العنوان كيف نعيد إلى بيوتنا البركات في شهر الخيرات ؟ (۲)
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 28-أغسطس-2010
مشاهدات 99
نشر في العدد 1917
نشر في الصفحة 18
السبت 28-أغسطس-2010
المواظبة على السحور.. تحري ليلة القدر.. الإكثار من الاستغفار.. من الوسائل المهمة التي تعيد إلى بيوتنا البركات
تناولت في المقال السابق بعض وسائل إحلال البركات في بيوتنا مع إقبال شهر رمضان المبارك، وقد ذكرت من هذه الوسائل: البدء باسم الله في أمورنا، وتقوية الإيمان وتحقيق التقوى، ثم إفشاء السلام، فالاجتماع على الطعام.
وفي هذا المقال نستكمل هذه الوسائل، ففي السطور القليلة القادمة سأتناول بعض هذه الوسائل، وأهمها:
خامسًا: المواظبة على السحور:
ففي السحور بركة كما أكد الرسول ﷺ، من حيث كونه يعين المسلم على الصيام، وعلى إتقان عمله وهو صائم، وبركته الكبرى في الأجر والثواب، لأنه طاعة لله ولرسوله. قال ﷺ: تسحروا فإن في السحور بركة (رواه البخاري ومسلم).
فمن بركات السحور:
1-التقوي على العبادة في أثناء النهار، من صلاة، وصيام، وتلاوة، وذكر .
2-مدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، فالمتسحر طيب النفس حسن المعاملة قوي الوعي، وقد كان من فقهاء المسلمين من لا يفتي في المسائل الفقهية إن كان جائعًا.
3- أن السحور سبب في تحصيل الخير، فعندما يستيقظ المسلم للسحور يقوم الليل، ويذكر ربه، ويدعوه ويستغفره.
4- في السحور اتباع السنة النبي ﷺ، ومن ثم فهو سبب لنيل الثواب والأجر.
5- يعين السحور على الالتزام بصلاة الفجر في وقتها وفي جماعة، ولذا فإن المسلمين الذين يحافظون على صلاة الفجر في شهر رمضان أكثر منهم في غير رمضان.
6-فيه مخالفة لأهل الكتاب والمسلم مأمور بأن يخالفهم.
سادسًا : تحري بركة ليلة القدر وخيرها:
فقد وصفها القرآن الكريم بأنها ليلة مباركة، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) ﴾ (الدخان)، والمقصود بالليلة المباركة هنا: ليلة القدر.
فهذه الليلة خير من ألف شهر، كما أوضح الله عز وجل: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ (1) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ (2) لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ (3) تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ (4) سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ (5) ﴾ (القدر).
أجل.. إنها ليلة كثيرة البركات بوركت سلفًا، إذ نزل فيها القرآن الكريم الكتاب المبارك، وتتنزل فيها الملائكة وبوركت بالسلام، وبوركت بأنها خير من العمر كله.
سابعًا: شرب ماء زمزم:
فقد ارتبط شهر رمضان بكثير من الطاعات، ففيه تشد الرحال إلى بيت الله الحرام لأداء العمرة، وتلك فرصة ثمينة للمعتمرين فهنيئًا لمن اعتمر وشرب من ماء زمزم واغتسل، ومن كرم المعتمر أن يهدي أقاريه وأحبابه من ماء زمزم حتى تعم البركة، فقد وصفها رسول الله ﷺ بقوله: «إنها مباركة، إنها طعام طعم» ( رواه مسلم).
وفي رواية البزار والطبراني والبيهقي وغيرهم زيادة: «وشفاء سقم» (انظر السنن الكبرى ١٤٧/٥).
وظاهر الأدلة –إن شاء الله –أن هذه البركة عامة لكل ماء زمزم، سواء الموجود منه في مكة أم المحمول من مكة إلى غيرها من البلدان، ولذلك رأى العلماء مشروعية نقل ماء زمزم خارج مكة، وبقاء بركته وخاصيته حتى بعد نقله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: «ومن حمل شيئا من ماء زمزم جاز، فقد كان السلف يحملونه».
وقال الصاوي المالكي يرحمه الله عن ماء زمزم: «وندب نقله، وخاصيته باقية، خلافًا لمن يزعم زوال خاصيته» (حاشية الصاوي على الشرح الكبير).
وقال ابن حجر الهيتمي يرحمه الله في «تحفة المحتاج » (١٤٤/٤):«وأن ينقله إلى وطنه استشفاء وتبركا له ولغيره».
وقال السخاوي يرحمه الله في رده على من قال بتغير ماء زمزم إذا نقل: «يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته –أي ماء زمزم –مادام في محله، فإذا نقل يتغير، وهو شيء لا أصل له، فقد كتبﷺ إلى سهيل بن عمرو «إن وصل كتابي ليلًا فلا تصبحن، أو نهارًا فلا تمسين، حتى تبعث إلي بماء زمزم»، وفيه أنه بعث له مزادتين، وكان حينئذ بالمدينة قبل فتح مكة.
وقد سئل الشيخ ابن العثيمين يرحمه الله السؤال التالي: «هل يشترط أن يكون شرب ماء زمزم في مكة كي تتحقق بركته»؟
فأجاب لا يشترط.
ثامنًا: الإكثار من شكر الله:
فالبركة تعني النماء والزيادة، وقد أخبر الله عز وجل أن عباده إذا شكروا زادهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ (7) ﴾ (إبراهيم).
