي على بعض المكاسب التي حققناها، وبعض التنازلات التي اضطررنا لها، ولابد من عودة الحق لأهله ولو بعد حين».

ومن هذه المكاسب:

1- المحافظة على الحدود الدولية للبوسنة والتي تم الاعتراف بها في عام ۱۹۹۲م، وهو أهم مكسب حتى وإن كان ما زال على الورق، وما زال يحتوي على جمهورية للصرب داخله، إلا أنه أيضًا يعني سقوط حلم صربيا الكبرى وكرواتيا الكبرى أيضًا مع الوضع في الاعتبار أن مقومات بقاء الاتحاد المسلم الكرواتي أكبر بكثير من مقومات بقاء جمهورية الصرب في البوسنة، مما يعني أن الوقت سيكون لصالح الفيدرالية ضد الصرب وعودة الكيان البوسنوي بصورة موحدة كاملة في المستقبل.

۲- إقرار عودة اللاجئين إلى ديارهم في كل البوسنة والهرسك وإن كان ذلك سيكون على الورق أكثر منه على الواقع الصعوبة تعايش المسلمين مع الصرب والعكس رغم وجود عشرات الآلاف منهم داخل سراييفو مع المسلمين، إلا أن الكلام هنا عن الصرب المتمردين، ولكن هذا الإقرار يحفظ حق المسلمين في بلادهم خاصة في شرق البوسنة، وسيكون مادة للأجيال القادمة للمطالبة بعودة حقوقهم لأنه يعتبر إقرارا بهذه الحقوق. 

3- فك الحصار عن سراييفو وبقائها موحدة هو من أهم مكاسب الاتفاق، فقد قرر الاتفاق انسحاب الصرب «كجيش وإدارة» من مناطق إلياش، وفوجتشا، وإليجا، وجربا فتسا، وكلها من المناطق التي سيطر عليها الصرب حول سراييفو وخاصة العاصمة طوال الفترة السابقة، وعودة هذه المناطق القيادة المسلمين وجيشهم، ولم يبق حول سراييفو منطقة للصرب سوى منطقة لوكوفاتس بجوار المطار في غرب العاصمة وبالطبع فإن سراييفو هي قلب البوسنة، هذا بالإضافة لبعض المكاسب الاقتصادية في بعض هذه المناطق الصناعية والتي ستعود للمسلمين.

4- فك الحصار عن جوراجدي شرق سراييفو وهي المدينة الوحيدة الباقية للمسلمين في شرق البوسنة، والتي كانت تتمتع بغالبية إسلامية وهي مدينة مهمة استطاعت الحفاظ على نفسها طوال الفترة السابقة وأعطتها الاتفاقية ٢٠ كم حولها تتبع لها بالإضافة لممر هام يربطها بسراييفو، وبالتالي بباقي مناطق الفيدرالية وهذا الممر عرضه بين ٨ إلى ٣٠ كم. 

5- فك حظر السلاح عن البوسنة والهرسك بعد الاتفاق وإن كان هذا الأمر سيكون خاضعًا لإشراف الناتو، إلا أنه يعتبر خطوة مهمة لتسليح الجيش البوسنوي لحماية الدولة التي تعرضت للإبادة. 

6- كان من أهم نقاط القوة بالنسبة للمسلمين هو عدم التراجع عن أي أرض استطاعوا الحصول عليها في المعارك سواء في غرب البوسنة حول بيهاتش، أو في الشمال قريبًا من توزلا، أو في الوسط عند دوني واكوف، في حين ينسحب الصرب من حول سراييفو، ومن حول جوار جدي وممرها، وكذلك في الشريط الحدودي جنوب غرب البوسنة، كما ينسحب الكروات من ميركونيتش جراد، وسبافو في الهرسك، وهذا مقابل الشريط الذي أشرنا إليه في جنوب غرب البوسنة، والذي يؤمن ميناء دوبروفنيك الكرواتي من التهديد الصربي في هذا الشريط.

7- إبعاد مجرمي الحرب من الصرب عن مسرح الحياة السياسية. 

هذه هي أهم نقاط الاتفاق إيجابية للمسلمين بالإضافة للهدنة ذاتها، والتي تتيح لهم التقاط الأنفاس، وإعادة المهاجرين، وإعادة تسليح الجيش، وبناء ما دمرته الحرب.

  • ثم يأتي دور أهم النقاط السلبية للمسلمين:

1 - تتمثل أكبر خسارة للمسلمين في تحقيق ضياع شرق البوسنة واستيلاء الصرب عليه واعتراف المسلمين بذلك، وإن كان ما زال ضمن أراضي البوسنة، وهذا الشرق الذي كان يفصل نهر درينا بين المسلمين والصرب دائمًا فهو الحدود الطبيعية والتاريخية بين البوسنة وصربيا، وقد حاول الصرب كثيرًا الاستيلاء عليه، وكان أحد أحلامهم وقد تحقق، وهذه المناطق من أجود أراضي البوسنة ومن أفضلها اقتصاديًا، كما أنه يقع على هذا النهر عند مدينة فيشي جراد أحدث وأكبر السدود في يوغسلافيا السابقة، والذي يعتبر من أهم مصادر الطاقة بها، والبوسنيون يشعرون بالأسى والمرارة الشديدة للتنازل- على الورق- للصرب عن هذا الجزء بعد أن نجح الصرب في احتلاله على الأرض وإن كان المسلمون في عزمهم العودة إلى أراضيهم مرة أخرى. 

2- الاعتراف بجمهورية للصرب داخل دولة البوسنة والهرسك، وتتمتع بحكم ذاتي.

3- انسحاب الكروات من مدينتي سبوفو وميركونيتش جراد جنوب بانيالوكا، وشمال بايتسا، مما يقطع الطريق الذي كان المسلمون يسعون للسيطرة عليه لربط منطقة بيهاتش في شمال غرب البوسنة بوسط البوسنة. 

٤ - ضياع بعض المناطق الأخرى والتي احتلها الصرب أثناء الحرب، وكان يعيش بها المسلمون، وتعتبر من المناطق الهامة اقتصاديًا وتاريخيًا لهم مثل دوبوي في مناطق الوسط وكذلك مدن شمال البوسنة بانيالوكا، والتي كان بها أول مسجد بني بالبوسنة، ودمره الصرب وبريدور وغيرها من مدن الشمال، وكذلك مدينة ترنفو على الطريق الرئيسي بين سراييفو وجوار جدي والتي انحاز الممر شمالًا عنها ليضعها مع الصرب بعد أن كانت في المعارك الأخيرة على وشك الوقوع في أيدي المسلمين. 

5- سيطرة الناتو عسكريًا بما يعني السيطرة على التسليح، ودخول الأمريكان بثقلهم، ومحاولة سحب المجتمع البوسنوي المسلم إلى الغرب بتقاليده وثقافته بما يعني الغزو الثقافي للبوسنة. 

٦- سيطرة الإحساس لدى البوسنويين أن الذي أنهى الحرب لهم هم أمريكا وظهورها لدى عامة الشعب بأنها صاحبة الفضل الأكبر في ذلك.

بنود أخرى

  • ثم نعود إلى بعض البنود الأخرى للاتفاقية ومنها:

۱- تدعيم الفيدرالية بين المسلمين والكروات وفتح الخط الفاصل بين شطري موستار، وإقرار عودة المهاجرين المسلمين من أتباع فكرت «عبديتش» تحت إشراف شرطة مكونة من بوسنيين وكروات أتراك، وإقرار مبدأ عودة المهاجرين من الطرفين إلى أماكنهم، كما شمل الاتفاق تقوية مركز الكروات في الحكومة الفيدرالية بإعطائهم منصب وزير الخارجية والذي أدى إلى استقالة «محمد شاكر بيه» -وزير الخارجية البوسنوي- وهي ليست استقالة بسبب مشاكل داخلية، وإنما هذا هو سببها، علما بأن «محمد شاكر بيه» رغم اختلافه مع رئيس الوزراء حارس سيلاجيتش، إلا أنه أحد الشخصيات القوية التي أثبتت جدارتها في الحكومة، ويتوقع له مستقبل سياسي كبير في البوسنة.

۲ - شملت الاتفاقية بندًا ينص على خروج جميع الأجانب من الأطراف الثلاثة، ويقصد بالطبع في هذا الصدد المقاتلين خاصة المجاهدين العرب بالبوسنة، فأقرت الاتفاقية خروج الجميع «طبعًا إلا من حصل على جنسية الطرف الذي يعمل معه، وتنطبق عليه كل شروط وقوانين هذا الطرف»، كما ينطبق أيضًا على المتطوعين الروس، والبولنديين واليونانيين واللبنانيين الذين ثبت قتالهم في جانب الصرب. 

3- حافظت الاتفاقية على كيان اقتصادي موحد، فهناك ستكون عملة واحدة، وبنك مركزي واحد، كما وضح ذلك في الكيان السياسي فرغم وجود برلمان صربي وآخر مسلم كرواتي، إلا أنه يوجد برلمان موحد بالإضافة لحكومة واحدة، ولكن هناك ثلاثة جيوش. 

٤- ستكون هناك فرصة ثلاثين يومًا بعد التوقيع النهائي في فرنسا ١٤ ديسمبر الجاري لتنفيذ باقي بنود الاتفاقية. 

5- سيتم رفع حظر السلاح عن البوسنة وكذلك رفع الحظر الاقتصادي عن صربيا.

ملاحظات مهمة

  • ونأتي إلى بعض الملاحظات الهامة حول الاتفاقية من أهمها:

أولًا: نعتقد -كما أشار كثير من المسؤولين- أن مقومات بقاء الدولة البوسنوية أقوى بكثير من مقومات بقاء الدولة الصربية، فإن وجود صربيا وكرواتيا بجوار الصرب والكروات يعتبر عامل طرد طبيعي لهم من البوسنة التي عانت من الحروب والدمار، مما يعرضهم للخطر المحتمل حتى وإن كان هناك سلام، وذلك مقابل عدم وجود مكان للمسلمين يعيشون فيه كأصحاب بلد سوى البوسنة، وقد تم استطلاع رأي وسط المهاجرين البوسنيين في السويد، وقد أجاب ٥٠% منهم برغبتهم في العودة حتى أثناء المعارك في حين أن 40% منهم يرغبون في العودة، ولكن بعد توقف الحرب، و١٠% فقط هم الذين لا يرغبون في العودة، في حين أن صربيا اضطرت لغلق الحدود فترة أمام المهاجرين الصرب من كرايينا وغرب البوسنة، والذين كانوا يرغبون في الدخول لصربيا كملجأ آمن لهم ووسط أهلهم وهي بلادهم الأصلية. 

كما تجدر الإشارة إلى أن الدولة البوسنوية تتمتع بقدر من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان غير متوفر في الكيانين الآخرين، وهو عامل بقاء قوي، ودافع لجلب المساعدات والتأييد على المستوى السياسي والاقتصادي، وللعلم فإن في البوسنة يوجد ۱۰۰ مطبوع دوري منها فقط 5 تابعة للحكومة والباقي يتمتع بالحرية الكاملة دون أي تدخل، بالإضافة لوجود حرية الأحزاب والحركة السياسية الكاملة، بالإضافة لوجود الصرب والكروات وسط بلاد المسلمين وتمتعهم بكل حقوق الإنسان في الحرية والعيش بأمان وسط هذه الحروب. 

ثانيًا: رغم انتباه المسلمين لما حدث معهم ومحاولتهم لتفادي حدوث ذلك مرة أخرى، إلا أن نجاحهم في المستقبل في مواجهة التيارات الغربية المتدفقة عليهم، والحفاظ على هويتهم أمام هذا التيار الجارف سيتوقف عليهم وعلى قدرتهم لاستيعاب الدروس المستفادة من هذه الحرب وعلى بناء شخصيتهم، والحفاظ على استقلال هويتهم، وعدم نسيان ما حدث لهم ليكون دافعًا للعمل والبناء والإنتاج والتعليم المحافظ على تراثهم وثقافتهم ووحدة جبهتهم الداخلية والحفاظ على جيشهم قويًا، وعدم نسيان أراضيهم المسلوبة كل هذه عوامل تساعد في قدرتهم على مواجهة التحديات المفروضة عليهم في فترة ما بعد السلام.

ثالثًا: أدرك الغرب خلال الفترة السابقة وخلال صمود البوسنويين فيها أن أحد عوامل صمودهم هي المساعدات التي جاءت عبر الهيئات الإسلامية، ولهذا نتوقع زيادة المساعدات الغربية في المرحلة القادمة مع محاولة التضييق على الهيئات الإسلامية عبر بعض العناصر في الحكومة، إلا أن المسؤولين البوسنويين لا زالوا يدركون حتى الآن أهمية الهيئات الإسلامية وضرورة وجودها معهم في المرحلة القادمة، وإن كان سيتغير طابع العمل من حيث أولويات المرحلة، ومن حيث طريقة الأداء وطبيعة العلاقة مع الحكومة. 

رابعًا: يعتبر أغلب المسؤولين والمحللين أن الفائز الأكبر في هذه الاتفاقية هم الكروات والذين حرروا أغلب أراضي كرواتيا، والباقي في طريقه، كما يوكل إليهم الغرب العمل على قيادة الفيدرالية مع المسلمين، كما استطاعوا تأمين أشهر وأقدم مواني كرواتيا «ميناء دوبروفنيك» بعد انسحاب الصرب من الشريط الواقع في جنوب غرب البوسنة، والذي كان يقصف منه هذا الميناء.

خامسًا: أعلن الرئيس «علي عزت» أن «ميلوسوفيتش» أثناء التفاوض على سراييفو قال: «إنكم لكم الحق في الاحتفاظ بسراييفو لبقائكم داخلها كل هذه الفترة من الحصار والقصف، ومع ذلك لم تتركوها فأنتم أحق بها من الآخرين».

سادسًا: حمل الاتفاق في طياته إعلان نجاح المسلمين في معركة بقائهم وفشل حلم صربيا الكبرى لدى الصرب وكرواتيا الكبرى لدى الكروات، ولكن هل هذا الفشل يعني نسيان هذا الحلم نهائيا؟ نعتقد أنه نسيان مؤقت لن يلبث إلا أن يعود مرة أخرى.

الرابط المختصر :