العنوان لماذا إغلاق معتقل المزة فقط ؟
الكاتب الطاهر إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يناير-2001
مشاهدات 70
نشر في العدد 1433
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 09-يناير-2001
في الآونة الأخيرة انحسرت أهمية سجن المزة لدى رجال الأمن وتفوقت عليه سجون ما أن يذكر اسمها حتى يصاب المرء بالهلع.. ماذا عنها ؟!
يستطيع المراقب أن يؤكد -وبدون تردد- ان الشعب السوري لم يستشر عند تعديل الدستور بعد وفاة الرئيس السابق حافظ الأسد، رغم ما رافق ذلك من صخب إعلامي، كما لم يستشر عند ترشيح الدكتور بشار المنصب الرئيس خلفًا لوالده، إلا إننا نستطيع أن نقول إن الشعب السوري لن يتردد كثيرًا بالوقوف خلف الرئيس الجديد للمضي قدمًا في طريق الإصلاح السياسي، خصوصًا إذا تأكد لديه أن العوائق لن توضع في طريق التغيير الموعود.
وفي هذا السياق فقد استقبل الشعب السوري بالارتياح خبر إغلاق سجن «المزة»– المعتقل السياسي الأقدم في سوريا وشعر الناس أن هذا يبشر بفاتحة عهد جديد وراوا فيه خطوة غير مسبوقة خلال حكم حزب البعث السورية منذ انقلاب ١٩٦٣م ومهما كان حجم اختلافنا مع نظام الحكم في سورية، فإن هذا الاختلاف لا يمنعنا من إعطاء هذه الخطوة ما تستحقه فهي خطوة على طريق الإصلاح الطويل، الذي لا بد من السير فيه إذا ما أراد النظام أن يتحلى بالمصداقية.
وإذا كان يحلو للبعض أن يسمي سجن «المزة» «المعتقل السياسي الأكثر ترفيهًا»، وهذا التعبير فيه الكثير من التجني على الحقيقة إذ لا يوجد في سوريا سجن سياسي أكثر ترفيها وسجن أقل ترفيهًا، وإنما هناك سجون سيئة وسجون أكثر سوءًا، ولكن الأمر الذي تستطيع أن نؤكده أن هذا المعتقل كان بداية منعطف في حياة سورية الحديثة.
فقد بدأ يشهد، ومنذ استقلال سوريا، استضافة معتقلين من أبناء الوطن الذين كان «المستشار الفرنسي» يعتقلهم بسبب مواقفهم الوطنية، ثم أصبح الحاكم الوطني هو الذي يزج بهم في سجن «المزة» بعد أن ضاق صدره عن سماع الكلمة التي تعترض عليه وإن كانت حقًا.
وإذا ذكر الإصلاح السياسي في سوريا، فلا بد من التأكيد على قضية مهمة يتوقف على الأخذ بها، الحكم على مدى نجاح أو فشل القيادة الجديدة فيما تبشر به أجهزة إعلامها من أن هذا الإصلاح قادم لا محالة، وأعني بهذه القضية مقدرة هذه القيادة على القفز فوق الإرث العقيم الذي خلفته عقود ثلاثة من الاعتماد على أجهزة أمنية مستقوية ألقت بالذين عارضوها –كبارًا وصغارًا- في سجون مظلمة، وتوسعت في بناء السجون والمعتقلات في الوقت الذي كان القطر يشكو من شح في عدد المستشفيات ومن عدم كفاية المدارس في كل مراحل التعليم، وإذا كان تحويل معتقل «المزة» إلى معهد للتاريخ يعتبر خطوة احتاجت إلى القفز فوق حاجز التردد عند اتخاذ مثل هذا القرار فإننا لا بد أن نشير إلى أن هذا المعتقل قد انحسرت أهميته عند أجهزة الأمن منذ مدة طويلة لتحل محله في الأهمية وتتفوق عليه معتقلات، لا يذكر اسمها إلا ويشعر من يعرف هذه المعتقلات بقشعريرة تهز أعماقه قبل أن ترتعد منه فرائصه.
ولكن لماذا معتقل سجن «المزة» فقط؟
إغلاق «المزة» خطوة يجب أن يتم على إثرها، وفورًا، إغلاق باقي المعتقلات السياسية في سوريا وما أكثرها، خصوصًا بعد أن تم مؤخرًا إطلاق حوالي ٦٠٠ سجين رأي، وبهذه المناسبة فإن الشعب يتطلع إلى إطلاق سراح كل المعتقلين، وألا تعتمد في ذلك سياسة «التقسيط» حسب المناسبات، فالوضع الصحي والنفسي لمن تبقى من المعتقلين لا يحتمل انتظار المناسبات لينعموا بالحرية بعد أن حرموا منها طويلًا وبدون وجه حق.
