العنوان لا سلام قبل عودة المسيح المنتظر
الكاتب إبراهيم وردة
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003
مشاهدات 65
نشر في العدد 1544
نشر في الصفحة 38
السبت 29-مارس-2003
في نهاية السبعينيات أوجدت التقلبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في أمريكا أرضًا خصبة للمجموعات الدينية المسيحية الرجعية
أحداث سبتمبر رسخت في شكل خاص تحالف المحافظين الجدد والأصوليين الساعين إلى جعل صدام الحاضرات نبوءة تتحقق ذاتيًا
«هذا المقال نشرته مجلة لوموند دبلوماتيك في عدد سبتمبر ۲۰۰۲ ونعيد نشره هنا، إذ إنه يعرض جانبًا جديدًا يكمل سلسلة المقالات التي كتبها د. رشاد خليل في الأعداد الثلاثة السابقة»
«إله الإسلام ليس إلهنا والإسلام دين شرير وحقير» هكذا كان يتكلم القس فرانكلين جراهام في أكتوبر ۲۰۰۱م. وتشاء الصدف أن يكتشف الجمهور بعد أسابيع قليلة أن والده -القس بيلي جراهام وهو أكثر المبشرين «احترامًا» في البلاد، اعتاد التهجم بالطريقة نفسها.. لكن على اليهود. وقد أذيع أخيرًا شريط محادثة خاصة جرت بينه وبين الرئيس «الأسبق» نيكسون في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض عام ۱۹۷۲م، وفيها يشتكي القس . الذي كان منذ الخمسينيات الصديق الحميم للرؤساء ومستشاريهم في جملة شكاواه من - سيطرة اليهود على وسائل الإعلام: «علينا كسر هذه السيطرة وإلا ذهبت بلادنا في داهية» اعتذر بيلي جراهام صادقًا، عن أقوال لا تعكس أبدًا تفكيره، وذكر بأنه طالما ساند دولة «إسرائيل» -من دون تردد- أما خليفته في إمبراطورية التبشير فلم يسع إلى التخفيف من - وقع كلامه المعادي للمسلمين، بل ذهب إلى أبعد من ذلك.
الانتقال من العداء للسامية إلى فوبيا الإسلام لافت للنظر أكثر في حالة القس بات روبرتسون. ففي كتاب صادر عام ۱۹۹۰م هاجم اليهود الليبيراليين الذين عملوا طوال الأربعين عامًا الماضية على الحد من التأثير المسيحي في الحياة العامة الأمريكية ثم راح هذا المبشر التلفزيوني ينهال بهجومه على المسلمين: «يريدون التعايش إلى أن تدين لهم السيطرة على أن يعمدوا حينها الى التدمير» (1).
ليس هذا الاهتمام بالشرق الأوسط جديدًا. فمنذ القرن التاسع عشر كانت المنطقة أرض تبشير للعديد من الكنائس البروتستانتية وبعضها لم تكن تنظر بعين الرضا إلى إنشاء دولة «اسرائيل» وحدها المجموعات الأصولية التي تقرأ النصوص المقدسة قراءة حرفية رأت في قيام الدولة العبرية تحقيقًا للنبوءات التوراتية، وكما في حالة القس بيلي جراهام يمكن لـ«الصهيونية المسيحية» التعايش بوئام مع العداء للسامية، وهي تتغذى منها في كل حال بيد أن نزاع الشرق الأوسط لم يكن في المقام الأول من اهتمام القساوسة وجمهورهم. يجب العودة إلى نهاية السبعينيات لفهم تصاعد نفوذ اليمين المسيحي وتحالفه مع (إسرائيل). فالتقلبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في تلك الفترة، أوجدت أرضًا خصبة للمجموعات الدينية الرجعية مثل الأكثرية الأخلاقية للقس جيري فالويل. وفي إسرائيل كان حزب الليكود الداعي إلى العودة إلى إسرائيل التوراتية الكبرى قد وصل أخيرًا إلى السلطة، في ۱۹۷۸ و ۱۹۷۹م زار القس فالويل الأراضي المقدسة بدعوة من رئيس الوزراء مناحيم بيجن، وحصل بينهما تفاهم إلى حد أن القس منح عام ۱۹۸۰م ميدالية فلاديمير جابوتنسكي باسم مؤسس الصهيونية والتحريفية، وملهم بيجن (۲)
كما تميزت تلك السنوات بمتغيرات داخل الطائفة اليهودية الأمريكية. فقد تخلى اثنان من وجوهها البارزين هما: إيرفينغ كريستول ونورمان بودورتز عن التقليد الليبرالي بالمعنى «التقدمي الأمريكي»ةم الذي طالما تمسك به المثقفون اليهود. فبعدما ناضلا من أجل الحقوق المدنية، والتمييز الإيجابي، والانفراج مع الاتحاد السوفييتي، أقدما على تحول مشهود ليؤسسا للحركة المحافظة الجديدة. ويأت العديد من النقاط المشتركة يجمعهما مع اليمين المسيحي انتقاد دولة الرعاية العودة إلى القيم التقليدية العداء المتطرف للشيوعية والدعم غير المشروط لليكود.
تكرس هذا التحالف مع انتخاب رونالد ریجان عام ۱۹۸۰م، وكان المحافظون الجدد يقومون بدور مثقفي البلاط، بينما كان الرئيس الجديد يعين في حكومته أصوليين صداميين. وكان وزير الداخلية جيمس وات يقول: إنه يجب عدم القلق من تلوث الكوكب لأن عودة الرب قريبة وأمام الجمعية الوطنية للمجموعات الإنجيلية القي الرئيس خطابه الشهير الذي ينعت فيه الاتحاد السوفييتي بأنه «إمبراطورية الشر». طوال عهدي بوش الأب وكلينتون، كان تراجع هذه الجماعات ظاهريًا فقط، فمع أن المحافظين الجدد واليمين المسيحي باتوا أقل ظهورًا، إلا أنهم كانوا مستمرين في التأثير على المشهدين السياسي والأيديولوجي. وفي ۱۹۸۹م أوقف القس فالويل نشاط الأكثرية الأخلاقية. بعدما اعتبر أن مهمته تحققت، كما ضعفت الكنائس الأصولية بسبب فضيحة المبشرين التلفزيونيين، وأصيب اللوبي الإسرائيلي (إيباك) بإحدى هزائمه النادرة، عندما عارض الرئيس بوش الأب ضمان قرض لإسرائيل بعشرة مليارات دولار، ما دام رئيس الوزراء إسحق شامير مستمرًا في تشجيع الاستيطان في الأراضي المحتلة.
أضف إلى ذلك، أن سقوط الاتحاد السوفييتي حرم مساندي الحركات المعادية للشيوعية في أمريكا الوسطى وعددهم كبير في أوساط الأصوليين حجة كبيرة، وكذلك بالنسبة إلى الموقف الجيو استراتيجي لصالح إسرائيل «الدولة الديموقراطية المستقرة الوحيدة في منطقة واقعة تحت التهديد السوفييتي». فعمد اللوبي الإسرائيلي إلى توسيع دائرة نشاطه، فبدل تركيز جهوده على الولايات حيث يتمركز اليهود «نيويورك، كاليفورنيا، فلوريدا. إيلينريز» راح ينسج تحالفات في مختلف أنحاء البلاد بما في ذلك المناطق التي لا وجود لليهود تقريبًا فيها (۳). خلال عهد كلينتون وبسبب فضائح الرئيس وخصوصًا في المعركة القانونية لإقصائه، اجتمع من جديد المحافظون واليمين الأصولي في رابطة للدفاع عن الفضيلة في أحسن تمويل وأفضل تنظيم.
مع اتساع حمى نهاية القرن، مثلت معركة رئاسة الجمهورية للعام ۲۰۰۰م العودة الكبيرة إلى النقاش السياسي فأعلن المرشح الجمهوري جورج بوش أن فيلسوفه السياسي المفضل هو يسوع المسيح، بينما أعلن منافسه آل جور أنه قبل أن يتخذ قرارًا يتساءل: ماذا كان ليفعل يسوع؟.. وقد أسعد الأصوليين (٤) باختياره مرشحًا لنيابة الرئاسة السيناتور اليهودي الأرثوذكسي جوزيف ليبرمان المعروف بخطابه الأخلاقي.
لكن اعتداءات 11 سبتمبر ٢٠٠١م هي التي رسخت في شكل خاص تحالف المحافظين الجدد والأصوليين الساعين إلى جعل «صدام الحضارات» نبوءة تتحقق ذاتيًا، فالإسلام هو المشار إليه بصفته إمبراطورية الشر الجديدة. والخطاب الذي تكرره وسائل الإعلام دون كلل ويسترجعه جميع البرلمانيين الأمريكيين تقريبًا (٥) يتبنى أطروحات الحكومة الإسرائيلية: عرفات هو «بن لادن إسرائيل» والبلدان يخوضان معركة واحدة في كل حال فإن الصقور المقربين من إسرائيل «أمثال مساعد وزير الدفاع بول ولفويتر أو المنظر الاستراتيجي ريتشارد برل» هم الذين أشرفوا على تجديد العقيدة الدفاعية ستقوم الولايات المتحدة من الآن وصاعدًا بتوجيه ضربات وقائية إلى البلدان القادرة على التزود بأسلحة نووية أو بيولوجية، أو كيميائية، ومن هنا تأتي ضرورة تغيير النظام في العراق.
وتجند في الحملة الصليبية الجديدة التي تحركها إسرائيل غالبًا من على بعد جميع الأسماء الكبيرة في اليمين المسيحي أمثال رالف ريد وجاري بوير، وبول ويريخ وغيرهم. هكذا .... فإن أرييل شارون نفسه طلب من الحاخام يكييل أكشتاين مؤسس الشراكة الدولية بين اليهود والمسيحيين أن يجند رالف ريد الرئيس السابق للتحالف المسيحي لكي يقوم بالتبشير، فأرسل ٢٥٠ ألف مسيحي أكثر من ٦٠ مليون دولار إلى «إسرائيل». كما أن منظمة مسيحيون من أجل «إسرائيل» في الولايات المتحدة مولت هجرة ٦٥ ألف يهودي إلى الكيان الصهيوني، لكي تحقق بحسب قول رئيسها القس جايمس هاتشنز نداء الله القائم على مساعدة الشعب اليهودي في العودة والاستقرار في أرض إسرائيل. (٦)
إن حديث الرئيس بوش «من ليس معنا فهو مع الإرهابيين»، «نحن الطيبون».... إلخ... قد شجع الخطاب الثنائي الذي يقسم الناس بين أخيار وأشرار، ويتلاقي مع أنماط تفكير الأصوليين. وبحسب إحصاء حديث العهد أجرته مؤسسة تايم - سي إن إن، فإن ٥٩٪ من الأمريكيين يعتقدون أن الأحداث الموصوفة في سفر الرؤيا سوف تتحقق، و٢٥٪ يعتقدون أن التوراة تنبأت باعتداءات ۱۱ سبتمبر(۷). من هنا كان النجاح الكاسح لسلسلة Behind Left التي بيع منها ٥٠ مليون نسخة في ١٠ أجزاء وهي بين رواية النبوءات والدليل العملي لنهاية العالم وتدعي فك رموز سفر الرؤيا. (۸)
تستقبل بعض الأوساط الأصولية تصلب أرييل شارون وروحه القتالية بشعور من الاغتباط ألم تؤد زيارته -الاستفزازية البحتة- إلى الحرم القدسي في ٢٨ سبتمبر ۲۰۰۰م إلى إطلاق حلقة العنف التي لم تنته فصولها بعد؟ لكن الكتابات المقدسة تقول: إن الهيكل الثالث سيشيد في هذا المكان المقدس بالذات وتنفتح من بعده حروب نهاية العالم الدموية في هذا الإطار، فإن أي حل سلمي أو تنازل في الأراضي يمكن أن يمنع أو يؤخر تحقيق النبوءات. فكما يقول القس هوتشنزك «لا سلام قبل عودة المسيح».
بالرغم من صلابته الظاهرة، فإن التحالف بين المتطرفين اليهود والأصوليين المسيحيين يقوم على سوء تفاهم، كما يؤكد عالم اللاهوت هارفي كوكس: «لو كنت في المعسكر الإسرائيلي لتوخيت الحذر الشديد» وبالفعل، فإن تسلسل الأحداث الآتية كما يتخيله الأصوليون مثير للقلق أولًا الأوبئة، العذابات والحروب، ثم إعادة بناء الهيكل، ومجيء المسيح الدجال، أخيرًا المجيء الثاني للمسيح والمعركة النهائية في أورشليم بين الخير والشر. فـ«يخطف» الأخيار إلى السماء، ويعتنق ثلثا اليهود المسيحية، فيما يصار إلى التخلص من الباقين أو إنزال اللعنة بهم (۹). إن نهاية العالم قريبة أكثر مما يظن في نظر البعض، ففي يناير ۱۹۹۹م، أعلن القس جيري فالويل أن مجيء المسيح يمكن أن يحدث في السنين العشر المقبلة، وأكد أن المسيح الدجال بات بيننا وهو «يهودي ذكر» (۱۰).