; المجتمع تفتح حوارًا حول: إقامة الدولة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع تفتح حوارًا حول: إقامة الدولة الإسلامية

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1988

مشاهدات 93

نشر في العدد 875

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 19-يوليو-1988

بناء القاعدة الصلبة أولى خطوات إقامة الدولة:

مصطفي مشهور:

يستفسر كثير من شباب الصحوة الإسلامية عن مسيرة الحركة الإسلامية خلال ستين عامًا، ماذا قدمت للأمة؟ وكيف تفاعلت الأحداث السياسية على الرقعة الإسلامية؟ وماذا عن هدفها المركزي إقامة الحكم الإسلامي في الأرض.. من أجل هذه التساؤلات التي يطرحها الشباب الإسلامي.. وبعد انتهائها من مناقشة أساليب تغيير المُنكر تفتح المجتمع حوارا جديدا حول «إقامة الدولة الإسلامية».. ونفتتح حوارنا مع الداعية الكبير المهندس مصطفى مشهور نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين وذلك كما يلي:

المجتمع: يتساءل بعض شباب الصحوة الإسلامية: لماذا لم تستطع الحركة الإسلامية تحقيق هدفها المركزي «إقامة الدولة الإسلامية» حتى الآن؟

مصطفى مشهور: ربما ساعد على بروز هذا التساؤل عند البعض عدم إحاطتهم بطبيعة وحجم هذا الهدف المركزي وهو إقامة الدولة الإسلامية، ويظنه البعض أنه مجرد إقامة حكومة إسلامية تحكم بشرع الله في قطر من الأقطار.

 ولكن مفهوم الدولة الإسلامية كما تتصوره الحركة الإسلامية، هو هذا الكيان العظيم القوي الذي تشمل قاعدته الوطن الإسلامي ويعلو ليستقر ويستمر ويتصدى ويصمد أمام كل قُوى الباطل، ويسترد كل شبر من أرض الإسلام اغتصبه أعداء الإسلام وعلى رأسه فلسطين والمسجد الأقصى ويبلغ رسالة الإسلام للناس كافة «حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله»، ولا بد لقاعدة هذا الصرح العظيم أن تكون صلبة قوية تتحمل هذا البناء الضخم ولا تنهار به، لا بد من نوعية متميزة من الأفراد المسلمين ومن الأسر المسلمة ومن المجتمعات الإسلامية القوية بإيمانها المترابطة برباط الحب والأخوة الإسلامية المستعدة للجهاد والتضحية في سبيل الله بالنفس والمال، ولما كان إعداد الرجال أشق من بناء المؤسسات والمصانع نجد أن هذه القاعدة من رجال العقيدة وجند الدعوة يحتاج إعدادها إلى أوقات وجهود ليست بالقليلة، والزمن هنا يقاس بعمر الدعوات والأمم وليس بعمر الأفراد.

وإذا أضفنا لذلك أن إقامة قاعدة البناء بصورة سليمة وقوية ومتينة يستلزم إزالة الركام أيضًا، هذا الركام الذي تراكم على الأمة الإسلامية والذي تمثل في تخريب الفرد المسلم حتى كاد ينسلخ من عقيدته وآداب إسلامه وتعاليمه، وكذلك تخريب الأسرة المسلمة والمجتمعات الإسلامية وبالتالي نظم الحكم في بلادنا الإسلامية.

ثم إن طبيعة المرحلة وهي الأساس المتين العميق وتغيير النفوس تغييرا جذريًّا وهي أهم مرحلة وأشق مرحلة في البناء لا يبدو معها البناء عاليًا واضحًا، فيظن البعض وكأن الجهود والأوقات السابقة تبددت دون عائد لأن الدولة لم تقم بعد.

ولا ننسَ أن الحركة الإسلامية تعرضت وتتعرض إلى تضييق وعنت كبيرين من الأعداء ومن يوالونهم، لو تعرض غيرها لعُشر ما تعرضت له لما استمر وواصل السير بهذا العزم وذلك الإصرار. 

ولعله لتوضيح هذه القضية أسوق هذا التشبيه للتقريب، فأقول: لو أن عندنا مساحة من الأرض فالفرق واضح بين أن يُبني عليها بيدنا من طابق واحد وبين أن يبنى على نفس المساحة ناطحة سحاب عريضة القاعدة وشامخة العلو فالوقت والجهد المطلوبان مختلفان.

المجتمع: هل وصلت الحركة الإسلامية بقدراتها الحالية إلى مستوى قيادة زمام الأمور ومعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها في المجتمعات الإسلامية؟

مصطفى مشهور: إن معالجة المشكلات التي تعانيها المجتمعات الإسلامية لن تكون إلا على أساس من شرع الله ومنهاج الإسلام وهذا ما: تدعو إليه الحركة الإسلامية، ولن يتحقق ذلك بالصورة الإيجابية إلا بتوفر السلطة التي تملك القدرة على تحقيق هذا العلاج، والحركة الإسلامية ليس لديها هذه الإمكانيات بل إنها تلاحق وتحارب وكثيرا ما حدث أن صودرت بعض إنجازاتها ونشاطاتها في المجالات المختلفة كالاقتصاد والتعليم والصحة وغيرها ومع ذلك نجد الصبر والمصابرة في محاولاتها المتكررة للإسهام في بناء مجتمعاتنا الإسلامية على أساس إسلامي صحيح.

والحركة الإسلامية تملك زمام المبادرة في تقديم الدراسات والحلول الإسلامية لهذه المشكلات والمطالبة الملحة والمستمرة من كل الأنظمة الحاكمة لتطبيق شريعة الله وهذا الحل الإسلامي لكل هذه المشاكل، وأخذت القناعة بأن الإسلام هو الحل تسري عند جماهير الشعوب والحمد لله. 

والحركة الإسلامية كلما توفَّر لها الجو الهادئ الآمن في أي مجتمع تقوم بمشروعات كثيرة ونافعة في مجالات مختلفة كالمدارس والمؤسسات العلاجية والتجارة والصناعة والزراعة والإعلام وغيرها، وتحوز ثقة الناس وإقبالهم في كل هذه المجالات بفضل الله ولولا ضيق ذات اليد وعدم الاستقرار لكان لهذه الأنشطة شأن آخر. 

المجتمع: الحوار والتفاهم السياسي بين المسلمين وغيرهم يقوم على أساس تبادل المصالح دون المبادئ فلماذا تأنف الحركات الإسلامية من الاستفادة من اللعبة السياسية التي تخطط لها وتنفذها الدول الكبرى، فتحاول بالتالي تمرير مصالحها الأساسية دون أن تواجه حربًا من تلك القوى؟

مصطفى مشهور: الحركات الإسلامية تعتبر المصلحة الأساسية عندها هي تحقيق مبادئ الإسلام وليس شيئًا من المصالح المادية التي هي المقياس عند الدول الكبرى كما يسميها البعض، ولقد حاول المشركون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنازل عن بعض ما جاء به من مبادئ الإسلام مقابل المعايشة وعدم محاربتهم له وللمؤمنين معه، لكنه لم يتنازل عن شيء من ذلك، وكيف والله تعالى يقول له ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾ (الزخرف:43) و يقول له أيضًا ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ ( المائدة:49) 

والحركة الإسلامية لا تتمنى لقاء العدو ولكن إذا لقيته تثبت كما وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتؤمن أن النصر في النهاية للحق وأهله والهزيمة للباطل مهما انتفش وإن احتاج ذلك إلى غير قليل من الوقت والجهد والجهاد.

وإذا تيسر تحقق فائدة للحركة دون انتقاص لمبادئ الإسلام فلا تتردد في الاستفادة منها، وأعتقد أن الدول الكبرى حاليًا لا تحدد مواقفها مع الحركات الإسلامية من منطلق المصالح الدنيوية أو المادية فقط كما هو الشأن مع غيرها من الدول، ولكن الذي نلمسه واضحًا أنها تحارب المبادئ التي تعتنقها الحركات الإسلامية ولا تريد للإسلام أن يسود، وقد وضح ذلك أشد الوضوح في تصعيد هذه الحرب بعد أن ظهرت هذه الصحوة الإسلامية الحديثة.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم عقد صلح الحديبية رغم ما فيه من حيف ظاهر للمسلمين، ولكنه لم يتضمن أي تفريط في جزئية من الإسلام وعقيدته، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة.

فلا يتصور أحد أن هذا الحذر من قبل الحركات الإسلامية من اللعبة السياسية التي

 تخططها الدول الكبرى وتنفذها وما فيها من مخاطر وخداع، فلا يفهم ذلك على أنه انغلاق وجمود وتصور في الوعي السياسي أو غير ذلك مما يحلو للبعض أن يتهموا به الحركات الإسلامية.

المجتمع: في نهاية هذا اللقاء القصير نشكركم على تفضلكم بالإجابة على أسئلتنا هذه وجزاكم الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :