العنوان كيف نعيد إلى بيوتنا البركات في شهر الخيرات؟
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 21-أغسطس-2010
مشاهدات 112
نشر في العدد 1916
نشر في الصفحة 26
السبت 21-أغسطس-2010
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ﴾ (البقرة:١٨٥)
كثير من البيوت تشكو قلة البركة أو فقدانها، حتى صارت هذه القضية مشتكي معظم البيوت.. فمن ناحية اقتصاديات البيت المسلم قل المال ونزعت البركة منه فصار الراتب ينتهي في الأسبوع الأول من الشهر بل إنه في كثير من الأحيان تسدد به ديون الشهر الماضي وربما لا يكفي لتسديد الديون البسيطة، ناهيك عن التهاب الأسعار وارتفاعها ارتفاعًا جنونيًا!!
ومن قلة البركة- أيضا- نفاد الطعام والمواد الغذائية بسرعة وقلة البركة فيها. وإذا تركنا اقتصاديات البيت جانبا – وهي ملموسة لدى الجميع – وقيمنا الحياة الزوجية لوجدنا خلافات أسرية أسبابها تافهة، وفي كثير من الأحيان تصل إلى حد الانفصال أو الطلاق أو ربما تستمر الحياة الزوجية بمنغصاتها ومشكلاتها، وذلك يصيب الأولاد لا محالة. وينعكس على حالتهم النفسية وعلى دراستهم وشتى مناحي حياتهم.
والواقع – أيضًا – أن البيوت خاوية من ذكر الله فلا تصدق أهلها ولا صلوا، ولا ذكروا ربهم ولا عبدوا، بل اجتمع الجميع أمام التلفاز، ليشاهدوا ما يدمر الأخلاق، ويضعف
الإيمان وفي مجال الأولاد يشكو الأباء – كما تشكو الأمهات من قلة بركة الأبناء المتمثلة في عقوق الأبناء والبنات للآباء والأمهات. وضعف مناعتهم لله، وقلة استقامتهم وضياع الأخلاق الأصيلة والتشبه بالتافهين من البشر والتافهات والنفور من مواطن المجد والعلا، وإهمال الدراسة، والتأخر الدراسي والعزوف عن تلاوة القرآن والشغف بحفظ الأغاني التي لا مضمون لها !!
أجل لقد قلت البركة من البيوت وربما ضاعت لأعراض أهلها عن ذكر ربهم فهم يعيشون معيشة ضنكا .. فما السبيل إلى إعادة البركة إلى بيوتنا ؟ ما أحوجنا إلى أن تعرف الطريق، وما أجدى أن نسير عليها، وخاصة في الأوقات والأزمنة المناسبة وأرى نور شهر رمضان
(١)أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.
يلوح في الأفق، ونسيمه الرقراق يسري في النفوس في الأجواء والطرق، وعبق عطره الجذاب يفوح وأصوات ذكره تقترب وحلاوة طاعته تدنو وتسري في النفوس يتوق إليها عشاقها، ومن ثم فالفرصة ذهبية لاغتنام البركات وإحلالها بالبيوت، وهنينا لكل مسلم يدرك هذه البركات الوفيرة.. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو ما وسائل إحلال هذه البركات في بيوتنا ؟
وسائل إحلال بركات رمضان بالبيت
1-البدء بالبسملة:
يروى عن النبي ﷺ أنه قال كل أمر دي بال لا يبدأ باسم الله الرحمن الرحيم فهو ابتر « رواه ابن حبان وابن حجر، والسيوطي»، فلزوم البسملة في بدء الأقوال والأعمال يطرد الشياطين، ويحل البركات، وهي ذلك يقول النبي لأنس بن مالك يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك «رواه الترمذي».
ومن هديه أيضا إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله.. قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله. قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء أرواء
«الإمام مسلم»، وروى الإمام مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله يقول إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت فإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال أدركتم المبيت
والعشاء، «رواه مسلم».
ومن توجيهاته في هذا الشأن قوله إذا ولع الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا ويسم الله خرجنا، وعلى ربنا توكلنا ثم ليسلم على أهله ،«رواه أبو داود».
ثانيًا: تقوية الإيمان وتحقيق التقوى
فالمؤمن التقي يشعر بالبركة في حياته
وأموره كلها في زوجته وفي أولاده، وفي أمواله وأعماله، كما أن الإيمان والتقوى من أسباب تنزيل الله تعالى بركاته على عباده،
يقول سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [ سورة الأعراف: 96]
ثالثًا: إفشاء السلام
فالسلام تحية الإسلام، وهي تحية أهل الجنة، إذ تحييهم الملائكة: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾
[ سورة الزمر: 73]
وهذه التحية مباركة تحل البركات في البيوت والمجتمعات. وقد حث القرآن الكريم والسنة المطهرة على إفشاء السلام، وبينا أن هذه التحية مباركة تحل البركة في البيوت قال تعالى: فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[ سورة النور: 61]
وقرن الحق تبارك وتعالى بين السلام. والبركات في قوله تعالى: ﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۚ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[ سورة هود: 48]
لذا كان توجيه النبي ﷺ. لخادمه أنس ابن مالك رضي الله عنه
«يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكن بركة عليك وعلى أهل بيتك»، «رواه الترمذي».
ومن هدي رسولنا الكريم ﷺ قوله:«لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بینکم» « رواه مسلم)».
فهل هناك أعظم بركة من تحقيق الحب بين الناس ودخول الجنة؟ إن السلام طريق ميسر مذلل لتحقيق الحب والفوز بالجنة.
قصة حقيقية تؤكد بركة السلام
حكائي أحد الشباب أنه سافر إلى بلد أجنبي، ولما دخل أحد المطاعم لتناول وجبة الغداء وجد شابين عربيين لا يعرفهما على طاولة يتبادلان أطراف الحديث، فسلم عليهما واقترب منهما، وتعارفا. يقول كنت أعاني ألام الغربة ووحشة الوحدة، فلما تحادثت معهما ائتلفنا وشعرت بحب لهما يسري في وجداني وبعد أن جلس ثلاثتنا أتانا رابع فسلم فطلبنا أن يقترب منا ولصقنا طاولتين كل منهما بالأخرى. وبينما نحن نتحدث وننتظر الطعام، رمقنا شاباً أسويا، كان يتحدث عبر الإنترنت ولكنه كان يكرر النظر إلينا مبتسما حتى ظننا أنه ليس طبيعيا، لكننا بادلنا الابتسامة، وحييناه في وقار، وحب، وتقدير ثم قمت وزملائي وسلمنا عليه، ودعوناه إلى أن يجلس معنا، فاستجاب لنا، ثم ما هي إلا دقائق حتى طلب منا أن يدخل الإسلام، فلما سألناه عن السبب قال أعجبني إسلامكم وترابطكم وعرفت أنكم مسلمون فانا في مدينة لا يعرف فيها أحد غيره من الناس، ولا يسلم أحد على الآخر إلا المسلم وأجد المسلمين في مدينتي بينهم ترابط وقد شعرت بهذا الترابط القائم بينكم وفضل السلام الذي أثر في، وأوجد في نفسي حنينا إليكم وإلى دينكم
رابعًا: الاجتماع على الطعام
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله إنا نأكل ولا تشيع، فقال رسول الله ﷺ: «لعلكم تأكلون متفرقين».. فقال الرجل: نعم فقال رسول الله ﷺ « اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله عليه، فإنه يبارك فيه» « رواه ابن ماجه وأحمد»
ومن سنة النبي ﷺ – كما اتضح لنا من الموقف السابق – أن تجتمع على الطعام لأن في اجتماعنا على الطعام بركة.
ولقد علم الأعداء أن من منهج الإسلام أن يجتمع الناس على الطعام، وخاصة أفراد الأسرة الواحدة، أو الأقارب، أو الأحباب، ومن هنا تفنن أعداء الإسلام في وسائل القضاء على هذه البركة وما الواجبات الخفيفة التي انتشرت وجذبوا إليها الأطفال والكبار إلا إحدى هذه الوسائل، لذا فمن أقوال ﷺ : في هذا الشأن،« أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي».
ومن وسائل إحلال البركة المرتبطة بالطعام
- غسل اليدين: وذلك مستحب اشترطه الإمام مالك إن كانت اليد ملونة، لأن اليد لا تخلو من التلوث المتسبب عن تناول الأشياء وهكذا يجعل الإسلام من النظافة عبادة، ووقاية وسلوكًا حضاريًا.
- اصطحاب نية التقوي بالطعام: على طاعة الله تعالى وألا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا تشبع، ففي ذلك بركة في الطعام والصحة.
- ذكر اسم الله والأكل باليمنى مما يلينا، لقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة:« يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك» «رواه البخاري.». ولقوله ﷺ أيضًا:« إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره» . (رواه أبو داود). ومن هديه ﷺ في الأكل باليمين والشرب بها، قوله ﷺ:«إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه واذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله». «رواء مسلم».
- إجابة الداعي والأسبق أو الأقرب بابًا: فمعلوم أن المسلمين في شهر رمضان يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، فإذا دعاك أكثر من شخص إلى الطعام فالأحق بإجابة الدعوة الأسبق في الدعوة أو الأقرب إليك بابًا، لقوله ﷺ « إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابًا، فإن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق». «رواه أبو داود».
- إطعام الجائع والمحتاج: فمن وسائل إحلال البركة إطعام الجائعين والفقراء والمساكين والمحتاجين، لأن الله عز وجل يضاعف الصدقات:﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [ سورة البقرة: 261] .ومن التصرفات المؤلمة في عصرنا الحالي أن يترك الفقراء فلا يدعون إلى الطعام، مع أنهم غير قادرين، بينما يدعى إلى الطعام الأغنياء وهم قادرون على شراء الطعام وتوفيره، وقد حذر رسولنا الكريم الرحيم من ذلك، فقال شر الطعام طعام الوليمة يُدعى لها الأغنياء، ويترك الفقراء «رواد البخاري ومسلم».
- إطعام الخدم مما تأكل: وفي ذلك يقول ﷺ:« إذا جاء خادم أحدكم بطعامه. فليقعده معه، أو ليناوله منه فإنه هو الذي ولي حره ودخانه»...
- إنهاء الطعام بذكر الله وشكره: فقد كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من طعامه قال:« الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين». «رواه أبو داود والترمذي».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل