العنوان كذلك يضرب الله الحق والباطل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 05-فبراير-2011
مشاهدات 67
نشر في العدد 1938
نشر في الصفحة 31
السبت 05-فبراير-2011
بعد نوم طويل، وإغماءة كبيرة، ومحن كثيرة أصابت المسلمين في العصور الأخيرة، جاءتهم يقظة مرجوة الخير وصحوة مبشرة بالأمل، وشرع العامة والخاصة يمسحون عيونهم ويحركون أعضاءهم ويعملون على استئناف المشوار العتيد.
ونظر كل مخلص بحب إلى شباب الصحوة الناهض الذي يرمق المستقبل بأمل ويسعى إلى الأهداف بنشاط، وأخذ يتقدم في كثير من الميادين، ويزاحم ويسابق حتى لفت أنظار الحاقدين الذين تصوروا أن الأمة قد انتهت وأنها أضحت أنقاضاً تتهيأ للزوال، وجثة تنتظر المواراة، فإذا بهم ينظرون إلى فجرها وقد استيقظ، وإلى شمسها وقد تهيأت للظهور؛ فطار صوابهم، وخاب فألهم، وحاصروا اليقظة بالعقبات، ولفوها بالمتاعب، وهذه سنة النهضات، وطريقة الدعوات وصدق الله: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقِّ والْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ۱۷)
وتلك إرادة الله من قديم أن يصطرع الحق والباطل؛ ليتمايز الخبيث من الطيب، ولئن كان الصراع في مجمله مريرًا وشرسًا يحتاج إلى صبر وجلد ويقظة وتضحية، فإنه في النهاية يكون محمود العاقبة مضمون النتائج لصلابة الحق ووضوحه وسطوته، وصدق الله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زاهٌق﴾ (الأنبياء: ۱۸)، ورجال الحق صنف مميز يستطيع مجابهة العواصف، ومقارعة الخطوب، وتحمل التبعات، صنف يُعد لإنفاذ المهام الكبار، وينشأ لإزاحة الركام الهابط فلابد أن يمتحن ليختار، وينتقى ليكلف وصدق الله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ والصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد :۳۱)، ﴿ولِيُمَحَضَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤١).
عرف هذا الأنبياء والمرسلون فصبروا وصابروا وعملوا وجاهدوا، وجالدوا الباطل وكافحوا، وعلموا أن مع العسر يسرًا، وأن مع الضيق فرجًا، فازدادوا استمساكًا بدعوتهم وعقيدتهم، ودعوا إلى الخير وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وإن كان محفوفًا بالأخطار والمكاره، وكم قتل منهم من قتل، وعذب من عُذَب: ﴿فَمَا وَهَنُوا لَمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 141)، وقد صارح الأنبياء أتباعهم بوعورة الطريق وبعد المشقة ﴿أحسبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَتُونَ وَلَقَدْ فتنا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ (العنكبوت:2)، وأعلموهم أن هذا هو الطريق لانتشال أنفسهم من الفساد وإنقاذها من الذلة والهوان ﴿ومن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِي عَنِ ا.لعالمينَ﴾ (العنكبوت:٦)، وقد رأيت أمثال هذه المصارحات الرسولية عند كثير من المخلصين في العمل لإنقاذ أممهم وانتشال شعوبهم من وهدات المنكر، ولوثات الفساد.
﴿أحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت:٢)، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصر المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ ۖ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف10:14). أيها الإخوة قوة دعوتنا وحاجة الناس والبشرية إليها ونبالة مقصدنا، وتأييد الله إيانا.. هي عوامل النجاح التي لا تثبت أمامها عقبة، ولا يقف في طريقها عائق، ﴿والله غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنْ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١).
وبعد.. فإننا نعلم علم اليقين أنه لا صلاح للأمة إلا بالطهارة النفسية ونفي العبودية، وأن يعيش الناس أحراراً في ظل قانون لا يُفرق بين ابن الحاكم وابن الحائك وبين من يدعي أنه من سلالة تضع القانون ومن ينسل ممن يخضعون للقانون، وليعلم المغرورون أن عباد الله المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها ليسوا مستعدين أن يتبعوا قيصر» جديدًا يلبس عباءة الإسلام، وأن علماء الدين الذين يساعدون الدكتاتورية ويشغبون على الشورى ليسوا علماء ولا متدينين، وإنما هم قذى يجب تنحيته عن الطريق، ولقد عاد الاستبداد بعد الاستعمار من الباب الخلفي للأمة في أشكال دستورية مزورة، والحقيقة لا تخفيها القشور مهما تراكم حولها الذباب، ومهما أقام لها المنافقون الصلوات والتحيات، والإسلام وأمته أكبر من هذه الهالات الضالة، والأكاذيب الفاجرة التي يتوارى خلفها أصحاب الأهواء والشياطين والإسلام ودعوته وطبيعته لابد وأن تكتسح هذا الظلام، وتزيح هذا الليل الطويل، وإن طال الطريق، وبَعُدت الشقة فلابد من تمايز ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ من الطيب﴾ (آل عمران:۱۷۹) ولأن ما ينفع الناس في الأرض هو الباقي وهو الصلاح الدائم، وصدق الله ﴿ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد:17).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل