الثلاثاء 14-مارس-1972
كتب جديدة
الاستشراق والمستشرقون
تأليف الدكتور مصطفى السباعي
هذا الباب نفتحه لقراء المجتمع، يقدمون فيه ما يعجبهم من الكتب التي يقرؤونها وينفعلون بها، وهي ولا شك؛ وسيلة تحمل قراء الصحف على قراءة الكتب، كما هي أيضًا طريقة لانتقاء الكتب ذات النفع الكبير، وعرضها للناس حتى يبرز الكتاب المفيد من بين هذا الركام الغث والسمين الذي يملأ المكتبات العربية.
ففي هذا الباب إذن، نتوقع من قرائنا أن يوافونا بعرض للكتاب الذي يستحسنونه عرضًا يبرز معالم الكتاب ويوضح أهدافه ويشوق القارئ إلى قراءته واقتنائه.
هؤلاء المستشرقون الذين ينشرون كتبهم ورسائلهم وآراءهم بين الفنية والأخرى والذين طبقوا الآفاق بسمعتهم وشهرتهم وعلو كعبهم وأصبحوا قادة لبعض مفكري العالم العربي والإسلامي، وأصبحت كلمتهم هي الكلمة الفاصلة، وأمسى رأيهم هو الفيصل الحق في أمور كثيرة، هؤلاء المستشرقون ماذا نعرف عنهم؟ هل اطلعنا على آرائهم ومحصناها ودرسناها؟ وهل بحثنا من خلال دراساتهم وكتبهم عن أهدافهم ونواياهم؟ هل تأكدنا أنهم مخلصون في أقوالهم صادقون في آرائهم؟ أسئلة تدور في خلدنا ونبحث عن أجوبة لهذه الأسئلة فلا نجد تلك الأجوبة إلا بعد عناء وجهد كبيرين، ذلك أن الذين اهتموا بالاستشراق والمستشرقين وكتبوا بإخلاص وأمانة في ما لهم وما عليهم قلة نادرة، ولعل من أهم الكتب التي تعني بهذا الجانب الحيوي هو كتاب «الاستشراق والمستشرقون» لمؤلفه الدكتور مصطفى السباعي- رحمه الله- ففيه غنى كبير وكشف دقيق لحساب المستشرقين، ما لهم وما عليهم، ولقد أردت في هذه العجالة أن أستعرض بعض أهم النقاط التي وردت في الكتاب المذكور لأهمية موضوع الكتاب، ولقد بدأ المؤلف كلامه بذكر أول اتصال للأوربيين بالثقافة العربية، ذلك أنه قصد الأندلس إبان مجدها وحضارتها جماعة من الرهبان؛ فاطلعوا على الثقافة العربية الإسلامية؛ وترجموا القرآن الكريم والكتب العربية؛ وتتلمذوا على علماء المسلمين. وقد ذكر المؤلف مثالًا لأولئك الرهبان؛ الراهب الفرنسي «جربرت وبطرس المحترم وجيراردي كريمون» وبعد أولئك أسست المدارس والمؤسسات التي عنيت بدراسة العربية وعلومها، ويقول المؤلف «بأن أول مؤتمر للمستشرقين كان في باريس عام۱۸۷۳م».
ميدان الاستشراق:
هو دراسة جميع ديانات الشرق وعاداته وحضارته وجغرافيته وتقاليده؛ وأشهر لغاته، وإن كانت العناية بالإسلام والآداب العربية والحضارة الإسلامية هي أهم ما يعني به المستشرقون حتى اليوم.
«دوافع الاستشراق»
ثم يفرد المؤلف فصلًا خاصًا ليذكر فيه دوافع الاستشراق فيقول بأنها تكمن في:
١- الدافع الديني
٢- الدافع الاستعماري
٣- الدافع التجاري
٤- الدافع السياسي
٥- الدافع العلمي
وفي معرض حديثه عن الدافع العلمي؛ يقول المؤلف إن نفرًا قليلًا ونادرًا جدًا أقبلوا على الاستشراق بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم وأديانها ولغاتها، ولكنهم يقعون في أخطاء فادحة في بعض المرات، ولكن على العموم هم أقل خطرًا من غيرهم.
«أهداف الاستشراق»
إن أهداف الاستشراق تتركز في ثلاثة أهداف على رأي المؤلف:
١- هدف علمي مشبوه يهدف إلى التشكيك في رسالة النبي بصحة الحديث النبوي والتشكيك في قوة الفقه الإسلامي الذاتية والتشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور.
٢- والهدف الثاني: هو مجموعة أهداف دينية وسياسية، ويمكن أن نلخص ذلك في أنهم يسعون إلى تشكيك المسلمين بنبيهم وقرآنهم وقيمة تراثهم الحضاري وإضعاف الإخاء الإسلامي.
٣- والهدف الثالث: هو هدف علمي خالص لا يقصد منه سوى البحث والتمحيص، وهذا الصنف قليل جدًا ومنهم مثلًا المستشرق توماس أرنولد.
«وسائل المستشرقين في تحقيق أهدافهم»
أ- تأليف الكتب المنحرفة.
ب- إصدار المجلات الخاصة.
ج- إرساليات التبشير إلى العالم الأسمي.
د- إلقاء المحاضرات في الجامعات والجمعيات العلمية.
ه- عقد المؤتمرات
و- إنشاء الموسوعة «دائرة المعارف الإسلامية»
ومن أهم المجلات التي يصدرونها: المجلة الآسيوية في فرنسا، ومجلة الجمعية الآسيوية الملكية في لندن، ومجلة جمعية الدراسات الشرقية في أمريكا وأخطر المجلات مجلة العالم الإسلامي التي أنشأها صمويل زويمر.
ويذكر المؤلف أسماء بعض المستشرقين المشهورين منهم: ا. ج آربري «إنجليزي» وألفرد جيوم «إنجليزي» وعزيز عطية سوريال «مصري مسيحي» وفيليب حتى «لبناني مسيحي متأمرك» ويوسف شاخت «ألماني» وكثير غيرهم.
ومن الكتب الخطيرة التي تساعد المستشرقين في تحقيق أهدافهم: «دائرة المعارف» و«حياة محمد» لوليام سویر و«الإسلام» لهنري لافس وغيرها.
«موازين البحث عند المستشرقين»
وأكثر اعتماد المستشرقين في أغلب كتبهم على الروايات التافهة المتساقطة، ويبحثون عن الأدلة الواهية للتدليل على صدق أقوالهم ويذكر المؤلف أمثلة لذلك.
ومعروف أن المؤلف- رحمه الله- قد زار أوروبا، ولقد اجتمع بكثير من المستشرقين وناقشهم وجهًا لوجه ومنهم: البرفسور أندرسون رئيس قسم قوانين الأحوال الشخصية في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن، والمستشرق اليهودي الألماني شاخت وغيرهم.
«حقائق عن المستشرقين»
أولًا: إن المستشرقين لا يخلو أحدهم أن يكون قسيسًا أو استعماريًا أو يهوديًا.
ثانيًا: إن الاستشراق في الدول غير الاستعمارية كالدول السكندنافية أضعف منه في الدول الاستعمارية.
ثالثًا- إن الدول الاستعمارية ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية من كونه أداة هدم للإسلام وتشويه لسمعة المسلمين.
«لا نغمط حق المنصفين».
ويقول المؤلف في نهاية الكتاب: «وإذا كنا نشتد هذه الشدة في حق المحرفين والمضللين أمثال جولد تسيهر، فإننا لا نغمط غيرهم من المنصفين حقهم في نشر نفائس كتبنا القديمة، ودأبهم في البحث عن الحقيقة، فليس العلم محتكرًا لأمة دون أمة، الإسلام- وهو دين الله للعالم كله- لا يمكن أن يستأثر بفهم قوم دون قوم، فليفهم منه من شاء وما شاء وبشرط أن يتحلى بصفة العلماء وهي الإنصاف والانصياع للحق والبعد عن العصبية والهوى».
وبعد؛ فهذه لمحة موجزة عن الاستشراق وأساليبه وأهدافه، وهي دليل على مدى جهد أعداء الإسلام في محاولتهم القضاء على الحضارة الإسلامية، وخوفهم من أن يبعث جيل إسلامي جديد يسبب لهم الآلام والأوجاع- في نظرهم- وإن أساليبهم العدائية ومحاولاتهم المسمومة مغلفة بأغلفة كثيفة من الحقد والبغضاء، وإن الحاقد لا يجني سوى الحقد.
عبد القادر طاش تركستاني
كلية اللغة العربية بالرياض
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل