; قيام الليل دأب الصالحين | مجلة المجتمع

العنوان قيام الليل دأب الصالحين

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013

مشاهدات 72

نشر في العدد 2042

نشر في الصفحة 55

السبت 02-مارس-2013

كلنا يعلم حجم التبعات والمهمات العظيمة التي اضطلع بها الرسول طوال بعثته الشريفة، وكيف كان موفقا في كل خطوة يخطوها.

هذه المسؤوليات الكبيرة لم تمنعه من أن يكون صاحب همة عالية في عبادته لله تعالى، وحرصه الدؤوب على نشر عقيدة التوحيد، وتعليم المسلمين أحكام الإسلام وأصوله، والجهاد في سبيل الله، والقيام بحقوق الأهل والأقارب.

ومن بين صور العبادات التي أتقنها الرسول وكانت له زادا على الطريق استجابته لأمر الله تعالى حينما خاطبه ﴿يا أَيُّهَا الْمُزمل(١) قم الليل إلا قليلا(٢) . نصفه أو انقص منه قليلا (۳) أو زد عَلَيْه ورتل القرآن ترتيلا  (المزمل)، وقال سبحانه: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا مُحْمُودًا  (الإسراء). حيث ترجم هذه الأوامر الإلهية بروح وثابة ومسؤولية عالية، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلي الله عليه وسلم  يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ (متفق عليه).

علينا أن ندرك أن قيام الليل هو داب الصالحين، وتجارة المؤمنين، وعمل الفائزين، ففي الليل يخلو المؤمن بربه ويتوجه إلى خالقه متذللًا، فيناجي ربه خاشعًا، فيشكو إليه أحواله مبتهلاً، ويسأله من فضله العظيم، ويقتدي بنبيه الكريم.

ما أعظم قيام الليل وفوائده العظيمة، وما ألذ أن يقف المؤمن بين يدي ربه، داعيا وطالبا المغفرة، روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم  قال: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له.

إذا كانت نفوسنا تهفو إلى الجنة وما فيها من نعيم، فأهل الجنة: ﴿ كانوا قليلا من اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (الذاريات)، فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام وهم المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام، لا يطعمون الكرى إلا قليلا، ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيراً، يأنسون بالقرب من ربهم في جوف الليل، فتتجافي جنوبهم عن المضاجع، ويخف بهم التلطع فلا يثقلهم المنام.

قال الحسن البصري: كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر وأضاف: كان الأحنف بن قيس يقول: عرضت عملي على عمل أهل الجنة، فإذا قوم قد باينونا بونا بعيداً، إذ نحن قوم لا نبلغ أعمالهم.. وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسل الله مكذبون بالبعث بعد الموت. فقد وجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا.

وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: كانوا لا ينامون إلا قليلا ثم يقول: لست من أهل هذه الآية.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة صفة لا أجدها فينا ، ذكر الله تعالى قوماً فقال: ﴿كانوا قَلِيلاً مَنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ، ونحن والله قليلا من الليل ما نقوم، فقال له أبي: طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ فهي حال يتطلع إليها رجال من التابعين ذوي المكانة في الإيمان واليقين، ويجدون أنفسهم دونها، اختص بها ناس ممن اختارهم الله ووفقهم إلى القيام بحقها وكتبهم بها عنده من المحسنين، وهذه حالهم مع ربهم ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَن المَضاجع يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمَا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (السجدة).

ونبصر صورة المضاجع في الليل تدعو الجنوب إلى الرقاد والراحة والتلذذ، ولكنها لا تستجيب، فهي مشغولة بعبادة ربها ينازعها الخوف والرجاء.. الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمته.. والخوف من غضبه، والطمع في رضاه.. والخوف من معصيته، والطمع في توفيقه. والتعبير يصور هذه المشاعر المرتجفة في الضمير بلمسة واحدة، حتى لكأنها مجسمة ملموسة.

إنه الوقت الذي تترقرق فيه خواطر النفس وخوالجها الحبيسة، فإذا انضمت صورة الاستغفار ألقت الظلال المنسابة في عالم النفس، وفي ضمير الوجود سواء وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارئ الكون وبارئ الإنسان.. وتلك هي الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان والسؤال الذي يجب أن نسأله أنفسنا هل أن لنا أن نكون من الذين تتجافي جنوبهم عن المضاجع، ويبيتون لربهم سجدا وقياما، ولا نكون ممن قال فيهم رسول الله  صلي الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم  قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ وذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان؟ وفي رواية ذكر عنده رجل ينام كل الليل حتى يصبح فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه.. اللهم اجعلنا من أهل قيام الليل حبا وطاعة.

الرابط المختصر :