; كلمات لها صدى- الشيخ حسن البنا... أيها العرب: اثبتوا للمحنة فإن النصر مع الصبر | مجلة المجتمع

العنوان كلمات لها صدى- الشيخ حسن البنا... أيها العرب: اثبتوا للمحنة فإن النصر مع الصبر

الكاتب الشيخ حسن البنا

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2005

مشاهدات 71

نشر في العدد 1655

نشر في الصفحة 46

السبت 11-يونيو-2005

هناك كلمات تظل- رغم تباعد الزمان- ذات صدى طيب فتنفذ إلى أعماق الواقع وتعالج علله.. ومنها تلك الكلمات التي خطها الشيخ حسن البنا يرحمه الله قبل سبعة وخمسين عامًا، وهي تمثل نموذجًا على ذلك»

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ, وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ, وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال: 45- 47).

يا أيها العرب.. ماذا تخشون؟

أتخشون أن تتألب عليكم الشعوب الطامعة، وتهضم حقكم الحكومات الجائرة, وتجتمع كلمة الأمم المختلفة على مناوأتكم, ويقول أعضاء مجلس الأمن كلمتهم في غير صفكم، وتفرض عليكم العقوبات الاقتصادية أو يسوقون إليكم القوات العسكرية؟ أتخشون هذا؟ ولكم في سلفكم أحسن الأسوة وأكرم القدوة: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ, فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ, إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 173- 175), وهذا نفير الحق يدعوكم وكتاب الله يناديكم: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 13) وليس بعد قول الله تعالى قول لقائل، وليس وراء الله للمرء مذهب، فاثبتوا للمحنة واصبروا للشدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)،  ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران: 139).

إن بين الهزيمة والنصر صبر ساعة لن تتقدم فيها آجال أراد الله أن تتأخر, ولن تتأخر فيها أعمار شاء الله لها أن تنقضي: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾ (آل عمران: 154),  وإنما هي مواقف الكرامة ومعالم البطولة والشهامة يمتحن الله بها عباده الصادقين: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154).

فصبرًا في مجال الموت صبرًا أيها الأبطال من أبناء يعرب, حتى يفتح الله بينكم وبين الناس بالحق وهو خير الفاتحين: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21)، والله الذي لا إله إلا هو لن تُغلَبوا من قلة، فأنتم كثير كعديد الطير، ولن تُغلَبوا من فقدان عدة، فإن معكم قوة الله التي لا تُغلَب, وجنده الذي لا يُهزَم: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (المدثر: 31), ﴿ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ (الفتح: 7), ولكنكم تُغلبون من أمرين اثنين: أن تختلفوا وتتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، أو أن تفسد النيات وتلتوي المقاصد, وتحل الدنيا في قلوبكم محل الآخرة, فيتأخر عنكم النصر ويتخلف المدد الإلهي والتأييد الرباني ولا ينفعكم بعد ذلك شيء: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران: 160)

ولا نستطيع أن نتصور رجلًا واحدًا يؤمن بالله ورسوله، حاكمًا كان أو محكومًا، تختلج نفسه في هذه الساعات الحاسمة من تاريخنا بغير الفناء في الجماعة والنزول على أمر الله والعمل للنصر بأي ثمن, وليكن بعد ذلك ما يكون، ولقد عرض الله علينا من سيرة أسلافنا ما يرد الأبصار الطامحة ويلجم النفوس الجامحة: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 152).

فيأيها العرب.. اثبتوا للمحنة، فإن النصر مع الصبر واجمعوا كلمتكم وأخلصوا نيتكم وطهروا قلوبكم.. واستقيموا على أمر الله ولا ترهبوا بعد ذلك أحدًا.. ولا تنزلوا على حكم الكافرين, كائنين من كانوا، ولا تعبئوا بتهديد أو وعيد، وكونوا مع الله يكن الله معكم: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾ (الحج: 40)، والله أكبر ولله الحمد.

الرابط المختصر :