; تآمر ... ومؤتمرون ! «خواطر حول ندوة الأزمة» | مجلة المجتمع

العنوان تآمر ... ومؤتمرون ! «خواطر حول ندوة الأزمة»

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1974

مشاهدات 89

نشر في العدد 197

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 23-أبريل-1974

لقد قرأنا وشاهدنا وسمعنا أقوال بعض أعضاء ندوة أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي، ولقد كان بعض هذه الأقوال مؤامرة على الدين كقول محمد ربيع «الإيمان بالغيب خرافة»، وقول محمد النويهي «ليس للإسلام ميزة خاصة عن الأديان الأخرى»، ولكن هذا المقال لا يتناول هذه الأقـوال فلو أن كل ذئب عوى ألقمته حجرًا لأصبح الصخر مثقالاً بدينار.

إنما نتناول ما جاء في البيان الختامي عن ضرورة تطوير الدين «فلا يفهم الفهم الجامد الثابت وعلى شكل صيغ محدودة يفرضها الخلف باسم السلف». لنرد هؤلاء وغيرهم إلى أصول ومصادر هذه التيارات وليعلموا أن من سادتهم من تراجع؛ إذ يقول «ألكسيس كاريل» في كتابه الإنسان ذلك المجهول: «إن الحضارة العصرية لا تلائم الإنسان، كإنسان، لأنها أنشئت بمجهوداتنا»، ثم يقول: «إننا قوم تعساء لأننا ننحط أخلاقيًّا وعقليًّا.. لأننا لم نميز بين الممنوع والمشروع..».

من كان له عينان فلير ومن كان له أذنان فليسمع /

إن المطالبة بتطوير الإسلام قضية كبرى حمل لواءها المبشرون المستشرقون لغرض لم يخفوه. 

لقد وضع جماعة من المستشرقين كتابًا جمعه وعلّق عليه أحدهم وهو «جب» الذي كان عضوًا بمجمع اللغة العربية بمصر !!

والكتاب هو «إلى أين يتجه الإسلام»، وقد جاء فيه أن مشكلة الإسلام بالقياس إلى الأوروبيين، ليست مشكلة أكاديمية خالصة فحسب، فإن لتعاليم الدين الإسلامي من السيطرة على المسلمين في كل تصرفاتهم ما يجعل لها مكانًا بارزًا في أي تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي - ثم يقول: «الواقع أن التعاليم الدينية ومظاهرها عند أشد المسلمين محافظة على الدين، وتمسكًا به، قد أخذت في التحول ببطء خلال القرن الماضي... وإذا حدث هذا فإن معناه أن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام، آخذة في التحول وأن هذا التحول يتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية الكنسية المسيحية».

والجدير بالذكر أن التعاليم الأخلاقية الكنسية في عصرنا ليست هي تعاليم السيد المسيح الأخلاقية، وهؤلاء المنحرفون يسعون إلى أن يعم الانحراف الجميع، ويتخذون من المسيحية ستارًا لإثارة العصبية، وما كانت الأديان السماوية إلا حربًا على اللا أخلاقية في القول أو السلوك. ونعود إلى المستشرقين والمبشرين لنكمل قول جب «أصبح الرجل من عامة المسلمين يرى أن الشريعة الإسلامية، لم تعد هي الفيصل فيما يعرض له من مشاكل - ثم يقول – إن نجاح التطور يتوقف إلى حد بعيد على القادة والزعماء».

تآمر .. ومؤتمرون !

ماذا يقول كرومر 

إن كرومر كان المعتمد البريطاني بمصر خلال فترة الاحتلال البريطاني وقد وضع كتابًا باسم «مصر الحديثة» يقول فيه: «الإسلام بطبيعة تعاليمه عدو للحضارة الأوروبية، والمسلم غير المتخلق بأخلاق الأوروبيين لا يقوى على حكم مصر في هذه الأيام؛ لذلك سيكون المستقبل الوزاري للمصريين المتربين تربية أوروبية».

ولهذا يقول كرومر: «سنرحل من مصر على أن تُحكم بأيد مصرية وعقول بريطانية». 

صبيان المبشرين والمستعمرين /

ولكننا معاشر المسلمين لا نواجه كرومر أو جب أو غيرهم من المسيحيين أو اليهود بل نحطم أنفسنا من الداخل بما يتبناه البعض من هذه الدعوات الهدامة.

إن من منشورات جامعة بدنستون الأمريكية مقالة للدكتور صبحي المحمصاني المحامي اللبناني، نشرت سنة 1963 ضمن كتاب مستقبل الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة.

وفيه يقول: «إن روح الشريعة الإسلامية تأبى الجمود - ولكن المسلمين عندما نسوا هذه القاعدة وأرادوا أحكامًا ثابتة، وقبلوا أن يتقيدوا بها دون تعديل أو تبديل حتى لو تطورت الأمم والعلوم، كان متحتمًا عليهم الوقوف عن ركب الحضارة».

فهل هناك أرضية مشتركة لهذه الاتجاهات والكتابات نجد «فون جرنباوم» يقول في كتاب مستقبل الثقافة الإسلامية: «فالتردد، بل التأخير المتعمد في الأخذ بقيم الغرب، حيلة من حيل العقل الباطن بالاحتفاظ بالذات الذي لا يصح نبذه قبل أن يجرى نوع من التوفيق المقنع بين القيم الجديدة والآمال القديمة»..

فهل اقتصر ذلك على الغرب أم أن للشرق الأحمر اتجاهًا؟

الإســــلام الأحمــــر /

لقد دعا الأهرام الماركسي «روجيه جارودي» إلى مصر لإلقاء محاضرات عن الإسلام والماركسية!! ومن محاضراته خلال المدة من 25 إلى 29-1-1969- نقتطع كلمة موجزة وهي قوله: «إن الإسلام يدعو إلى العدل، والماركسية تحقق العدل؛ فالمؤمن عند تطبيقه للماركسية إنما يطبق الإسلام».

إن ما يهدف إليه قادة الفكر في الغرب أو الشرق هو أن يتحول العرب والمسلمون عن أخلاقهم وقيمهم إلى أخلاق وقيم الماسونية أو المسيحية أو الماركسية، فإذا فعلوا ذلك، كانوا مطبقين للإسلام!!.

فهل أدرك ذلك من طلب التطوير من العرب والمسلمين؟

ثم هل الأزمة والمشكلة في حتمية تطوير القيم لتلائم العصر؟

تطوير القيم وأثره/

لقد ظن المؤتمرون في الندوة أن مشكلتنا هي القيم الثابتة فقالوا في بيانهم: «وإذا كان أعضاء الندوة يؤكدون على أهمية تطوير القيم وأنماط السلوك الإيجابية والمؤثرة في صنع التقدم المرتكز على التخطيط العلمي ومستلزماته وعلى المصالح الحقيقية للجماهير، فإنهم يشددون في الوقت نفسه على ضرورة الفهم المتعاطف للقيم والمواصفات المحفزة للثقافات الشعبية وعلى التفاعل مع هذه الثقافات تأثرًا وتأثيرًا ...».

إن تطوير القيم تبناه اليهود فقد دفعوا بداروين ودوركايم وفرويد لترويج نظريات قيل بأنها علمية تنتهي إلى أن الأخلاق نسبية وليست ثابتة وأن القيم يجب أن تتغير بتغير الزمان.

 فهل جهل الذين نقلوا هذه الدعوات إلى المجتمع الإسلامي أن الإسلام لم يتدخل في الأمور التي تخضع للتطور والتغيير كالصناعة والمعمار وأحوال المدينة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أنتم أعلم بشؤون دنیاکم» رواه مسلم.

وهل جهلوا أن الإسلام يحكم السلوك في القول والمعاملات، وهذه أخلاق ثابتة لا تخضع للتغيير والتطوير. 

إن القيم الدينية في جميع الأديان لا تختلف باختلاف الزمان والمكان؛ فالكذب، ما كان رذيلة في عصر نوح ثم أصبح فضيلة في عصر ميكافيلي!!. والسرقة لم ولن تكون فضيلة!. والفحش والدنس والانحراف الجنسي لم يكن رذيلة ثم أضحى محمودًا.

إن نفس الإنسان لم تتغير منذ آدم، إن الذي يتغير هو وسائل حياته ومعايشه وهذه تركها الإسلام للناس ينظمونها حسب علومهم وتجربتهم .

إن القول بأن القيم الدينية تتغير أو تتطور مع الزمن يجعل الدين مرتبطًا بسدنة وكبراء كل عصر ويجعل الناس عبيدًا لهؤلاء السدنة والكبراء يتبعونهم ويقلدونهم.

ولقد جاء الإسلام ليحطم كل ذلك ويحرر الناس من هذه التبعية، وأعد عذابًا أليمًا للفريقين؛ فقال تعالى يصف مواقف المقلدين وسادتهم: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 66 . 67 .68).

ثم قال الله مسجلاً تبرؤ كل فريق: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (البقرة: 166).

إن المناداة بتطوير القيم وربطها بعادات الناس وميولهم من شأنه أيضا أن يجعل الإسلام ماركسيًّا كما طالب «جارودي» أو كنسيًّا كما طالب «جب»، وأن يكون لدعاة الجنس واللذة إسلام يجعل ممارسة هذا اللون تسبيحًا بقدرة الله واعترافًا بجمال الخالق كما زعم أصحاب التفسير العصري للقرآن.

ومن شأن هذه الدعوة أن تحطم عقيدة الإسلام وهذا ما أفصح عنه كرومر في كتابه «بريطانيا العظمى في مصر» «فإذا أمكن للمبادئ الإسلامية أن تتطور من الزمن المتطور... عند ذلك سوف يتحرر ملايين البشر من هذه العقائد!!».

أنه لا فرق بين الدعوة التي تبناها كرومر وجب، ودورکانیم و فروید وجولدتسيهر وبين تلك التي ينادي بها البعض أو أكثر المؤتمرين.

فماذا بعد الحق إلا الضلال.

الرابط المختصر :