العنوان قيمة الوعي في «السلوك النهضوي»
الكاتب محمد شاويش
تاريخ النشر السبت 03-أبريل-2010
مشاهدات 73
نشر في العدد 1896
نشر في الصفحة 38
السبت 03-أبريل-2010
الفاعل العربي العام يحاول أن يبث الوعي، في صفوف مواطنيه، سواء كان يستعمل هذا المصطلح بعينه أم يستعمل كلمات أخرى لها المعنى نفسه.. على زمان الإصلاحيين الأول كانوا يهتمون بتغيير فهم الدين عند المسلمين، وعلى زمان تلاميذهم اهتموا بالوعي الوطني الذي يدفع المواطن للتظاهر ضد الاحتلال وفي سبيل الاستقلال، ثم في زمن الاستقلال صار الوعي» الذي يعمل الفاعل العام على نشره بين أفراد الأمة من النوع المسيس، الذي يتضمن العمل بكل وسيلة لإسقاط الأنظمة.
ثم مع موجة التدين التي جاءت بها السبعينيات والثمانينيات وأججت نارها السياسة العدوانية الأمريكية - بعد انهيار الاتحاد السوفييتي - صار الفاعل العام يطلب من مواطنيه الالتزام الشرعي الذي هو عمليًا أيضًا التزام بنصرة الحركة السياسية الإسلامية.
وعي جديد
لا بد من التمييز بين الوعي النظري المجرد والوعي الممارس فعلا.. وهو الذي يعطينا فكرة عن القناعات الفعلية للفرد أي القناعات المتحكمة بسلوكه.
هنا أريد التركيز على أهمية العمل على وعي جديد يعم كل أفراد المجتمع لا يكون وعيًا نظريًا مجردًا، ولا يكون ضيقًا يقتصر مجاله على مستوى واحد من مستويات البنية الاجتماعية، بل هو وعي له ميزتان ميزة الشمول لكل مستويات البنية الاجتماعية، وهو هنا بديل عن الجزئية التي میزت الوعي العربي في العصر الحديث الذي غالبًا ما ركز على بعد واحد من أبعاد الواقع.
وميزة العملية، بحيث يكون وعيًا ممارسًا وفعالًا في السلوك على نقيض الوعي النظري المجرد الذي لا يحرك فعلًا تغييرا في الذات والمحيط، وعلى نقيض الوعي التواكلي الذي يوكل التغيير بمنقذ من فوق تعددت أسماؤه وتوصيفاته، وعلى نقيض ما أسميه: «وعي النق»، الذي يشتم صاحبه الواقع ويهجوه، بدون أن يخطر له أنه هو جزء من هذا الواقع المهجو، وأن عليه قبل الهجاء. وبالأحرى بدلا منه - أن يغير هو نفسه وسلوكه الاجتماعي.
1. «الوعي» عموما:
في المقررات المدرسية للفلسفة يميزون بين مفهومين مختلفين: الإحساس والإدراك.
الإحساس: ظاهرة تلقائية تنتج من مجرد وجود الفرد في محيط محدد إذ ترد من هذا المحيط مؤثرات حسية مختلفة فالموجود في مكتب البرق واللاسلكي يسمع إشارات مختلفة، لكن إدراكه لهذا الإحساس يختلف عن إدراك العامل في المكتب وإن اتفقا في الإحساس.
الفرد لا ينتبه إلى كل الإحساسات التي تصل إليه بل يتوجه بالانتباه إلى بعضها فقط، وهو ما يهمه منها شأن الأم التي تكون غارقة في أفكارها فلا تميز مكونات الضجيج الذي يحيط بها، لكنها تنتبه في الضجيج إلى بكاء الطفل، وظاهرة «الانتباه» هي العنصر الحاسم للأهمية الذي يشترطه الإدراك؛ إذ نحن لا ندرك الأشياء التي لم ننتبه إليها.
الوعي حتى في حالته البسيطة التي ذكرناها للتو متضمن كشرط خبرة سابقة. ومن المهم أن نلاحظ أن الفرد لا «يعي» حالة الأشياء في وضعها الساكن فقط، بل هو بالاستناد للخبرة والتعلم يعي الأشياء وعيا ديناميكيا، إذ اعتبارًا من الحالة القائمة يأخذ الفرد تصورًا عن الماضي وعما يتوقع أن تؤول إليه عناصر الواقع مستقبلا أيضًا.
ليفهم الفرد الواقع العام المتجاوز للراهن اليومي (مثلا الوضع الاقتصادي على صعيد المجتمع، الوضع السياسي.. إلى آخره) لا يستعين الفرد بتجربته الخاصة فقط، بل يستعين أيضا بالمعتقدات الشائعة في بيئته عن هذا الواقع، وهناك أمر مهم جدا في تكوين هذا الوعي ألا وهو «الأيديولوجيا».
والأيديولوجيا لا تقدم فقط التصور السكوني والحركي للبنية الاجتماعية، بل تقدم أيضا بناء على هذا التصور مشروعًا بديلًا وتدعو مناصريها للعمل في اتجاه معين، وتحدد اتجاهات الرأي العام عند الشرائح الاجتماعية التي تدعم الأيديولوجيا المعنية (وهي ما ندعوه «الوسط» وهو شريحة أو شرائح متفقة في اتجاهاتها الرئيسة فيما يتعلق بالقضايا العامة المثارة في وضع اجتماعي معين).
والفاعل السياسي العربي يستعمل مصطلح «الوعي» منذ دخل على اللغة العربية الحديثة.
ويعني بـ «الوعي السياسي» العلاقات الدولية وعلاقات الدولة بالدول الأخرى من وجهة نظر التنظيم وتحليلاته السياسية والشيء الحاسم في عنصر الوعي هو مشاركة المواطن في النشاطات السياسية للتنظيم المعني، وهذه النشاطات كما هو معلوم في معظم الحالات في الخمسينيات والستينيات وحتى السبعينيات والثمانينيات كانت تتضمن اتهام نظام الحكم القائم بالعمالة للاستعمار، أو تهما مكافئة تؤول إلى كونه على أقل تقدير يعرقل الطموحات القومية أو الوطنية للأمة أو الشعب.
٢. الوعي النظري والوعي الممارس: لا شك أن الوعي بمعنى المعرفة بمكونات الواقع شيء مفيد، بل ضروري لما اصطلح على تسميته الفاعل العام، لكن هناك ضرورة للتمييز بين الوعي النظري المجرد والوعي الممارس فعلا، وهذا الوعي الممارس هو الذي يعطينا فكرة عن القناعات الفعلية للفرد، أي القناعات المتحكمة حقًا بسلوكه، فقد يقتنع الفرد نظريا بمبدأ تكافؤ الفرص، ولكنه حين يمارس التمييز لصالح الأقارب مثلا فإنه يدلنا على أن قناعته النظرية تلك ليست هي القناعة القادرة على فرض نفسها في السلوك. ويجب ألا نفهم من هنا أن تلك القناعة النظرية نفاق أو كذب مثلًا.
فالفرد إذن لا نستطيع أن نقول عنه: إنه يكذب في قناعاته، بماهية السلوك القويم على أن السرور والحماس الذي ينتاب العربي عند حضوره المحاضرات بعض الدعاة، لا يختلف في معظم الحالات عما كنا نراه قديمًا من حماس الناس الخالين من البطولة في ممارساتهم اليومية لسماع قصص الأبطال والبطولات، وهو حماس بعيد كل البعد عن التأثير في تغيير السلوك العملي للفرد، وأقصى ما يمكن أن يحدثه هو التحسر على انقضاء ذلك الزمان المثالي أو النقد اللاذع الذي لا يتناول الذات ولا يتفحص عيانا الظروف التي تمنع تكرار تلك الشخصيات والأحداث البطولية في زماننا انعدام تناول الذات بالنقد، وانعدام الرؤية الموضوعية للحالات المنقودة وأسباب ظهورها واستمرارها في الوجود يحولان النقد إلى ما أسميه «النق»، وهو مسخ للنقد الفعال القادر على النهوض بالسلوك الفردي والجماعي.
المربي السوفييتي أنطون مكارنكو يطرح تجربته الخاصة مع مجموعة من اليافعين منهم الجائحون، ومنهم المشردون ومن لا أهل لهم حيث تحول هؤلاء إلى أناس ذوي سلوك نموذجي ليس عبر الوعظ والخطب التي عرف من تجربته أنها غير مجدية، بل عبر تكوين جماعة لها تقاليدها ونظمها ومؤسساتها الداخلية الممتلكة لنوع من سلطة التسيير الذاتي المنظمة للعلاقة بين الأفراد والحركة هؤلاء الأفراد في المجتمع (بما فيه حركتهم كناس منتجين في مشروع اقتصادي). ونحن حين ندعو إلى تغيير السلوك الاجتماعي للناس في مجتمعنا فإننا نعرف أن هذا التغيير يستلزم هذا النوع الديناميكي من الوعي المتمثل في الوعي الممارس، وليس النظري أو الأخلاقي الحالم الذي يقدمه عادة في زماننا، الدعاة. ولهم نظائر في الأوساط غير المتدينة كما هو معلوم.
غير أن الممارسة المطلوبة لا تعني الاقتصار على توزيع المنشورات والنزول في المظاهرات و الكلام في السياسة، وهذا هو النسخة القديمة من الوعي. ومن المهم في أيامنا هذه أن نذكر أن الممارسة المطلوبة لا تعني بتاتا حمل السلاح أو تحويل النفس إلى قنبلة منفجرة ضد الدولة أو ضد جزء من السكان، وهو نسخة جديدة ظهرت منذ بزوغ النظام العالمي الجديد.
الوعي الممارس الذي يجب أن نعمل على وجوده يتألف من سلوك حضاري نهضوي جديد بين الأفراد كفيل بنقل الجماعة من حال سلوكي قائم نسميه بالاسم العام «السلوك الانحطاطي»، إلى حال سلوكي منشود نسميه «السلوك النهضوي». يتألف هذا الوعي من ممارسات يومية قد يستخف بها الفاعل السياسي الذي تعود على أنه لا شيء مهم إلا تغيير السلطة. وكل ما دون ذلك فهو عمل اجتماعي قد يطلق على القائم به من باب السخرية لقب «مصلح اجتماعي، وهو تعبير انتقاص وسخرية في رأيهم»!
باعتبار أن العمل الاجتماعي الذي ليس فيه بعد سياسي (بمعنى السياسة الذي ما زال سائدا عندنا، وهو مجمل الشؤون التي تخص السلطة السياسية في علاقاتها مع الداخل أو الخارج وتؤثر على ثباتها واستمرارها في الحكم) ينظر إليه نظرة دونية ويعد من الدرجة الثانية من الأهمية.
وهنا لابد من دعوة المواطن العربي والفاعل الجماعي أيضًا إلى تغيير هذا التقييم، بحيث يصبح التزام الإنسان المعتاد عندنا بالسلوك النهضوي فعلا من الدرجة الأولى من الأهمية، وبحيث نعلق عليه قيمة تساوي من حيث الأثر قيمة تغيير الأشخاص أو المجموعات في ذروة الهرم السلطوي.
مثلًا التزام المواطن بالنظام العام وبعدم خرق القانون والتزامه بأداء عمله بإتقان وأمانة، وتقديم الصالح العام على الخاص، وبمكافحة أهواء النفس بحيث يكون الفرد عادلا حتى مع خصومه من مواطنيه وبحيث لا تدفعه الخصومة الشخصية إلى التضحية بالمصلحة العامة، وعدم الاعتقاد بأن كل تقدم للآخر هو تهديد للذات الأمر الذي يجعل مجتمعنا ساحة كبيرة من القوى المتعاكسة التي تؤول بنا إلى حالة الركود والمراوحة أو الانحطاط.
من هنا يمكن للقارئ أن يدرك مصطلح السلوك النهضوي، ونقيضه السلوك الانحطاطي، فالسلوك الأول إن التزمت به أكثرية المجتمع، أو حتى أقلية وازنة فيه سيؤدي إلى نقلة نوعية إلى الأحسن، وباتجاه هدف تجاوز الفجوة الهائلة بيننا وبين الأمم التي تنظر إلينا نظرة فوقية!