يقول الإمام ابن القيم: «الشكر هو نصف الإيمان، فالإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر، وقد أمر الله به –أي بالشكر –ونهى عن ضده، وأثنى على أهله بأحسن الجزاء، وجعله سببًا للمزيد من فضله، وحارسًا وحافظِا لنعمه، وأخبر أن أهله المنتفعون بآياته، واشتق لهم اسمًا من أسمائه، فإنه سبحانه هو الشكور وهو يوصل الشاكر إلى مشكوره، بل يعيد الشاكر مشكورًا، وهو غاية الرب من عبده، وأهله هم القليل من عباده، قال تعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ (114) ﴾ (النحل)، ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ(152)﴾ (البقرة)، وقال عن نوح عليه السلام: ﴿كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا (3) ﴾ (الإسراء)، وقال تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (120) شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ (121) ﴾ (النحل).
فمن أراد البركة –أي الزيادة والنماء –فليشكر الله، فمن شكر الله على سعة الرزق زاده الله رزقًا، ومن شكره على نعمة الصحة زاد الله في صحته، ومن شكر الله على توفيقه لطاعة ربه زاده الله طاعة. أما من كفر بنعمة الله ولم يشكره سلبت منه النعمة، وفي النهاية سيكون مصيره مؤلمًا كما قال عز وجل: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ (29) ﴾ (إبراهيم).
وقد يظن كثير من الناس أن الشكر يقتصر على كلمات يرددها اللسان، ومثل هؤلاء لا يفقهون معنى الشكر ومقامه.. فما معنى الشكر اللازم الجالب للبركة؟
الشكر الحقيقي اللازم هو الاعتراف بالنعمة والقيام بحقها، فمن أراد أن يشكر ربه على نعمة البصر مثلًا فلا بد من أن يعترف بأن بصره نعمة من الله، وبالإضافة إلى ذلك لابد أن يغض بصره، ولا يستخدمه في معصية الله، بل يسخره في طاعة الله عز وجل وفي سبيله، لذا فقد أخبر الله تعالى أن أكثر عباده غير شاكرين، وأن قليلًا فقط هم الشاكرون. قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ (13) ﴾ (سبأ).
فليكن لسان حالك ومقالك –أخي القارئ الحبيب –شاكرًا على نهج نبي الله سليمان عليه السلام، كما أخبر القرآن الكريم على لسانه: ﴿قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ (40) ﴾ (النمل).
هذا هو منهج الشكر الذي يحصل به البركة، حيث فيه إقرار واعتراف بالنعمة وإسنادها إلى المنعم سبحانه وتعالى، وفيه –أيضًا –شكر يتجسد في القيام بحق هذه النعمة والحفاظ عليها.
تاسعًا: الإكثار من الاستغفار:
فالاستغفار سبب عظيم من أسباب البركة، إذ به تغفر الذنوب، وبه يرسل الله سبحانه الغيث والمطر، وبه يرزق المستغفرون بالأموال والبنين، وبه يرزقون بالبساتين والضيعات.
ويروى عن الحسن البصري رضي الله عنه من أن رجلًا شكا إليه الجدوبة –وهي ضد الخصوبة –فقال له: استغفر الله، وشكا آخر إليه الفقر، فقال له استغفر الله، وشكا إليه آخر جفاف بستانه، فقال: استغفر الله، وقال له آخر ادع الله أن يرزقني ولدًا، فقال له استغفر الله، فلما سئل عن ذلك قال: ما قلت من عندي شيء، إن الله تعالى يقول في سورة نوح عليه السلام: ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا (10) يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا (11) وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا (12) ﴾ (نوح).
ومما قرأت في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه كان إذا استعصت عليه مسألة علمية يستغفر أكثر من ألف مرة، حتى ييسرها الله عليه.
وقد علق الشيخ «أبو بكر الجزائري» يرحمه الله على هذه الآية قائلًا: لقد استنبط بعض الصالحين من هذه الآية أنه من كانت له رغبة في مال أو ولد فليكثر من الاستغفار ليلًا ونهارًا، ولا يمل حتى يعطيه الله تعالى مراده من المال والولد.
وأعرف صديقًا ظل سنين عددًا لا ينجب، وطرق أبواب عيادات الأطباء شرقًا وغربًا دون جدوى، فنصحه أحد الدعاة بالإكثار من الاستغفار، فما لبث شهرًا بعد الاستغفار إلا وحملت زوجته.
وقد فسر العلماء ذلك بأن ما يصيب العبد من عقوبات ومصائب قد تكون بسبب ذنوبه، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ (30) ﴾ (الشورى).
وجاء في الحديث: «لا تصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» ( رواه الترمذي).
ولقد ذهب العلماء إلى أن هذه الذنوب يمحوها الله تعالى –بإذنه –بالاستغفار.
وفي ذلك يقول ابن تيمية يرحمه الله: «والذنوب سبب للضرر، والاستغفار يزيل أسبابه، وقال: فإن العذاب إنما يكون على الذنوب والاستغفار يوجب مغفرة الذنوب التي هي سبب العذاب، فيندفع العذاب».
فقوام الدين بالتوحيد والاستغفار، ولهذا كان سيد ولد آدم وإمام المتقين محمد ﷺ يستغفر في جميع الأحوال.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل