العنوان خلال ساعات قليلة تجولت فيها بين أجنحته.. كنت هدفًا لأسلحة «التنصير» الناعمة بمعرض القاهرة للكتاب!
الكاتب أمل زكريا
تاريخ النشر السبت 20-فبراير-2010
مشاهدات 58
نشر في العدد 1890
نشر في الصفحة 17
السبت 20-فبراير-2010
استجبت للعرض واشتريت شريط الفيديو و«الإنجيل» بجنيهين «0,4 دولار».. فأهداني البائع عددًا من المطويات التنصيرية!ا
آمن بالرب يسوع تخلص أنت وأهل بيتك، الدين مش بيتورث، لا يورث.. لازم، يجب، تعرفي عشان، لكي، تفرقي بين الصح والغلط، الصواب والخطأ.. مش معنى أنك ُ ولدت أنت وأهلك مسلمين أن تصبحي مسلمة.. لأنك ستحاسبين قدام، أمام، الرب على اختيارك..!!
كانت هذه الكلمات وغيرها- بالمعنى نفسه- تتناثر حولي من وجوه شابة.. تبتسم، في ترحاب شديد، رغم الحجاب الذي يوضح هويتي الدينية.. وتسعى لتقديم كل ما يمكن من تسهيلات وهدايا تديم التواصل بيننا بعد هذا اللقاء، الذي لم يكن يجري في إحدى الكنائس أو المحافل المسيحية، وإنما في محفل يعرف بأنه من أكبر المحافل الثقافية في الوطن العربي.. معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الثانية والأربعين، الذي أقيم بالعاصمة المصرية في الفترة من 28 يناير الماضي إلى 13 فبراير الجاري!
البداية كانت من بعض الأخبار التي تناقلتها وسائل إعلامية ومنتديات إلكترونية عن انتشار الأنشطة التنصيرية في المعرض، ما أغراني بالبحث بنفسي حول هذا الأمر، فعزمت على التوجه إلى المعرض، ومنذ خطوت بقدمي داخل أرضه الواسعة راحت عيني تجول في كافة الأرجاء، أبحث عن هؤلاء المنصرين.
عروض مغرية!
قصدت صالة 3، إحدى كبريات صالات المعرض إن لم تكن أكبرها على الإطلاق حيث توجد العديد من المكتبات المسيحية، مثل: دار الكتاب المقدس، والمكتبة القبطية، ومكتبة الخلاص، ومكتبة بافلي، ومكتبة الإخوة..
وهناك تطالعك العروض المغرية حيثما وجهت ناظريك.. أربع مطويات تنصيرية
تعرف بمبادئ المسيحية لغير المسيحيين بجنيه واحد فقط، أقل من 0,2 دولار تقريبًا، الإنجيل وشريط فيديو عن حياة المسيح عليه السلام بجنيهين، 0,4 دولار، الأمر الذي يغري بعض المسلمين بشرائه طمعًا في اقتناء شريط الفيديو منخفض الثمن للتسجيل عليه.
استجبت للعرض واشتريت شريط الفيديو والإنجيل، ولكن العرض لم يتوقف عند السعر المنخفض، فبالإضافة إليهما، أهداني البائع- الذي ترك زبائنه من المسيحيين وتفرغ للاهتمام بي تمامًا- عددًا من المطويات تحمل كلها معاني تنصيرية تحت العناوين التالية:
1- هل من طريق لأكون مقبولاً أمام الله؟«.. وعلى ظهر الغلاف كتب: أشجعك أن تقرأ الكتاب المقدس لتجد لنفسك فيه الطريق الوحيد للقبول أمام الله.
2- الحقائق الثلاث الأساسية في الإيمان المسيحي.. وهي بحسب المطوية- التي نصحني البائع بقراءتها قبل قراءة الإنجيل حتى أستوعبه بشكل صحيح- الثالوث، ولاهوت الابن، وكفارة المسيح.
3- المبادلة الإلهية العظيمة.. موت يسوع المسيح الفدائي على الصليب.. وفي مقدمته كُتبت دعوة قيل فيها: فدم الرب يسوع دعوة تشمل الجنس البشري كله.. فمهما كانت طبيعة مشكلتك وثقل حملك الله يقدم لك الجواب.. لكن هناك مكانًا واحدًا فقط تجد فيه هذا الجواب، إنه الصليب حيث مات يسوع.. فمن خلال الصليب، والصليب وحده، تستطيع الحصول على ما يسد احتياجاتك، ويحل مشكلتك ويخفف حملك.. اقرأ الصفحات التالية متوقعًا الحصول على بركة عظيمة.
4- استحالة تحريف الكتاب المقدس.. التي تسوق بعض ما تقول إنها أدلة تاريخية وأدلة من علم الآثار تشهد باستحالة تحريف الإنجيل«، على حد قول المطوية.
5 -وأخيرًا كارت دعاية به وسائل التواصل مع المكتبة كتب عليه: آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك.
شاشة عرض
حملت ما أهداني إياه البائع وأنا أبرر لنفسي: وما المشكلة في هذا؟ إنه بائع يروج لمنتجات مكتبته أيًا كان محتواها وأنا من توجهت إليه للشراء.. لم يجبرني على ذلك، ولكن قطع علي حواري الداخلي ضجة وجلبة وضحكات أطفال تأتي من أحد أركان صالة 3 نفسها، فتتبعت الصوت حتى وجدت نفسي أمام شاشة عرض فيديو عن حياة المسيح عليه السالم، تبث قصصًا وبجوارها عدد كبير من الأطفال المسيحيين والمسلمين وذويهم يلتفون حول بعض الشباب المسيحيين الذين يلونون للأطفال وجوههم برسوم زاهية مجانًا.
وغير بعيد عن هؤلاء، مكان آخر حمل شعارًا كبيرًا لقناة Sat7، سات 7، المسيحية، والمذيع يصور مع عدد من الأطفال المسيحيين والمسلمين الذين يمزح معهم، ويوزع عليهم بالونات وشعارات للقناة مجانية.
لم يكف هذا أيضًا ليقنعني بوجود ما وصفته وسائل الإعلام بـ«أنشطة تنصيرية» في المعرض، فقررت اتخاذ خطوة أكثر جرأة، وخرجت أبحث عن أفرع المكتبات المسيحية في صالات العرض المكشوف والتي قيل: إن هذه الأنشطة تتمركز فيها.
نسخة من «الإنجيل»
توجهت إلى أحد رجال الشرطة المنتشرين في المعرض وسألته عن تلك المكتبات فقابلني بنظرة استنكار متسائلاً: هو أنتي مش مسلمة، ألست مسلمة؟!
فأشرت إلى حجابي قائلة: حضرتك شايف إيه، ماذا ترى؟!
فسأل ثانية: أمال عايزاهم تعملي بهم إيه، إذًا لماذا تريدينهم؟
فأجبته بأني طالبة بكلية فنية وأبحث عن صور لرسوم قبطية قدمية.
فحذرني: ماشي، لا بأس.. هم قدام سور الأزبكية، لكن.. خدي بالك من نفسك، انتبهي لنفسك..
رسمت علامات التعجب- المصطنع طبعًا - وسألته: ليه، لماذا؟(.. هل سأخطف مثلاً؟
فرد: لا.. لكنهم يغسلون مخ الشباب وينصرونهم.. خدي بالك، انتبهي، ولا تسمعي كلامهم.
فشكرته وتوجهت إلى حيث أشار.. وهناك وجدت ما كنت أبحث عنه، فكل مكتبة بها ما لا يقل عن سبعة من الشباب المسيحي، الذين يبدو عليهم بشكل قاطع أنهم ليسوا عمالاً ولا موظفين بالمكتبة، بل خريجو جامعات على قدر عال من الثقافة.
وفي فرع مكتبة الإخلاص استقبلني عدد من هؤلاء بابتسامات عريضة وترحاب شديد، عرفتهم بنفسي بذات التعريف الذي قلته للشرطي، فعرضوا علي تصوير الأيقونات من أغلفة الكتب الموجودة بالمكتبة توفيرًا للشراء، ثم قدم لي أحدهم نسخة من الإنجيل ذات شرح وتفسير مبسط بسعر مخفض جنيهين اثنين فقط، فأخذته، فأهداني معه قلمًا كتب عليه: آمن بالرب يسوع تخلص أنت وأهل بيتك، وأخذ يشرح لي معنى الجملة، وكيف أستخرجها بشرحها من الإنجيل، بالإضافة لبعض المطويات التي ذكرتها سابقًا.
الحقائق الثلاث!
تركت مكتبة الإخلاص وتوجهت إلى مكتبة الإخوة، المجاورة، وهناك استقبلتني فتاة تدعى هبة، راحت تبحث معي عن الأيقونات التي أريدها، ثم سألتني فجأة: هل اقتنيت الإنجيل؟«، فأجبتها: بـ«نعم»، فأهدتني كتاب «الحقائق الثالث في الإيمان المسيحي».
قائلة: هذا هدية من المكتبة لأنه لا ينفع أن تقرئي الإنجيل من غيره.. شكرتها وهممت بالانصراف، فاستوقفتني قائلة: لكن جميل أن تقرئي الإنجيل، وتهتمي بشرائه مع أنك مسلمة.. الدين مش بيتورث، لازم تعرفي عشان تفرقي بين الصح والغلط، مش معنى إنك اتولدت وأهلك مسلمين إنك تبقي مسلمة، لأنك هاتتحاسبي قدام الرب على اختيارك.
كنت أرغب في استدراجها أكثر فتماديت قائلة: طبعًا.. أكيد.. عشان كده، لأجل هذا، أنا اشتريت الإنجيل، فأبدت حماسًا شديدًا مرددة: رائع.. يا ريت، ليت كل ّ الناس زيك، مثلك.. لأن التعصب للدين، واتهام كل طرف للتاني، للآخر، بإنه غلط، خطأ ودينه كفر شيء مش كويس، أمر سلبي.
ودعتني بابتسامة عريضة وهي تشد على يدي وتعطيني بطاقة تحمل أرقام هواتف وعنوان المكتبة قائلة: بجد، حقًا أتمنى أن تستفيدي من قراءتك في الكتب المسيحية وتعرفي الصح فين، أين الصواب.
خرجت بعد أن تأكدت من وصولي لما جئت من أجله، وأنا لا أدري هل كنت في الساعات القليلة التي قضيتها بتلك الجولة هدفًا للتنصير أم كانوا هم هدفًا لقلمي؟!