كما أن الإصلاح السياسي في أي قطر لن يترسخ في النفوس –حتى لو تم إصدار قرارات تقتن هذا الإصلاح– ما لم يتم شطب الشعور بالخوف الذي يكتنف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وهذا الشطب لا يمكن أن يتم في قطر مثل سورية ما لم تترسخ الخطوات التالية:
أولًا: أن تبادر القيادة إلى هدم كل السجون الأمنية والتي تزيد على عشرين سجنًا سياسيًا، وفي مقدمتها سجن «تدمر» الذي تفوق –في فظاعة ما ارتكب فيه من ماس وتعذيب- على سجن «الباستيل» الذي هدمته الثورة الفرنسية، «ولا أقول تحويلها إلى معاهد تعليمية لأننا نريد أن تمحى من ذاكرة الشعب كل الصور التي تذكره بالمعتقلات الرهيبة»، إن النظام يمكنه أن يعمل على فرض النظام بالقوة، ولكن هذه القوة لا يمكن أن تؤسس مجتمعًا يقف وراء حكومته.
ثانيًا: تحجيم دور الأجهزة الأمنية التي أشاعت الرعب في النفوس وأصبحت إدارات هذه الأجهزة تشكل دولًا داخل الدولة.
ثالثًا: وحتى تزول تلك الصورة الكتيبة –التي رسخت في نفوس الشعب- للسجون الأمنية والاعتقالات بدون ضوابط، ينبغي أن تعاد للذين أفرج عنهم حقوقهم المدنية والسياسية كاملة، وأن تقوم الدولة بالاعتذار من كل الذين طاولهم الاعتقال، وأن ينشر ذلك الاعتذار في الجرائد الحكومية، وأن يعوض عن الأضرار التي لحقت بكل الذين اعتقلوا بدون وجه حق «علمًا أن أموال الدنيا لا تعوض الأب الذي خرج من السجن ليجد أولاده نشأوا على غير ما يحب، لأنهم عاشوا وتربوا في غيابه» وأن ينص في القانون على تغليظ العقوبة لكل من يباشر تعذيب المعتقلين.
أصوات جريئة تنتقد ولكن؟
ولقد قرأنا مؤخرًا في الصحف السورية المؤممة ما يشبه النقد للأسلوب الذي كان سائدًا قبل مجيء الرئيس بشار وسمعنا بعض الأصوات تصدر عن أعضاء في مجلس الشعب «الذي بقي مغيبًا عن صناعة القرار منذ أول يوم تم تشكيله بطريقة التعيين في بداية السبعينيات» تطالب وتنتقد وكان أولها وأجرؤها صوت النائب «منذر موصلي» الذي انتقد الطريقة التي تم فيها تعديل الدستور عقب وفاة الرئيس حافظ الأسد ما جعل رئيس مجلس الشعب «عبد القادر قدورة» بحسب عليه جام غضبه ويصف بما لا يليق وأن نفسه «الإمارة بالسوء» في التي زينت له قول ما قال ويندرج في هذا السياق النقد الذي وجهه النائب رياض سيف والذي سلط الضوء على الواقع المتردي للاقتصاد السوري، والتطبيق السيئ للقوانين الاقتصادية المرتجلة، والتي زادت من اتساع الهوة بين أثرياء المناصب الحكومية وبين عامة الشعب، وكان لها انعكاس قطيع على القمة العيش للسواد الأعظم من الشعب وكذا النقد الحجول الذي وجهه النائب مأمون حمصي له بعض افراد الأجهزة الأمنية المتعددة الذين أساؤوا التصرف وقد طالب النائب حمصي بأن تتحول الأبنية الكثيرة الشامخة التي تشغلها الأجهزة الأمنية إلى أبنية للمعلوماتية يتعلم فيها أبناء الوطن.
تبقى هذه الأصوات نوعًا من الحبوب الطبية المسكنة ما لم تقترن بإرادة فاعلة تضع هذه الانتقادات موضع التطبيق وإلا ستكون نوعًا من تنفيس الغليان في صدور المواطنين الذين شعروا أنهم قد أهملوا طويلًا.
بقي أن نقول إنه قد درجت العادة أن يقيس المراقبون إنجازات رئيس جديد بما حققه خلال ١٠٠يوم أو ستة أشهر أو مرور سنة على بداية ولايته، هذه المقايسة تبقى صحيحة في مجال التقدم في المشاريع المادية، أما فيما يتعلق بالتقدم في حقوق الإنسان ورفع الظلم عن الذين اعتقلوا، فإنه ليس هناك من سبب يجعلنا نقبل بأي مهلة زمنية، لأن إطلاق سراحهم يزيح الكابوس عنهم وعن ذويهم، ولا يترتب على الاستعجال فيه أي ضرر من أي نوع كان فلماذا التأخير في ذلك؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل