العنوان كشف البلاء.. الحلقة الثالثة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 08-ديسمبر-1991
مشاهدات 54
نشر في العدد 979
نشر في الصفحة 36
الأحد 08-ديسمبر-1991
قال تعالى: ﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ (سورة التكوير: 9). خروج الناس إلى الشوارع مهللين دامعة عيونهم. «ظلم الطاغية على جسد هذا الشهيد».
يُلاحَظ في هذه المرحلة الأمور التالية:
- استجابة
دعاء المكروب.
- الإعراض
ونسيان العهد مع الله من فئة «قليلة في المجتمع» لم تستفد من التجربة،
والمتمثل بعدة صور منها:
أ
- جحود النعمة.
ب
- البغي. جـ
- النسيان. د
- قسوة القلب.
هـ
- العودة للمعاصي.
و
- نكث العهود.
- استفادة
البعض من البلاء، وإيفاؤهم بالعهد على الثبات والاستقامة، ونسأل الله أن تكون
هي الفئة الأكثر في المجتمع.
استجابة الدعاء:
وبعد هذا الإقبال على الله والذي لم تشهد المنطقة نظيرًا له.. لا بالكم ولا بالنوع، وبعد صدق الدعاء، والإخلاص فيه والتذلل والاستكانة بين يدي الله تعالى، وعودة الكثيرين إلى الصراط المستقيم، أنجز الله وعده، وكشف الغمة، وأزال الكربة، وكلها من أهداف البلاء الذي يقدره الله سبحانه على العباد لقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (سورة السجدة:21).
فلقد أنجز الله وعده بعد أن أدرك أهل الكويت أهداف البلاء فعادوا إليه سبحانه وتعالى وسلكوا طريقه، نادمين على ما كان منهم، قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (سورة النمل: 62).
يقول سيد رحمه الله: «أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ، وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ؟ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ؟ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ»... فيلمس وجدانهم وهو يذكرهم بخوالج أنفسهم، وواقع أحوالهم. فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء، ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد، وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردًا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص، لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده، وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه أو تخلى، وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى.. في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء. فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، هو وحده دون سواه، يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق».(1)
ويذكر سبحانه وتعالى من أيوب عليه السلام حين مسه من البلاء ما مسه فاتجه إلى الله تعالى فكشف عنه ضره. ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ (سورة الأنبياء: 83-84).
يقول ابن كثير: يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد كثيرة ومنازل مرضية فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره ثم ابتلي في جسده يقال بالجذام في سائر بدنه ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله عز وجل حتى عافه الجليس وأفرد في ناحية من البلد ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجته كانت تقوم بأمره ويقال إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل» وفي الحديث الآخر «يبلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه» وقد كان نبي الله أيوب عليه السلام غاية في الصبر وبه يضرب المثل في ذلك.(2)
صورة الاستجابة
وكانت استجابة الله تعالى لدعاء أهل الكويت المظلومين عجيبة من عجائب الزمان، أسكتت كهنة السياسة الذين كانوا يجزمون بعدم عودة الكويت إلى أهلها، وسيكون شأنها شأن فلسطين، وزنجبار، وجزر الفلبين، والتي سكت عنها العالم تمامًا، وكأنها أصبحت شرعية لمغتصبيها.
وشاء الله بقدرته أن يسخر جيوش العالم من غير المسلمين والمسلمين والعرب من أطراف العالم للوقوف مع المظلوم، وقذف الرعب في قلوب الجيش العراقي قبل دخول جندي واحد من جنود الحلفاء، ليرى أهل الكويت، ويقر الله أعينهم، ويريهم استجابته لدعائهم قبل دخول جيش الحلفاء، دربهم الهروب الكبير والذعر بين صفوف جيش الطاغية، مشكلين بذلك لوحة طبيعية كبيرة «لأم الهزائم» تاركين وراءهم أسلحتهم الثقيلة والخفيفة، ولشدة الزحام واستعجال الهروب للخوف والرعب الذي ملأ قلوبهم، قتل بعضهم بعضًا، قبل أن تحصدهم طائرات الحلفاء.
وكان الله قادرًا على أن يجعل الجيش العراقي صامدًا يقاتل في التحصينات الكبيرة التي أذهلت المراقبين العسكريين لعظمتها، حتى تحدث بعد ذلك مجزرة عظيمة، بين صفوف المدنيين قبل العسكريين، ولكن الله ستر ورحم، وقدر غير ذلك، قدر الاستجابة لدعاء المظلومين، مرتقبًا ما عاهدوه عليه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (سورة يونس:22).
بداية الإعراض
ولكن ما الذي حدث بعد تلك الاستجابة من فئة قليلة من الشعوب؟! حدث الإعراض الذي حذرنا الله تعالى منه في حالة كشف البلاء. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ (سورة الإسراء:67). ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (سورة العنكبوت:65). ﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (سورة يونس:23). ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ﴾ (سورة يونس:12). ﴿ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُم إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (سورة النحل:54). ﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (سورة المؤمنون:75).
يقول سيد رحمه الله: ولكن الإنسان هو الإنسان، فما أن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى الله، وتتقاذفه الأهواء وتجرفه الشهوات، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ (سورة الإسراء:67) إلا من اتصل قلبه بالله فأشرق واستنار. وخرج الناس إلى الشوارع مهللين فرحين بكشف البلاء دامعة عيونهم غير مصدقين ما يرون بأعينهم من تحرير الكويت، خرج الناس يرفعون أعلام الكويت بأيديهم وعلى سياراتهم، وما كان هذا داخل الكويت فحسب بل عمَّ كل بقعة فيها كويتيون، وخر الصالحون سجودًا لله تعالى بنعمة التحرير، واستقبلوا شهر رمضان بلا كهرباء ولا ماء، ولكن بوطن محرر من الطاغوت الذي لا يعرف الله تعالى، فبالرغم من ندرة الطعام والماء وانعدام الكهرباء، إلا أنه كان أجمل رمضان عاشه أهل الكويت. وما أن انتهى رمضان وابتدأت الحياة تعود رويدًا رويدًا إلى الكويت كأنها خيوط الفجر الذي يشق ظلام اليوم الذي انتهى حتى عادت تلك الفئة القليلة من الناس إلى ما كانوا عليه، ولم تغيرهم نار الفتنة فقلت صفوف الصلاة في المساجد، وقل القارئون للقرآن الكريم، وعاد المكياج إلى وجوه النساء، وعادت طوابير المغازلين إلى الأسواق المركزية، وانتشر التأمرك في كل مكان على صورة «التي شيرت» الذي يلبسه الرجال والنساء، وعاد التلفزيون يعرض ما يغضب الرب سبحانه وتعالى، من الرقص والمجون والبرامج الساقطة وكأننا ما خرجنا من بلاء ودون مراعاة لمشاعر أسر الشهداء والأسرى والمفقودين.
وبدت مظاهر من التبرج فاضحة على النساء، وبدأ البعض يمارس الظلم على الجنسيات التي أيدت حكوماتها الطاغية، من غير ذنب اقترفوه كشعب، وأكمل هذا الإعراض تلكؤ الحكومة فيما عاهدت به من الاحتكام لشريعة الله تعالى، وظهرت الكثير من مظاهر البغي، كسرقة الممتلكات الخاصة، للبيوت الخالية من أهلها، وسرقة المحال التجارية، وسرقة قطع السيارات المتروكة، ومنع أزواج وأبناء الكويتية المتزوجة من غير كويتي من جنسيات الدول التي أيدت الغزو، منعوا من دخول الكويت فتفرقت آلاف الأسر، وتشتت شملها دون ذنب اقترفوه، في صور كثيرة تدل على الإعراض من البعض، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾ (سورة يونس:12)، فما أن جاء التحرير حتى نسوا الدعاء المصاحب لبقائهم وتوسلهم لله تعالى واستغاثتهم بأن يرفع البلاء، نسوا العهود والوعود، نسوا عندما تأكدوا أن البلاء قد رفع حقًا، بل إن بعضهم قد نسب التحرير إلى البشر وليس إلى الله تعالى.
يقول صاحب الظلال: «إنها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور.. وإن الإنسان ليظل مدفوعًا مع تيار الحياة، يخطئ ويذنب ويطغى ويسرف، والصحة موفورة، والظروف مواتية، وليس - إلا من عصم الله ورحم - من يتذكر في إبان قوته وقدرته أن هناك ضعفًا وأن هناك عجزًا، وساعات الرخاء ننسى، والإحساس بالغنى يطغى.. ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع، وإذا هو كثير الدعاء، عريض الرجاء ضيق بالشدة مستعجل للرخاء، فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لا يعقب ولا يفكر ولا يتدبر، انطلق إلى ما كان فيه من قبل من اندفاع واستهتار».(3)
استفادة البعض من المحنة
وهذا الإعراض لا ينطبق على الجميع، بل إن عددًا ليس بالقليل أيضًا ونرجو أن يكونوا هم الأكثر قد استفاد من المحنة، واعتبر من دروسها، وثبت على ما عاهد الله عليه لم يغير ولم يبدل، وبقي على ما كان عليه أيام المحنة من المحافظة على صلاة المساجد، وحب الصالحين والدعاة إلى الله، والتوبة من معاصيه، والصيام الأسبوعي، وقيام الليل، وغشيان مجالس الذكر والخير، والحجاب، وبدت مظاهر إيجابية جديدة في المجتمع تدل دلالة واضحة أكيدة على استفادة هذا البعض، منها إنشاء صندوق التكافل لرعاية الأسرى والشهداء ومطالبة بعض الصالحين بإنشاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإطلاق اللحى بين صفوف الجيش والشرطة، وتوقف البيع في بعض الأسواق المركزية أثناء الصلاة، وتغير نظرة الكثير للمتدينين خاصة بعدما رأوا الجهود التي قاموا بها أثناء الغزو، تأسيس الحركة الإسلامية الدستورية، زيادة عدد الخطباء والواعظين والأئمة من الكويتيين، عودة اللجان الخيرية للعمل بصورة أكبر من قبل، كل هذه الصور تؤكد أن بعض من كان على السفينة، لم يجرفه تيار الفرح بعد النجاة إلى اليابسة، بل ثبت فيما عاهد الله عليه وانطلق يذكر الناس بعهدهم مع الله تعالى.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ (سورة لقمان: 32)، يقول الشوكاني «فلما نجاهم إلى البر، صاروا على قسمين: قسم «مقتصد» أي موفٍ بما عاهد عليه الله في البحر من إخلاص الدين له، باقٍ على ذلك بعد أن نجاه الله من هول البحر وأخرجه إلى البر سالمًا، قال الحسن: معنى مقتصد مؤمن متمسك بالتوحيد والطاعة.»(4)
(1) الظلال 5/2658.
(2) تفسير ابن كثير 3/188.
(3) الظلال 3/1769.
(4) فتح القدير 4/245 - بتصرف.
- استجابة
دعاء المكروب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل