العنوان نصيحة: لا تنصبوا أنفسكم مدافعين عن المتهجمين على الدين
الكاتب العم عبد الله المطوع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
مشاهدات 77
نشر في العدد 1372
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 19-أكتوبر-1999
بعد صدور الحكم على د. أحمد البغدادي بالسجن لمدة شهر لتطاوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثارت ثائرة بعض العلمانيين في الكويت ولم تهمد حتى اليوم، وبدأ كتاب وأساتذة جامعات هجومهم وتحاملهم غير المبرر على العمل الإسلامي في الكويت ورموزه، ومن ذلك ما نشرته جريدة «القبس» الكويتية من تحامل على السيد عبد الله علي المطوع- رئيس مجلسي إدارة جمعية الإصلاح الاجتماعي ومجلة المجتمع، وهو ما اقتضى الرد التالي:
لم أتعود أن أرد على من يكتب عني أو يتهجم عليّ، وقد استغل كثير من الكتاب منبر جريدة القبس الكويتية لذلك الغرض- ولا يزالون- ولم نرد عليهم.. ولكن حين تبنت الجريدة ذلك التوجه، وخصصت مقالها الافتتاحي يوم الخميس الماضي ٥ رجب ١٤٢٠هـ- ١٤ أكتوبر ۱۹۹۹م للرد على تصريحات مني، جاءت بناء على أسئلة وجهتها لي «القبس» ذاتها، ونشرتها في صفحتها الأولى يوم الأربعاء الماضي 4 رجب ١٤٢٠هـ ١٣ أكتوبر ۱۹۹۹م، حين فعلت الجريدة ذلك رأيت أنه من الواجب الكتابة للجريدة لتوضيح بعض ما استغلق من مفاهيم أو أسقط- سهوًا أو عمدًا- من آراء.
وقبل الدخول في التفاصيل أورد ملاحظة عامة، وهي أنه لكي يكون الحوار مجديًا ومفيدًا، لا بد من توحيد المصطلحات والمفاهيم، أما أن يطلق البعض كلامًا ويقصد به غير ما اصطلح عليه الناس، أو غير ما تحتمله اللغة؛ فهذا هو التصحيف والتحريف الذي يجعل الحوار غير ذي جدوى.
في بداية مقالها تقرر القبس أنها لا تقبل- ولا يقبل كل ذي عقل- أن يكون هناك أوصياء على علاقة الخلق بالخالق، أو أن يمنح شخص نفسه حق تكفير الناس والتشكيك في إيمانهم، وفي استقراء نواياهم.
ونحن لا نختلف مع «القبس» فيما ذهبت إليه، فقد حرر الإسلام الإنسان من طبقة الكهنوت التي نصبت نفسها حاجزًا بين العبد وربه ،وربط الإسلام الإنسان بخالقه دون واسطة ممن يسمون أنفسهم رجال الدين «وليس في الإسلام رجال دين، وإنما فيه علماء في الدين».
إنني أستغرب أن كاتب افتتاحية «القبس» المذكورة لم يقرأ تصريحاتي قبل أن يكتب تعليقه، لقد قلت إن عددًا من جمعيات النفع العام اتفقت على توجه جديد، يقضي برصد كل ما يكتب من طعن في ثوابت الدين، والاستهزاء بأحكام الشريعة الإسلامية للمباشرة في تقديمه إلى النيابة العامة، وأن مواجهة ذلك ستتم وفق النظم الدستورية والقانونية في البلاد، فهل نكون باتخاذنا ذلك السبيل قد أعطينا انفسنا حق تكفير الناس، والتشكيك في إيمانهم، وفي استقراء نواياهم؟ هل الحرية والديمقراطية في عرف «القبس» أن يكتب كل من هب ودب- وفقه أو لم يفقه- مشككًا في ثوابت الأمة وعقيدتها، وطاعنًا في الدين والعقيدة والرسالة، ثم لا يكون من حق الغيورين على الدين أن يحتجوا على ذلك بأن يشتكوا للنيابة العامة وفق النظم الدستورية والقانونية؟
أما قول «القبس» إن تصريحاتي تعبر عن انفعال عصبي، فهذا تجريح شخصي أمتنع عن الرد عليه، وقد أوقعت القبس نفسها فيما اتهمتني به «رمتني بدائها وانسلت»، لقد تعمدت القبس، أن تظهر الأمر على أنه خلاف فكري أحد طرفيه «عبد الله العلي وجماعته»، ونقول: إن المسالة ليست خلافًا فكريًا، بل هو تعد على ثوابت الأمة، وتجريح لعقيدتها وشريعتها ورسالتها، وقد استفز الأمر أهل الكويت بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم، وقد أشرت في تصريحي إلى توجه عدد من جمعيات النفع العام في هذا الصدد، وليس الأمر قاصرًا على جمعية الإصلاح وحدها، علمًا بأن الدفاع عن العقيدة والرسالة شرف تسعى إليه جمعية الإصلاح باستمرار، ووسام على صدرها تعتز به أيما إعزاز، ولو أن شخصًا جلس في بيته وقال ما شاء أن يقول، أو فعل ما شاء أن يفعل، فليس من حق أحد أن يتتبع عوراته أو يترصد سقطاته، ولكن حين يخرج القول أو الفعل إلى دائرة المجتمع، فتنشر الأفكار المنحرفة في الصحف والمجلات، أو تدرس في المعاهد والكليات، فإنها تخرج من دائرة الحرية الشخصية لتدخل في دائرة النظام العام الذي يحكمه الدستور والقانون.
ولا ندري كيف يجوز لأستاذ جامعي أن يدرس أفكاره الشاذة والمنحرفة على الطلبة والطالبات، ولا يجوز للآباء والأمهات أن يحتجوا على ذلك، ويطالبوا بإزاحته من موقعه؛ لأنه لا يؤتمن على تربية الأبناء؟ لقد دعتنا «القبس» إلى أن نتفق على الأصول، ولا بأس أن نختلف في الفروع، إن الاصول واضحة معروفة، وليت الذين يحاولون إثارة الفتنة هذه الأيام يلتزمون بتلك الأصول، ولكنا نراهم يحاولون تدميرها.
ونذكر هؤلاء بأن قضيتهم خاسرة عند الله وعند جمهور المسلمين، وأنقل لهم وللقارئ ما أفتى به د. نصر فريد واصل- مفتي مصر- كما نشرت جريدة «الرأي العام» الكويتية بتاريخ ١٠/١٤/ ١٩٩٩م، حيث قال: إنه إذا كانت العبارات التي صدرت من د. البغدادي مقصودة، ويراد بها الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الأمر في هذه الحالة فيه ردة عن الإسلام، ولا يعتبر مجرد إساءة إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولكنه خروج على ثوابت الدين، والمساس بشيء معلوم من الدين بالضرورة.
وأوضح د. واصل أنه ما دامت المحكمة قالت كلمتها وأدانته «د. البغدادي» فالمسألة أصبحت لا تحتاج إلى دليل على أنه ارتكب الإساءة في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ويجب أن يستتاب، وشدد د. واصل على أن هذه الأمور من ثوابت الدين، وأن المساس بها أو هدمها يعد أمرًا خطيرًا يهدد سلامة المجتمع واستقراره.
كما طالب د. مصطفى الشكعة- عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في العدد نفسه من جريدة الرأي العام- بضرورة رفع دعوى ردة على البغدادي، ولا بد أن يستتاب ويعامل كمرتد، فإذا لم يتب أقيم عليه حد الردة باعتبار الكويت دولة تحتل الشريعة الإسلامية فيها مكانة عظيمة.
وأشار د. الشكعة إلى أن المجالس القومية المتخصصة في مصر خلصت إلى أن حرية التعبير تنتهي عند حدود معينة، وخطوط حمراء لا تتعداها، وهي الثوابت الدينية والأخلاقية والعقائدية، كما أن الدستور الفرنسي ينص على مراعاة الآداب العامة، وعدم الدعوة إلى الرذيلة أو المساس بالدين.
ملاحظة أخيرة: لقد أشارت القبس إلى ما أسمته الإسلام المسيس، أو الإسلام السياسي، ونحن نرفض هذه التسميات وأشباهها، فالإسلام دین کامل شامل لكل جوانب الحياة، فهو عقيدة وشريعة.. دين ودولة.. عبادة ومعاملات.. وهو يرفض أن ينحصر أصحابه في الزوايا والتكايا بعيدين عن شؤون دنياهم وقضايا مجتمعاتهم.
وأخيرًا فقد استشهدت «القبس» بالآية: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125)، ونقول: ليت «القبس»، تمثلت هذه الآية حين كتبت ردها، فقد بعدت عن موضوع تصريحاتي كل البعد، وتحاملت وتهجمت.. ونتمنى أن تتبنى القبس الدفاع عن القضايا الإسلامية، وأن تكون درعًا واقيًا يصد الهجمات التي تستهدف الإسلام من كل جانب، لا أن تتبنى الَمتهجمين على الإسلام وثوابت الدين وتفتح صفحاتها لهم.