; منذ الاحتلال وحتى اليوم.. كيف تعاملت الحكومات الصومالية مع الأزمة؟ | مجلة المجتمع

العنوان منذ الاحتلال وحتى اليوم.. كيف تعاملت الحكومات الصومالية مع الأزمة؟

الكاتب حسن حاج محمود

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

مشاهدات 56

نشر في العدد 1327

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 24-نوفمبر-1998

عندما أعلن عام ١٩٦٠م عن توحيد شطري الصومال الجنوبي والشمالي في دولة واحدة باسم جمهورية الصومال، وعلى الرغم من أن الدولة الجديدة والفتية اتخذت خطوات سياسية، لإيجاد حلول لهذه المشكلة تمشيًا مع رغبة الجماهير، إلا أن الضعف العسكري للصومال والظروف الدولية المساندة لإثيوبيا قد جعلت القيادة الجديدة عاجزة عن التحرك، فقد أجرت في عام ١٩٦١م استفتاء شعبيًّا لدستور الجمهورية، الذي ينص في أول بنوده على وجوب توحيد الأراضي الصومالية، وتحرير الأجزاء المحتلة، ومهما كانت القناعات السياسية للقادة، فإن مما لا شك فيه أن الحكومات المدنية السابقة لم يكن باستطاعتها اتخاذ مواقف سياسية لا تخدم المناطق المحتلة، بل كان في مقدمة البرامج الانتخابية موقف الحكومة المتوقعة من الأراضي المحتلة، وهذه هي مواقف الحكومات المدنية التي قادت البلاد مدة تسع سنوات.

• حكومة عبد الرشيد علي شرماكي: أولت قضية الأراضي المحتلة اهتمامًا كبيرًا، وقال بعد تعيينه رئيسًا للحكومة: «إن اتحاد جميع المناطق الصومالية أمر لا بد منه، وأرجو أن يحصل ذلك بالطرق السلمية، وبعد ثلاث سنوات من عمر الحكومة الصومالية اندلعت المعارك بين الصومال وإثيوبيا في عام ١٩٦٤م، وتوقفت المعارك بعد وساطة إفريقية في مؤتمر لاجوس في فبراير عام ١٩٦٤م، وأظهرت هذه المعركة الضعف العسكري الصومالي، والمساندة الغربية القوية لإثيوبيا؛ حيث شارك في هذه المعارك طيارون من أمريكا وبريطانيا، ومن جانب آخر، فقد قطعت العلاقات الدبلوماسية بين الصومال وبريطانيا، بعد قرار الحكومة البريطانية إلحاق منطقة أنفدي إلى كينيا.

• حكومة عبد الرزاق حاج حسين الأولى والثانية كانت مواقفها واضحة تجاه الأراضي الصومالية المحتلة، فقد رفضت الانضمام إلى اتحاد شرق إفريقيا، بسبب أن بعض الدول أعضاء الاتحاد تحتل أرضًا صومالية، ولا يمكن الجلوس مع المحتل، وفي عرض برنامج حكومته قال: «إن حق تقرير المصير للمناطق الصومالية المحتلة سيكون أولى اهتمامات حكومتي، وقد عينت وزيرًا مهمته تنسيق الجهود الوطنية المتعلقة في هذا الموضوع، أما الحكومة الثانية لعبد الرزاق حاج حسين، فقد تزامنت مع تأسيس حلف عسكري بين إثيوبيا وكينيا لمواجهة التهديدات الصومالية، وقال يومها عبد الرزاق حسين معلقًا على الحلف الجديد: «الأحلاف العسكرية لا تؤدي إلى حل المنازعات الناشئة عن مشكلة الحدود القائمة بين الصومال والدولتين المجاورتين، وإن هذا الحلف يعرض السلم والاستقرار السياسي في المنطقة للخطر».

هذا وقد واصلت حكومة عبد الرزاق نهج سلفها تجاه الأراضي المحتلة دون تغيير يذكر.

• حكومتا السيد محمد حاج إبراهيم عقال: انتهجت النهج نفسه في سياستها المعلنة تجاه الأراضي الصومالية المحتلة على الرغم من محاولاته العديدة للتقارب مع النظام الإثيوبي، والتنازل عن سياسة القطيعة، إلا أن هذه المحاولات لم تسفر عن شيء، وفي أثناء عرضه لبرامج حكومته قال: «إن موقفنا من الأراضي الصومالية التي لا تزال تحت نير الحكم الأجنبي لهو من الأهمية بمكان؛ لأنه يشكل جزءًا من سياستنا القومية، ولا مناص من أن يعكس أثرًا فعالًا في علاقتنا الخارجية».

هذه هي المواقف السياسية المعلنة للحكومات المدنية التي تولت زمام الحكم خلال تسع سنوات، ولم تستطع هذه الحكومات تشكيل جبهة قوية تناضل من أجل استعادة المناطق المحتلة، وكان هناك حزب نصر الله والجبهة الوطنية لتحرير أنفدي، وجبهة تحرير الساحل الصومالي، وبعد انتهاء الحرب في عام ١٩٦٤م اضمحلت هذه الجبهات تلقائيًّا، بسبب الضعف العسكري للصومال الذي اتفق الغرب على عدم إمداده بالسلاح، وبالمقابل المساندة السخية للغرب لإثيوبيا حتى شارك في القتال طيارون من أمريكا وبريطانيا، وكانت الصومال تبحث عن مصدر آخر للأسلحة غير الغرب في هذه المرحلة.

والسؤال المطروح: هل كانت المواقف التي اتخذتها الحكومات المدنية تجاه الأراضي المحتلة مبنية على قناعات معينة؟ أم كانت مجرد استهلاك محلي وكسب أصوات الناخبين؟

يمكن القول: إن بعض القيادات السياسية كان هدفها كسب الناخب، ولكن في الوقت نفسه كانت هناك قيادات سياسية تترجم الطموحات القومية للشعب الصومالي، وترفض التنازل عن تطلعات الشعب الصومالي، وكانت حكومة السيد محمد حاج إبراهيم عقال تنتهج سياسة تهدف إلى إرضاء الغرب مما أدى إلى معارضته للحركات التحررية في إفريقيا، «عندما شكلت في عام ١٩٦٧م حكومة السيد عقال لم يكن اتجاهها السياسي نحو الغرب يختلف عن اتجاه حكومتي إثيوبيا وكينيا، لذا رأت أمريكا أنه من صالحها أن تربط الحكومات المتشابهة الاتجاه بعجلاتها في دائرة واحدة تحت رعاية وكالة التنمية الأمريكية»، وفي خطاب ألقاه السيد عقال أثناء زيارته لأمريكا في عام ١٩٦٨م إثر مذابح جماعية ارتكبتها الأقلية البيضاء في روديسيا قال: «إن على زعماء إفريقيا ألا يفقدوا أعصابهم في مسألة شنق خمسة إفريقيين في روديسيا»، وفي أثناء زيارة نائب رئيس الولايات المتحدة السيد همفري إلى الصومال قال: «إن أيان سميث رئيس حكومة الأقلية البيضاء في روديسيا يجب أن يقبل في منظمة الوحدة الإفريقية كعضو وكقائد إفريقي».

وقد أثارت هذه التصريحات زوبعة لا في الصومال وحده، بل على الصعيد الإفريقي، مما اضطر الحكومة الصومالية إلى إصدار مذكرة لتهدئة السخط وتقليل الاحتجاجات عليها.. ورغم هذا التوجه المعادي للحركات التحررية، فإن السيد عقال لم يكن باستطاعته التجرؤ على التنازل عن الأراضي الصومالية خوفًا من السخط الجماهيري.

الحكومة العسكرية «١٩٦٩م- ١٩٩٠م»

في ظل تذمر شعبي من الحكومات المدنية التي لم تستطع إيجاد حلول للقضايا الوطنية، وانشغلت بالتركة الاستعمارية، قام الجيش بانقلاب عسكري أطاح بالحكومة المدنية، وتوجه القادة الجدد شطر الاتحاد السوفيتي، وخلال مدة وجيزة استطاعت القيادة الجديدة الحصول على دعم عسكري من الاتحاد السوفيتي، مما قلب موازين القوى في منطقة القرن الإفريقي، حيث أصبحت القوات الصومالية أقوى قوة عسكرية في إفريقيا السوداء، فبدأت الدول المجاورة تتوجس خيفة منها، وتزامن مع هذا التنامي العسكري إحياء التطلعات الوطنية القومية للشعب الصومالي، وبدا النظام يؤسس الجبهات ويدربهم في معسكرات داخل الصومال على أيدي القوات المسلحة الصومالية تمهيدًا الخوض صراع طويل الأمد من جانب ذلك، تبنى النظام الصومالي القضايا التحررية في قارة إفريقيا، وبخاصة الشرقية منها والجنوبية، معلنًا الحرب على الاستعمار الغربي وأعوانه.

وفي عام ١٩٧٥م، بدأت الحركات التحررية تظهر بصورة واضحة، وبخاصة «جبهة تحرير الصومال الغربي، وجبهة تحرير ساحل الصومال»، وقد سبق ظهورهم حملة إعلامية ضد الاستعمار عمومًا، في المحافل الدولية، ولم تستطع الحكومة الفرنسية التي كانت تحتل الساحل الصومالي الصمود أمام هذه الحملة، واشتبكت مع القوات الصومالية المرابطة في منطقة لويعدو، إثر اختطاف عناصر من جبهة تحرير الساحل الصومالي، حافلة تحمل مجموعة من الطلبة الفرنسيين.

ومن جانب آخر، فقد نشطت جبهة تحرير الصومال الغربي في الداخل، وكذلك الجبهات المعارضة للنظام الإثيوبي مثل الجبهات الإريترية والأورومية والتجراوية بدعم من الحكومة الصومالية.

وفي عام ۱۹۷۷م اجتاحت القوات الصومالية منطقة الصومال الغربي وحررت جميع الأراضي الصومالية، ولكن بعد تدخل الكتلة الشرقية بصورة لم يسبق لها مثيل في إفريقيا، انسحبت القوات الصومالية بعد عام من التحرير بصورة عشوائية يكتنفها الغموض حتى الآن.

وبدأ النظام الصومالي يتنازل عن القضية بصورة تدريجية، وفي عام ۱۹۸۸م تم الاتفاق بين النظامين على وقف المساعدة للجبهات المعارضة بين الجانبين، ووقف الحملات الدعائية، ولم تتطرق الاتفاقية إلى قضية الأراضي الصومالية المحتلة، وشتان بين المعارضتين؛ فالمعارضة الإثيوبية كانت معارضة وطنية، تهدف إلى إطاحة النظام الدكتاتوري، وإقامة نظام ديمقراطي يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، بينما كانت المعارضة الصومالية قبلية تهدف إلى الانتقام، وأخذ الثأر من الخصوم مما دمر البلاد.

التراجع القومي عن التطلعات الوطنية

بعد سقوط النظام الصومالي، وسيطرة الجبهات القبلية المدعومة من إثيوبيا على البلاد، حدثت انتكاسة كبيرة في التطلعات الوطنية للشعب الصومالي، مما جعل الحديث عن الأراضي المحتلة نوعًا من العبث؛ لأن الجمهورية المستقلة، قد ذهبت أدراج الرياح، وخرجت جمهوريات قبلية تفقد كل مقومات البقاء، وأصبح المحتلون يديرون شئون الصومال، وتتنافس هذه الجبهات القبلية في التقرب من الحكومة الإثيوبية، وكسب رضاها، وتعود الانتكاسة التي أصابت التطلعات الوطنية والقومية للشعب الصومالي إلى الأسباب التالية:

1- السياسات القبلية التي انتهجها النظام الصومالي السابق، مما قتل الروح الوطنية لدى الشعب.

2- الجبهات المسلحة الصومالية التي ارتمت في أحضان إثيوبيا، والذين استخدموا في هدم الكيان الصومالي من قبل إثيوبيا، والواقع خير شاهد على عمالة الجبهات الصومالية.

3- استغلال جيبوتي كجمهورية مستقلة ذات سيادة بعيدًا عن الجسم القومي، حيث أصبحت اليوم مثلًا يحتذى به كل قبلي انفصالي يريد تمزيق الشعب الصومالي حسب طلب الأعداء.

4- خروج جبهات قبلية داخل المناطق المحتلة تدعو إلى الاستقلال بعيدًا عن الصومال، بل بعضها ينتقد الحكومة الصومالية السابقة، وكيفية إدارتها للصراع في المنطقة.

إن الأطروحات السياسية للجبهات الصومالية وأدبياتهم كلها، ترتكز على الفئوية والطائفية وسيادة المنطق القبلي على منطق الدولة، ولكن جميع هذه الأطروحات اصطدمت بالواقع الحقيقي، فإثيوبيا لم تكن يومًا من الأيام صديقة للصومال، ولن تكون كما توهم بعض قادة الجبهات والجمهوريات الوهمية، كما أن الأراضي الصومالية لا يمكن تحريرها إلا في ظل وحدة قومية للصوماليين.

والمرحلة الراهنة تتطلب خروج تيار وطني ينقذ الجمهورية الصومالية التي ينهش جسدها الذئاب الملبوسة باللباس القبلي، والذين يبتزون كل يوم قطعة من جسم الجمهورية، ثم البحث عن باقي الأراضي الصومالية.

ويرى بعض المحللين للشئون الصومالية أن الأيام القادمة ستشهد تطورات جديدة، وستخرج قوة وطنية لتغير الواقع الحالي الأليم الذي يعيشه الشعب الصومالي.

 

الرابط المختصر :