; لقاء الشيطان...غورباتشيف وريغان | مجلة المجتمع

العنوان لقاء الشيطان...غورباتشيف وريغان

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 58

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مع وصول هذا العدد من «المجتمع» إلى أيدي القراء وتحديدًا في التاسع عشر من شهر نوفمبر «تشرين ثاني» الجاري يكون مؤتمر القمة بين الرئيس الأمريكي ريغان والرئيس السوفيتي غورباتشيف قد انعقد في جنيف.

ولم يكن هذا المؤتمر هو الأول من نوعه الذي يعقد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فقد عقد المؤتمر الأول عام 1956 بین إیزنهاور وخروتشوف في جنيف، لبحث إعادة توحيد ألمانيا والرقابة السوفيتية على أوروبا الشرقية ومسألة نزع السلاح، ولم يتوصل هذا المؤتمر إلى اتفاقات جوهرية.

وعقد المؤتمر الثاني عام ١٩٥٩ بين إيزنهاور وخروتشوف في منتجع كامب ديفيد، وبحث موضوع الرقابة على الأسلحة، ولكنه لم يحقق أي نجاح في ذلك، وعقد المؤتمر الثالث بين كينيدي وخروتشوف في فيينا عام ١٩٦١ حيث نجح في دعم حياد لاوس وتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ولكنه فشل في تحقيق التعايش السلمي عن طريق إبطاء سباق التسلح وإنهاء التجارب النووية ووضع حد لانتشار الأسلحة النووية، وفي عام ١٩٦٧ عقد الاجتماع الرابع في غلاسبورو بين جونسون وكوسيفن حيث بحثا حرب فيتنام وحققا قليلًا من التقدم بشأن الرقابة على الأسلحة، وفي عام ۱۹۷۲ كان الاجتماع الخامس بين نيكسون وبريجينيف في موسكو حيث تم توقيع وثيقة حول الحد من الأسلحة الإستراتيجية ووثائق أخرى صحية وعلمية. 

وكان الاجتماع السادس في واشنطن عام ١٩٧٢ بين بريجينيف ونيكسون حيث وقعا اتفاقًا حول منع نشوب الحرب النووية، كما اتفقا على استكمال معاهدة سالت في عام ١٩٧٤ حيث زار نيكسون الاتحاد السوفييتي واجتمع مع بريجينيف في الكريملين، فكان هذا هو اجتماع القمة السابع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حيث اتفق الطرفان على الحد من التجارب النووية تحت الأرض، ولكنهما فشلا في تنقيح معاهدة سالت الأولى، ولم ينجحا في إدخال تخفيضات على الترسانة النووية. 

وفي نفس العام «١٩٧٤» سقط نيكسون بسبب فضيحة ووترغيت فأصبح فورد رئيسًا للولايات المتحدة حيث قام في نهاية هذا العام بزيارة للاتحاد السوفيتي واجتمع مع بريجينيف بالقرب من فلاديفستك، وكان هذا الاجتماع هو اجتماع القمة الثامن بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ولم يسفر هذا الاجتماع عن شيء سوى التعارف بين الرئيسين.

وكانت القمة التاسعة قد عقدت بين کارتر وبريجينيف عام ١٩٧٩ حيث جرى فيها إقرار سالت ٢ للحد من منظومات الصواريخ.

ومع أن جدول أعمال القمة العاشرة التي نحن بصدد الحديث عنها لم يعلن عنه رسميًا حتى كتابة هذا المقال فمن الواضح أنه سيتناول مجموعة من القضايا العالمية، مثل قضايا التسلح ومشروعات ريغان التسليحية أو عسكرة الفضاء، وهي المبادرة المعروفة بحرب النجوم، أو ما يسميها البيت الأبيض «مبادرة الدفاع الإستراتيجي»، وكذلك موضوع الحرب الكيميائية وانتهاكات حقوق الإنسان من كلا الطرفين، ثم هناك مجموعة من القضايا الإقليمية ربما حظيت بشيء من الاهتمام لدى قمة الروس والأمريكان بنسب مختلفة، ومن هذه القضايا قضية الاحتلال الروسي لأفغانستان والثورة الإسلامية هناك، ثم الوضع في الفلبين حيث توجد قاعدتان أمريكيتان ثم مشكلة نيكاراغوا والاضطرابات فيها، ثم حرب الخليج، وأخيرًا قضية فلسطين أو ما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي. 

ولا يتسع مقالنا هذا لمناقشة كل هذه القضايا واحتمال الاتفاق أو الاختلاف حولها، ولكن من الواضح أن الرئيس الأمريكي غير مستعد للتراجع عن مشروعه في الهيمنة عبر الفضاء، كما أن الروس لن يقفوا متفرجين إزاء هذا التهديد الكبير لهم والانهيار المحتمل للتوازن النووي الحالي، ولذلك فالاتفاق حول هذا الموضوع أمر بالغ الصعوبة. 

أما بالنسبة للقضايا الإقليمية وبؤر التوتر العالمية التي هي في الأساس من صنع الدول الكبرى سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، فإننا سنتحدث هنا عن احتمال طرح المسألة الفلسطينية على طاولة مباحثات القمة وهو ما سعت إليه منظمة التحرير بإصرار عبر قنوات متعددة.

ولمنظمة التحرير حول هذا الموضوع فلسفة يمكن أن نجملها في مجموعة من الأقوال المنسوبة إلى هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والمستشار السياسي لياسر عرفات. 

يقول هاني الحسن الذي يصف اجتماع القمة الحالي بأنه يالطا جديدة: يالطا الجديدة في نظر الأمريكيين لا دور فيها لفلسطين ولا للشعب الفلسطيني، ومن هنا كانت رؤيا القيادة الفتحاوية من خلال وجودها في منظمة التحرير الفلسطينية، بأن علينا أن نستعد ليالطا المقبلة كي لا نكون مشطوبين كما شطبنا في العام ١٩٤٥ حيث اتفق ستالين وتشرشل وروزفلت على شطب الشعب الفلسطيني وعلى قيام الكيان الصهيوني.

ثم يستطرد هاني الحسن فيقول: ومن هنا نحن بدأنا نستعد ليالطا الجديدة، أولًا بأن لا نصفَّى على الأرض، وأذكر هنا ملاحظة هامة وهي أن أولف بالمي عندما ذهب للقاء وزير الخارجية الأمريكي شولتز أثناء أحداث طرابلس ليحدثه عن ضرورة الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، قال له: إن المنظمة تدفن الآن في طرابلس فكف عن الحديث عنها.

وبعد أن يؤكد هاني الحسن أن المنظمة تجاوزت مرحلة إثبات الوجود بعد أن فشل العدو الصهيوني والنظام السوري في تصفية المنظمة عسكريًا يقول: «حاول الأمريكيون أن يقوموا بتصفيتنا سياسيًّا، وهذه التصفية تعني أن يدخل الأردن في حل منفرد، وقد عرض على الأردن 3 مليارات دولار وتسليح كهبات وشهادة حماية من أي تدخل خارجي».

ثم يذكر خطأ المنظمة في أسلوب التصدي لاتفاقيات كامب ديفيد، ويفسر التحرك الحالي تجاه مصر بأنه من أجل إغلاق باب إمكانية تنفيذ البند الفلسطيني من اتفاق كامب ديفيد ثم يقول: إن مرحلة «ننخرط ثم نرى» هي التي يمكن أن تواجه يالطا القادمة، بمعنى أن نضع خطة ثم ننخرط في الممارسة، ثم نعيد دراسة الوضع. ولذلك أقول – والكلام لهاني الحسن –نحن نستعد فعلًا ليالطا أولًا بالتواجد داخل الأرض المحتلة وخارجها أقوياء، ثم يقول: وهذا بالطبع لا يعني أن لقاء العملاقين سيكون كله لصالحنا، لأن هناك لقاءات كثيرة تتم بين العملاقين لا يعلن عنها، وأهم هذه اللقاءات هو الاتفاق الذي جرى حول لبنان هذا الاتفاق الدولي يعطي للكيان الصهيوني مناطق نفوذ جنوب الليطاني، ويعطيه أيضًا الحق في الشريط الحدودي، ويعطي مناطق نفوذ لسوريا شمال نهر الليطاني، ويعطيها كذلك الحق في ترتيب أوضاع لبنان السياسية والإدارية، بما يلبي مصالحها مقابل ألا يكون هناك أي وجود أو مظهر قوي لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت أو الجنوب اللبناني.

ولكن هل في إمكان منظمة التحرير أن تكون ماثلة في أذهان لقاء الشياطين في جنيف؟ وإذا استطاعت أن تشغل حيزًا من تفكيرهم، فهل هناك خير يرجى للقضية الفلسطينية التي أسهم المجتمعون في صناعتها لمصلحة مشتركة بينهما؟ إن الحديث عن إنصاف الأمريكان للفلسطينيين هراء، وإن الأمل في إنصاف الروس للفلسطينيين وهم، وإذا كانت منظمة التحرير تحاول أن تشق طريقها عبر مستنقعات نتنة إلى جنيف، فإن الصهاينة لهم الحضور الكامل سواء عبر ريغان المتصهين أو عبر غورباتشيف ووزير خارجيته المتعاطف مع اليهود شيفارد نادزه، وإذا كانت منظمة التحرير عبر ما أسمته بيالطا الجديدة تريد أن تحصل على نصيبها في حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية كما يعلن الروس، فإن هناك أطرافًا أخرى ليست بعيدة عن منظمة التحرير ولا هي بعيدة عن النفوذ الروسي والأمريكي في المنطقة تتبادل الأدوار في المنطقة لشطب الشعب الفلسطيني وقضيته – وليس فقط منظمة التحرير– من المعادلة السياسية في المنطقة إرضاء للأسياد والمصالح الذاتية الآنية.

ثم إن اليهود الذين يمثلهم ريغان والذين لم تنقطع اتصالاتهم بالروس في الأشهر الأخيرة، يريدون من مؤتمر القمة في جنيف أن يبت في موضوع الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفييتي إلى فلسطين المحتلة، وهم يعادلون سكان اليهود جميعًا في فلسطين «حوالي 3 ملايين يهودي»، وإذا قرر المؤتمرون في جنيف الموافقة على عقد مؤتمر دولي لبحث مشكلة «الشرق الأوسط» تحضره روسيا، فلا بد أن تعيد روسيا أولًا علاقاتها مع «إسرائيل» ثم تكف عن دعم « الإرهاب الدولي» ومن ضمنه منظمة التحرير، حتى بعد أن أعلنت المنظمة بلسان رئيسها ياسر عرفات نبذه للإرهاب خارج الأرض المحتلة ذلك أن مجرد تمسك المنظمة بالبندقية والكفاح المسلح للاحتلال الإسرائيلي يعتبر في نظرهم إرهابًا حتى وإن حملت غصن الزيتون، وقبلت بمبدأ التسوية السلمية مع الكيان اليهودي في فلسطين، إن الرابح الوحيد في قمة جنيف هم اليهود سواء اتفق المجتمعون أو لم يتفقوا.

ومن خلال المعطيات التي تجري على الساحة العربية والإسرائيلية والدولية فإن من المتوقع ألا يصل المجتمعون في جنيف إلى نتائج حاسمة سواء فيما يتعلق بالقضايا العالمية أو القضايا الإقليمية، سيكون هناك تبادل لوجهات النظر، وسيكون هناك اختلاف واسع فيما يتعلق بمسألة حرب النجوم وربما كان هناك اتفاق جزئي حول عدد من المسائل الإقليمية مثل حرب أفغانستان ومشكلة نيكاراغوا، ولكن من قبيل «خذ وأعط»، أما بالنسبة لمشكلة «الشرق الأوسط» فهناك اتفاق غير معلن بينهما يتمثل في الدور السوري في لبنان، وفي التقارب السوري الأردني الأخير، تمهيدًا لبلورة الأمر فيما يتعلق «بحل» المشكلة الفلسطينية، ولكن لما كانت منظمة التحرير مازالت قائمة وأنها لم تصل بعد إلى درجة الانهيار الكامل، فإن المطلوب مزيد من الوقت حتى تتوفر الظروف الملائمة لانهيار المنظمة سواء بالتخلي عن الكفاح المسلح نهائيًا أو بالغياب عن الساحة، وعندئذ يمكن عقد المؤتمر الدولي لإسدال الستار على القضية الفلسطينية، والمطلوب من منظمة التحرير في هذه الحالة إن أرادت الحضور أن تكون شاهد زور أو تتوارى خلف الأبواب المغلقة.

خلاصة القول إن هناك شروطًا يجب أن تتحقق قبل أن يقرر المجتمعون عقد مؤتمر دولي لحل مشكلة «الشرق الأوسط»، وفي اعتقادنا أن هذه الشروط لم تتوفر بالكامل بعد إلا إذا كانت هناك خفايا لا نعلم بها، ومن نافلة القول أن نحمل مؤتمر جنيف مالا يطيق او مالا يريد، أو ما لا يخطر له على بال.

وسواء وصل المؤتمر إلى نتيجة فيما يتعلق بقضية العرب والمسلمين في فلسطين أو لم يصل فمما لا شك فيه أن هناك مرحلة قادمة يمكن أن تطلق عليها اسم «ما بعد لقاء القمة»، وستكون حافلة بالأحداث ذات المساس المباشر بالقضية الفلسطينية حتى وإن لم يتفقوا بشأنها على شيء ذي بال. ونحن مازلنا ننتظر بزوغ فجر جديد نعتمد فيه على الله وليس على أعوان الشيطان غورباتشيف وريغان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل