العنوان لبيك بلادي
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 82
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 36
السبت 05-فبراير-2011
بدمي أُسِطْرُ قـضـتِـي وكِفَاحِـي ودليل صدقي متي وهتافي
هكذا نطق لسان حال شهداء مصر وأهلها، كما عرفتهم البشرية على مر العصور، يصبرون ويصبرون، ولكنهم إن ثاروا فكأنك ترى الأسد يثورون.
لم أتمالك نفسي وأنا أكتب هذه السطور، فلقد حاولت أن أكفكف دموعي، حتى لا تبلل وريقاتي وكاد قلبي يتمزّق، ونفسي تكاد تنفطر على أهلي وعشيرتي بمصر الحبيبة الغالية وأهلي الذين افترشوا تراب مصر الزكي المعطر بدماء الشهداء العظماء، والتحفوا سماء مصر الغالية التي ترفرف فيها أرواح الشهداء العظماء صاعدة إلى خالقها.
بكيت وتألمت لحال هؤلاء تكبدوا السير والعناء
ليعبروا عن آرائهم، وربما لا يملك الكثير منهم قوت يومه لنفسه ولأسرته أتوا رجالًا ونساء وشبابًا وبنات وشيوخًا وأطفالًا.
جال بوجداني حال شبابنا، ذلك الشباب الذي يرغب في الزواج ولا يملك الباءة، ويجوع فيشتهي الطعام ولم يجده، ويمرض فلا يجد الدواء، ولديه همة عالية وحماس للعمل فلا يجد فرصة عمل، وليس ذلك حال الشباب فحسب، بل هي حال معظم الناس، وهم بعد ذلك لا يستطيعون أن يتنفسوا الحرية، فإن طالبوا بها قمعوا، ورُوّعوا، وأهينوا، وسفكت دماؤهم، واستشهدوا ولسان حالهم يقول:
بدمي أسطر قصتي وكفاحي ودليل صدقي همتي وهتافي
جوع، وفقر، ومرض، وقهر.. فماذا تنتظر؟
الجوع قتال
وقفت ملكة فرنسا ماري أنطوانيت زوجة الملك لويس السادس عشر في شرفة قصرها وأطلت على الجموع الغاضبة بسبب الجوع - ولم تكن تعرف ماذا يحدث - فسألت عن سبب تجمعهم، فلما قيل لها: إنهم جائعون، قالت: إذا لم يجدوا خبزًا فدعوهم يأكلوا كعكًا.... قالت هذه المقولة وهي لا تدرك معنى فقدان الإنسان للخبز؛ لأنها لم تجرب الجوع.
ثم قتلت الملكة وزوجها نتيجة الظلم الواقع على الفرنسيين وقيام الثورة.
إن الذي لا يملك شيئا لا يخاف على شيء، ومن حرم الحرية فقد حرم الحياة، والإنسان إذا جاع لن يجد للصبر طريقًا.
لقد هرب «زين العابدين» بعد أن نهب أموال الشعب لصالحه وصالح المقربين إليه، وكبت الحريات، وسجن شعبه، وراقبهم ومنعهم من العبادات وضيق عليهم، فكانت الثورة التي أطاحت به ثورة أوقد شرارتها الأولى شباب لم يرضع جبن الكبار، فحرقت الظلم الذي تجرعه الشعب أكثر من عشرين عامًا، وهرب الدكتاتور الظالم بعد أن فشل في خداع شعبه، وحاول إيهام شعبه أنه فهمهم الآن!! ففر صاغرًا، ولم ينفعه أحد من المقربين.
ولقد حذر الحكماء والعقلاء - كثيرًا - من مغبة ما يحدث في مصرنا الحبيبة الآن وقدموا النصح الأمين للمسؤولين، ولقد كنت أتمنى أن تصغي إليه أفئدة هؤلاء قبل آذانهم، ولكن هيهات للغافل أن يفيق!!
كنت دائمًا أخاف على بلدي وأرضي وأولادي وأحلامي، وأتساءل وأسأل: إلى أين يسير هؤلاء بوطني؟ ألست مواطنًا لي حق الكلمة والمشاركة في القرار كأي واحد من هؤلاء؟! هؤلاء الذين سلبوا حريتي واغتصبوا رأيي، وأضاعوا كرامتي وأرهبوني وعشيرتي، ومن تبجحهم وصموا الشرفاء الأنقياء ذوي الأيدي النظيفة المتوضئة بأقذع الأوصاف، وذلك مرض نفسي، يفقد المريض إحساسه، حتى ينسى أنه كذاب، ويُسقط ما به من صفات ذميمة على الآخرين.
كنت أنظر إلى أولادي من أبناء مصر وبناتها وأخاف عليهم مما سيرثونه في مستقبلهم القريب نتيجة التخبط والاضطراب في القرارات، وغياب الإصلاحات واشتداد الفقر وحرقة الجوع، وشيوع الفساد واحتكار ثروات البلاد، بحيث أصبحت في يد حفنة قليلة من مصاصي دماء الشعوب.
سرق الظالمون منا المحبة والفرحة وحاولوا أن يزهقوا فينا الإحساس والكرامة زوروا الحقائق وأسرفوا في الأكاذيب وأشبعونا وعودًا دون تحقيق، وأدخلونا في نفق مظلم مسدود، وتضخمت البطالة، وعم الفقر والمرض والجوع.. كاد قلبي يتمزق وأنا أستمع إلى الأجور وأقارن بينه وبين إيجار السكن فقط، فربما لا يكفي الراتب لإيجار شقيقة صغيرة، أو لشراء الخبز فقط، وأتساءل: كيف يعيش أبناء بلدي؟ وكيف يتزوج الشباب؟ ثم يطالعنا المسؤولون بين الحين والآخر وبأرقام كاذبة، يخدعون بها الناس، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر غير الذي يعيشه عموم الناس.
وثمة مقولة جديرة بالتفكير والمقولة هي: «الجوع كافر، لكن لا يستوعب هذه المقولة إلا من جاع بالفعل، وتجرع غصته.
وحسبنا أن نعلم حجم الخطورة إن علمنا أن الإسلام رفع عن الإنسان المحظورات عند الجوع، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخنزيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَ غَيْرَ بَاغَ وَلَا عَادِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحِيمٌ﴾ (البقرة:173).
فالمضطر إلى الطعام يبيح له الشرع أن يأكل المحرمات من أجل البقاء والحفاظ على الحياة، لكن كثيرًا ممن يقومون على أمور الناس لا يفقهون ذلك، ولا يشعرون بما يشعر به الجياع.
إن الأفواه الجائعة تظل صامتة، وخاصة إذا كبتت وقهرت لكنها عندما تنطق تخرج لهيبا يحرق من حولها، فثورة الجياع هي التي أوصلت ملك فرنسا وزوجته إلى المقصلة لقطع رأسيهما، على رؤوس الأشهاد، لأن الجياع لا يخافون الموت، لأنهم يشعرون بأنهم ميتون، ولا يخافون العسكر ولا نيرانهم، فليت ولاة الأمور يفقهون ذلك، ليتهم يتعففون ويتعلمون من سلفنا الصالح.
نموذج سعيد بن عامر
دخل سعيد بن عامر على عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، في أول خلافته، فقال له: يا عمر، أوصيك أن تخشى الله في الناس، ولا تخش الناس في الله، ولا يخالف قولك فعلك، فإن خير القول ما صدقه الفعل.
يا عمر، أقم وجهك - أي أدم النظر في أمره - لمن ولاك الله أمره من بعيد المسلمين وقريبهم، وأحب لهم ما تحب لنفسك وأهل بيتك وأكره لهم ما تكره لنفسك وأهل بيتك، وخص الغمرات إلى الحق، ولا تخف في الله لومة لائم.
عند ذلك دعا عمر بن الخطاب سعيد بن عامر إلى مؤازرته وقال يا سعيد، إنا مولوك على أهل «حمص» ناشدتك، فقال: يا عمر الله ألا تفتني!! فغضب عمر، وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي، ثم تخليتم عني، والله لا أدعك ثم ولاه على حمص»، وقال له: ألا نفرض لك رزقًا؟ قال، وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟ فإن عطاني من بيت المال يزيد على حاجتي، ثم مضى إلى حمص.
ومضت الأيام حتى جاء وفد من «حمص» إلى عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بعض أهل حمص الموثوق بهم، فقال لهم عمر رضي الله عنه: اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم، فرفعوا كتابًا فإذا فيه فلان وفلان وسعيد بن عامر. فقال: ومن سعيد ابن عامر؟ فقالوا: أميرنا. فقال عمر: أميركم فقير؟ قالوا: نعم ووالله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار.
فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته، ثم عمد إلى ألف دينار، فجعلها في صُرَّة، وقال: اقرؤوا عليه السلام مني، وقولوا له بعث إليك أمير المؤمنين بهذا المال، لتستعين به على قضاء حاجاتك.
فلما وصل الوفد، وأعطوا سعيد بن عامر صرة المال، فلما وجدها دنانير أخذ يبعدها عنه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون كأنما نزلت به نازلة، فأصيبت زوجته بالذعر، وقالت: ما شأنك يا سعيد؟! أمات أمير المؤمنين؟
فقال سعيد: بل أعظم من ذلك. فقالت: أأصيب المسلمون في واقعة؟ قال: بل أعظم من ذلك. قالت وما أعظم من ذلك؟ قال: دخلت على الدنيا لتفسد آخرتي، وحلت الفتنة في بيتي قالت: تخلص منها - وهي لا تدري أن الفتنة هي المال - قال: أو تعينني على ذلك؟ قالت نعم. فأخذ الدنانير وجعلها في صرر، ثم وزعها على فقراء المسلمين.
هذا هو النموذج الأمين على مَنْ يرعاهم ويتحمل مسؤوليتهم، الأمير سعيد بن عامر يرفض أن يفرض له أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رزقًا، ثم يصل إلى علم أمير المؤمنين أن سعيد بن عامر أمير حمص من الفقراء فيُرسل إليه بشيء من المال، لعله يقضي به بعض الأساسيات وضروريات المعيشة، بيد أن سعيد بن عامر رضي الله عنه يأبى إلا أن يوزعه على فقراء الشعب!!
إنهم أدركوا تبعات المسؤولية أمام الله عز وجل، وتربت نفوسهم على قيم الإسلام فتحلوا بالرحمة والرأفة والعدل، لذا كان الواحد منهم يذهب إلى المسجد، ويسير في الأسواق، ويغشى مجالس الرعية، ويعايشهم ويأكل معهم، يصنع ذلك دون خوف من رعيته، يأمن على نفسه، لأنه حكم، فعدل لذا لما رأى رسول كسرى عمر بن الخطاب تحت شجرة دون حرس من البشر يحرسونه، فقال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر!!
كما عاش أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حياة الزهد، فهذا أبو ذريدخل عليه رجل ذات مرة، فجعل يقلب الطَّرْف في بيته فلم يجد فيه متاعاً. فقال: يا أبا ذر أين متاعكم، فرد أبو ذر: لنا بيت هناك - يقصد الآخرة - ترسل إليه صالح متاعنا، ففهم الرجل مراده وقال له: ولكن لا بد لك من متاع ما دمت في هذه الدار - يعني الدنيا - فأجاب أبو ذر: ولكن صاحب البيت لا يتركنا فيه!!
ارتقت نفسه فوق حطام الدنيا وملذاتها، فزهد فيها وتعفف، لذا لما بعث إليه أمير الشام بثلاثمائة دينار وقال له: استعن بها على قضاء حاجتك، فردها إليه وقال: أما وجد أمير الشام عبدا لله أهون عليه مني؟!
أين نحن من هؤلاء؟! أما يخجل المنافقون من وصم كل مسلم متدين بالتطرف والتشدد. أما يستحيي الواحد منهم من تملق السلاطين وتقديم القرابين لهم بترديدهم صباح مساء أن الإسلاميين إذا تولوا أمرا من أمور المسلمين فسيكممون الأفواه ويقسون على الناس؟
أين الكذابون الآن مما يحدث في مصرنا الحبيبة؟ لقد غابوا تمامًا عن ساحة الكرامة خفتت أصواتهم بعد أن عاثوا في الأرض فسادًا، وزينوا للظالم سوء عمله، فسجن الأبرياء، وفرق بينهم وبين أولادهم وزوجاتهم وأهلهم، ونهب أموالهم بغير حق، وجوع رعيته وكمم أفواههم، حتى بلغ به الظلم أن لو استطاع أن يمنع عنهم الأكسجين الذين يتنفسونه لفعل!!
يا شعب مصر العظيم، أنتم تعلمون العالم الآن، يا شباب مصر الواعد لقد سطرتم أروع ملحمة هززتم بها أوتار القلوب وعلمتم الدنيا أعظم درس في الإباء والارتقاء فوق الذات، أثبتم للدنيا أنكم أبناء مصر وأفضل جند أهل الأرض، كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم وشهد لكم، أبهرتم العالم بسلوككم الحضاري عندما نظمتم المرور وأنتم الساهرون، وأطعمتم
الناس وأنتم الجائعون، أمنتم الخائفين وأنتم المهددون، صنعتم من أنفسكم دروعًا بشرية تحمون بها مؤسساتكم وأهليكم ومعالم حضارتكم وتاريخكم وتصديتم للمجرمين والحاقدين، فثبت الله أقدامكم، وأعزكم ونصركم، وحفظكم، وألهمكم رشدكم ورحم شهداءكم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل