; طويل العُمُر ! | مجلة المجتمع

العنوان طويل العُمُر !

الكاتب سلمان بن فهد العودة

تاريخ النشر الجمعة 23-ديسمبر-2011

مشاهدات 3

نشر في العدد 1981

نشر في الصفحة 54

الجمعة 23-ديسمبر-2011


مقال


سلام الله عليك.. نعم أجدني متشبثاً بالحياة حتى آخر نفس، أريد أن أعيشها طولاً وعرضاً بعمقها وإتساعها. أريد أن استمتع -دون وسيط ودون تأخير- بكل التحولات التاريخية التي سيشهدها نصف قرن قادم.

وحتى الأحداث العادية واليوميات هي مصدر بهجة لا تنضب أقرأ فيها رحمة الله وعدله، وقرب فرجه للمحرومين والمسحوقين، ومأسوري الأجساد والأرواح

أريد أن أشاهد بدهشة وحماس كل المآلات التي سيصير إليها عالم أنتمي إليه وأحبه، وأمقت تخلفه، وأقرأ الحدث كاملا غير منقوص بعد أن شهدت بداياته، وقرأت حروفه الأولى.

أي صورة ستتكون الخيال ذهب بعيداً وحلق، لكن الشأن أن يصبحالخيال حقيقة، وأن يتهيأ لقفزة أخرى. لكن إلى أين؟

أريد أن أشهد وجوها جديدة في الحياة؛ من صبية كبروا، وكبروا وشمروا عن سواعد الجد، وخاضوا التجربة بكل ثقة، ونزلوا يخطرون بكبرياء التواضع!

وأن أرى التاريخ يتوقف لهم، ويمنحهم حق الحياة، والمجد والخلود.

أريد أن أتحدث عن آخرين قدّموا التضحيات الجسام بتفان وتجرد، ولم يطيلوا الحسابات، ولا راودتهم أحلام التصدر، ولا أصاخوا لإغراء السلطة والمال والجاه، فأصبحوا صلوات يتلوها الناس، وقامات تتقاصر دونها الأعناق وخطت أسماؤهم بمداد من نور على صفحة الأيام!

أريد أن أشهد واقعاً مزمناً، ظنه الناس سرمداً لا يزول كيف أنطوى وأصبح سطراً قصيراً في كتاب التاريخ لا يكاد يتبيّنه القارئون!

أريد أن أرى صورة مختلفة غير تلك التي تقابلني كل صباح.

أبتغي المزيد من الساعات الممتدة لأعب من متع الحياة المبذولة بنشوة وفرح كلما أمكنني ذلك دون تذمم مادمت مرتاح الضمير، دائراً في الحد، الذي خطه لي قلم التكليف.

أريد أن أظل مندفعاً للعطاء، دون إنتظار مكافأة من مخلوق.

أشعر أنني كلما قدمت كلمة طيبة أو إرشاداً، أو مشورة، أو دعماً نفسياً.. أنني أمتد وأسمو، وأقطف من شجرة السعادة أينع الثمار وأطيبها، وأشرب من مائها الغدق حتى أرتوي.

أريد أن أفرح بثياب أستجدها ، وكأنها أول كسوة تلامس جسد ابن البادية.

وأن أفرح بطعام جيد ألتهمه، وكأنه أول وجبة يتبلغ بها ابن الحقل.

أريد أن أفرح بمعلومة جديدة، وكأنها شاردة، وكأنها أول لمسة نورانية يهتز لها عقل طفل حديث العهد بالحياة.

أريد أن أتعلم كيف أستخدم التقنية الحديثة من أحد أحفادي، وكأنني بين يديه طفل صغير لا يستنكف من التوبيخ والضحك على بطء فهمه وعجزه عن الإستيعاب.

السنين التي قضيتها من عمري جعلتني أخبر الحياة، وأسبر أغوارها، وأعرف جيدها ورديئها، وأتفحص طرائقها؛ فأنا اليوم أشد وعياً، وأرسخ عقلاً، والعمل الذي أعمله بالأمس أختصره اليوم زمانا وجهداً، وأمنحه فكرة أرقى.


وأرى الليالي ما طوت من شرتي زادته في عظتي وفي إفهامي مرت ليال سود، وأيام عسيرة قاتمة لم أفقد فيها إيماني بربي وثقتي بأنه يصنع لي الأفضل، ولو لم أستوعب أبعاد المقاصد العليا ساعة حدوثها.

كنت -دوماً- متأكداً أن الزمن يسير في صالحي، ما دمت أريد ذلك، وأعتقده وأظنه بالمدبر الحكيم.

تعلمت من هذا ألا أسى على فائت ولا أتشاءم من واقع؛ ففي طيات ما تكره ألوان من اللطف والفيض، والمنحوالعطاء.

لك الحمد مهما أستطال البلاء

ومهما أستبد الألم

لك الحمد إن الرزايا عطاء

وإن المصيبات بعض الكرم

ألم تعطني أنت هذا الصباح

وأعطيتني أنت هذا السحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتجزع إن لم يجدها الغمام؟!

جمال الحياة أن أعيشها كما هي لا كما أريد لها أن تكون.

وجمال المتعة أن أقتطفها بخفة وحبور، لا أعطي هواجس المستقبل فرصة لحرماني منها.

تكدّر صاحبي عندما تذكر الأخطار المحيطة به، وبالحياة من حوله.

أما أنا ففلسفتي: «أحسن الإستمتاع بالنعمة قبل رحيلها».

الرابط المختصر :