; قمة عمان الدورية دون مستوى الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان قمة عمان الدورية دون مستوى الشعوب

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر السبت 07-أبريل-2001

مشاهدات 72

نشر في العدد 1445

نشر في الصفحة 26

السبت 07-أبريل-2001

ستة وخمسون عامًا لإقرار آلية الانعقاد الدوري.. هل سيعايش جيلنا خطوة إيجابية أخرى من طريق تنظيم العمل العربي المشترك؟

انزعج المشاركون على القمة من كلمة كوفي عنان ثم «عاقبوه» بإعلان تأييد ترشيحه للاستمرار في منصبه 

 

قبل انقضاء قمة عمان ظهر للعيان أنها لن تُسفر عن شيء يسمح بتفاؤل حقيقي يتجاوز حدود قول من يقول إن مجرد انعقاد القمة نجاح، وهي عبارة سمعناها مرارًا، لا سيما مع انعقاد القمتين العربيتين الأخيرتين.. وفي هذه المرة زاد عليها البعض فقال إن مجرد انعقاد هذه القمة بالذات، باعتبارها أول قمة دورية على درب إحياء نظام عمل عربي مشترك، هو المقصود بالنجاح. ومع كل الاحترام لهذا الرأي لا بد من تسجيل اعتراضين:

الاعتراض الأول: إن من يقول بذلك يشيع من حوله أن سقف التفاؤل المتاح للإنسان العربي تجاه هذه القمة، هو أنها إنما نجحت في دورية انعقادها، بعد 56 سنة «وخمسة أيام» مضت على تأسيس جامعة الدول العربية، وذلك ردح طويل من الزمن يناهز عمر الأمم المتحدة، ويزيد على أعمار الاتحاد الأوروبي، وحلف الأطلسي ومنظمة جنوب شرق آسيا، وغيرها.. أو هو بالنسبة إلى المواطن العربي ما يعادل حياة أكثر من «جيل» بأكمله، فلا بد لأمثالنا من العوام إذن أن يتساءل هل سيعايش جيلنا هذا خطوة إيجابية ثانية على طريق تنظيم العمل العربي المشترك؟

كلا ليس النجاح منوطًا بمجرد الانعقاد فقط ولا يقال ذلك إلا على سبيل تعزية النفس أو صرف الأنظار عن حقيقة الإخفاق وخطورة نتائجه.

الاعتراض الثاني: إن نجاح القمم وإخفاقها يقاس بالقضايا الآنية لا المستقبلية وبالإجراءات العملية لا النظرية، وبالسياسات التي تصنع الحدث لا التي تقف عند حدود ردود الأفعال.. والجدير بالذكر أن كثيرًا من المحللين والمفكرين الذين يذكرون العبارة المشار إليها وهم يتحدثون عن القمم العربية يعودون عند الحديث عن اجتماعات دول أخرى غير عربية فيطبقون عليها المقاييس المنطقية المشار إليها، والمتفق عليها عمومًا، فعلام هذه الازدواجية في المعايير؟ ومن الموضوعية القول ببساطة: من العسير السؤال عن حجم «النجاح»، في قمة عمان، إلا إذا بقينا في بعض المجالات الجانبية التي لا تحتاج إلى عقد قمة أصلًا.. إنما السؤال الأصح الذي يفرض نفسه علينا هو عن حجم «الإخفاق».

ولنأخذ أمثلة من الآتي:

صناعة القرار العربي: وذاك هو المستوى الأول والأهم فهو يمس تحرير الإرادة العربية من الانصياع لهيمنة أمريكية، مرفوضة شعبيًّا، معشعشة في البنية الهيكلية لصناعة القرار السياسي وغير السياسي في معظم البلدان العربية.

ما الذي صنعته قمة عمان على هذا الصعيد ....؟

- إن قمة اثنتين وعشرين دولة يقطنها ربع مليار إنسان لم تكن قادرة أو لم تكن راغبة في مجرد تخصيص الولايات المتحدة الأمريكية بذكرها مباشرة عند الحديث في البيان عن نقل السفارات إلى القدس المحتلة.

- ونجد مثلًا آخر ذلك الامتناع الطوعي عن مجرد استخدام لفظ الإدانة بدلًا من «الإعراب عن الاستياء» ناهيك عما كان واجبًا وممكنًا من ردود مناسبة تجاه استخدام النقض «الفيتو» الأمريكي في مجلس الأمن الدولي، ضد قرار أراد واضعوه أن يتحدث حديثًا (ولا نقول أبدًا بأنه يوفر فعلًا) عن حماية دولية ما للمدنيين الفلسطينيين.. وهو أمر يدخل في صلب مهام مجلس الأمن الدولي تجاه الأراضي المحتلة، وفق ميثاق الأمم المتحدة....

وقد جاء ذلك النقض الأمريكي أثناء انعقاد القمة، إمعانًا في إظهار مدى الاستهانة الأمريكية بالقمة، هذا فضلًا عن الاستهانة -بما هو أهم- بأرواح الشهداء في فلسطين المغتصبة.. وبالتالي بالإنسان وبمشاعر الأمة المنكوبة بجراحها في فلسطين.

والواقع أن قضية فلسطين لم تكن لها الأولوية في قمة عمان بل كانت هي القضية التي وضعت جانبًا، بسبب وجود اتفاق كامل بصددها، فصار ينبغي الحديث المكثف عن القضية الأخرى المختلف عليها، ثم ظهر للعيان بوضوح، أن الاتفاق في قضية فلسطين كان- علاوة على تكرار عبارات الإدانة والشجب والاستنكار وما شابهها - كان على قضية تحويل الموعود من الدعم المالي للانتفاضة والقدس إلى «قروض»، ثم إتباع الوعد الصادر قبل ستة شهور في قمة القاهرة بصرف المبلغ أو بعضه بوعد جديد عن قمة عمان، ثم ربط الصرف بلجنة متابعة، تمامًا كما كان قبل ستة شهور...

هل صدر أي موقف جديد عن القمة الدورية العربية الأولى التي أطلق عليه وصف قمة القدس وكان من الغائبين عنها الملك المغربي رئيس لجنة القدس؟

أين المواقف الجديدة بل حتى القديمة؟

ألم ترجع كلمات معظم المشاركين في قمة عمان، وكلمات بيانها الختامي بالمقارنة مع سابقتها في القاهرة عن مستوى «الشدة اللفظية» في العبارات التي استخدمتها في غياب «الشدة الواقعية في عالمنا المعاصر»؟

وأي أولوية لقضية فلسطين؟

هل ورد في 51 بندًا في البيان الختامي، وفي إعلان عمان تعبير يمثل لفظة «قرر» ومشتقاتها، بالمقارنة مع عشرات المرات من ألفاظ شجب وأدان وندد وأكد وأعلن إلى آخره، من مبتكرات الثروة اللفظية العربية.. وتستثنى مرة واحدة ورد فيها تعبير «قرر» فعلًا، إنما يتبين بمتابعة قراءة البند المعني أن القمة العربية، إنما قررت ما كان مقررًا من قبل، وهو عدم المشاركة في مفاوضات متعددة الأطراف، ومن الجدير بالذكر أن هذا نص لا يحظر المفاوضات الثنائية مثلاً، ولا يمس «الالتزام العربي» بمعاهدات التسوية مع الكيان الصهيوني رغم «انتهاكه المذهل» للسلام وكل ما يمت إلى السلام بصلة من مواثيق دولية أو إقليمية أو ثنائية....

ولا ينبغي أن نتوهم وجود صلة ما بين كلمة «قرر» وبين تفعيل المقاطعة العربية الرسمية «العتيقة» وهو التفعيل الوارد ذكره في البند نفسه؛ فالواقع أن النص يعود بالحديث سريعًا إلى استخدام لفظة «يؤكد..» أما المضمون فما يزال بعيدًا كل البعد عن تفعيل حقيقي للمقاطعة على أرض الواقع، بمكاتب وإجراءات وقوائم وتنفيذ ومراقبة وعقوبات، فالنص الموجود بشأن المقاطعة العربية الرسمية الذي أثير حوله ما أثير من ضجة مفتعلة، لا يعدو أن يكون «تكليف مكتب المقاطعة بالنظر في تفعيلها...» وليتفاءل المتفائلون بأن النظر سيجري سريعًا، وأن القرار سيتخذ سريعًا ثم يجد طريقه إلى التطبيق سريعًا، ربما بسرعة رد شارون على القمة العربية بقصف رام الله وغزة ناهيك عما يجري في الخليل والقدس.

لقد كانت «قمة القدس» المعقودة بقضها وقضيضها في عمان، بعيدة عن القدس كل البعد وعن قضية فلسطين برمتها رغم القول بإعطائها الأولوية، ولم تجد القمة قدرة للرد على الأنباء الواردة من الأرض المغتصبة المجاورة، ولو بموقف رمزي يسيء بدرجة ما إلى سفارة صهيونية قائمة على مسافة قريبة من القمة في عمان نفسها، أو سفارة قائمة على مسافة قريبة من مقر جامعة الدول العربية في القاهرة.

إخفاق وإحباط

تردد في اليوم الأول للقمة أن المشاركين فيها انزعجوا من الكلمة التي ألقاها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، بتحميله مسؤولية المأساة الحالية للطرفين المعتدي والمعتدى عليه، وهو موقف يتناقض مع ما ينتظر من رجل في منصبه، كأمين عام للأمم المتحدة وليس للولايات المتحدة. وقد «عاقبته» الدول العربية الاثنتان والعشرون في قمة عمان، فسارعت في نهاية اليوم الثاني للقمة إلى الإعلان عن تأييدها لترشيحه لفترة ثانية في منصب الأمانة العامة للأمم المتحدة، ألم يكن من الممكن تأخير ذلك الإعلان على الأقل ولو لفترة وجيزة من الزمن، هذا ناهيك عن سحبه والامتناع عن تأييده، سواء نجح عنان أم لم ينجح، وإلا فما السياسة الواقعية والعلاقات المصلحية التي طالما يستشهد بها في غير موضعها؟!.

لقد كانت قمة عمان مخيبة لآمال من عقد الآمال عليها، ورغم ذلك يبقى التفاؤل فرضًا ونهجًا، ويوجد ما يكفي من الدواعي له. فالمستقبل لا يرتبط بنجاح قمة أو إخفاقها، إنما يرتبط بإرادة أمة وعزيمتها، والقمم تحركها الشعوب.. وليس العكس، ولهذا، وكما تشهد المقارنة بين ظروف قمة القاهرة وظروف قمة عمان، ينبغي إعطاء المسؤولين دفعة إلى الأمام وقدرة إضافية على مواجهة العدوانية الصهيونية والأمريكية، ودعمًا كافيًا لأداء الواجب في القضايا المصيرية وقضايا البناء والنهوض الدائمة، ولن يحصلوا على تلك الدفعة المطلوبة دون ضغوط أدبية من جانب المثقفين والمفكرين وسائر المخلصين، وتحرك مدروس متوازن من جانب الجمعيات والمنظمات والنقابات والاتحادات ووسائل الإعلام وكل من يملك وسيلة من وسائل التعبير...

إننا في حاجة إلى «قمة شعبية»، أو إلى وسيلة من الوسائل المناسبة لتنظيم التعبير عن إرادة الشعوب على أوسع نطاق ممكن، وإيجاد السبل الملائمة لترجمة هذه الإرادة إلى الواقع المعايش، وقد لا نلتقي في سائر التفاصيل، ولكن هذا بالذات ما ينبغي أن تنطلق منه، فتعدد الرأي يوجب اللقاء لا الافتراق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل