; الصومال ... بعد خمس سنوات من سفك الدماء | مجلة المجتمع

العنوان الصومال ... بعد خمس سنوات من سفك الدماء

الكاتب إبراهيم الدسوقي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995

مشاهدات 95

نشر في العدد 1155

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 27-يونيو-1995

  • المحاكم الشرعية أصبحت مطلبًا شعبيًا عامًا بعدما حققت ما عجزت الفصائل عن تحقيقه
  • المجلس الإسلامي للمصالحة حقق إنجازات عظيمة ونزع فتيل الحرب بعد رحيل القوات الدولية

لقد مضت خمس سنوات منذ اقتحام القوات التابعة للمؤتمر الصومالي الموحد قصر الرئاسة المنيع في العاصمة مقديشيو، وهروب محمد سياد بري الذي حكم الصومال أكثر من عقدين من الزمان بالحديد والنار وتعيين السيد علي مهدي محمد رئيسًا مؤقتًا من جانب المؤتمر الصومالي الموحد على أنقاض النظام السابق الذي دفن تحت أقدام الانتفاضة الشعبية المسلحة، ولكن سرعان ما سقط القناع عن الوجه الكالح للجبهات المسلحة في الصومال، وظهر لكل ذي عينين أنها لم تكن إلا إفرازات للأحقاد والضغائن والتعصب القبلي والتكالب على السلطة.

كما كانت عارية عن الوطنية والعقلانية والإنسانية ناهيك عن الالتزام بالتعاليم السماوية والأخلاق الفاضلة الإسلامية، ولم تكن لدى قادتها على اختلاف مشاربهم رؤية واضحة، ولا استراتيجية محددة الأبعاد، ولا واضحة المعالم لما بعد إسقاط النظام، فقادت البلاد إلى موجات متلاحقة من التهارج والاحتراب، وزجت بالشعب الصومالي برمته في أتون حرب أهلية قذرة أحرقت الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل، ودمرت معالم حضارة إنسانية شيدها الشعب الصومالي عبر القرون والأجيال وأدت إلى كارثة إنسانية مروعة، حيث لقي ما لا يقل عن نصف مليون مواطن مصرعهم على أقل تقدير من جراء الإصابات المباشرة للقصف العشوائي للمدن المكتظة بالأهالي، ومن جراء المجاعة الرهيبة، والأوبئة الفتاكة التي نجمت عن تلك الحروب، كما أدت إلى نزوح الملايين من أفراد الشعب إلى جميع أصقاع العالم لتقع فريسة سهلة ولقمة سائغة في الأفواه الفاغرة من أعداء هذا الشعب الذين طالما تربصوا به الدوائر ﴿ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾ (سورة التوبة:98)

 وهذه الأوضاع المأساوية، والمآسي الإنسانية أغرت أعداء هذا الشعب بالفتك به والإجهاز عليه، فغدا الشعب الصومالي ضحية للنظام العالمي الجديد، وحقلًا للتجارب المشبوهة لهذا النظام الوحيد القطب، ولتمرير هذه المؤامرة الخبيثة استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية مجلس الأمن الدولي، والأمم المتحدة برمتها لإضفاء الشرعية على هذا الغزو الصليبي الصهيوني للبوابة الجنوبية الشرقية للأمة الإسلامية وحامية حمى الإسلام في إفريقيا الشرقية، والمعبر الرئيسي الذي عبرت عليه أشعة نور الإسلام الوضاءة إلى أدغال إفريقيا، والتي تتحكم في أهم الممرات المائية في العالم. ومن المضحك المبكي أن هذا الغزو كان يحمل شعار «إعادة الأمل» ومسح الدموع عن أعين ومأقي البائسين والمحرومين من ضحايا الحروب والمجاعة، وكادت تمر هذه المؤامرة لولا أن عناية الله حفظت هذا الشعب، فارتكب الغزاة حماقات أثارت حفيظة هذا الشعب الأبي الباسل الذي هو بحق كما وصفه السفير الأمريكي السابق في كينيا، حيث قال بالحرف الواحد إبان الإنزال المسرحي للمارينز إلى الشواطئ الصومالية، محذرًا الإدارة الأمريكية من العواقب الوخيمة لهذا التدخل غير الموفق وغير المدروس، قال بالحرف الواحد: «إن الصوماليين ولدوا مقاتلين» فكانت النتيجة أنكسر القرن الإفريقي القرن الأمريكي ويمكن تلخيص الوضع الصومالي الراهن فيما يلي:

  1. فشل الجبهات والفصائل

تشهد الجبهات والفصائل فشلًا ذريعًا نتيجة عدم تطبيقها لاتفاقيات السلام التي أبرمتها في كل من جيبوتي، وأديس أبابا ونيروبي، والقاهرة، يضاف إلى ذلك أنها راهنت على القوى الخارجية فيما يتعلق بتلمس الحلول للأزمة الصومالية، ومما زاد الطين بلة أن بعض هذه الفصائل تعتمد العنف كوسيلة للبقاء على الساحة السياسية مع استبعادها أسلوب الحوار ومشاركة كافة فعاليات المجتمع في صياغة مصير البلاد والخروج من الانسداد السياسي الراهن، وقد تضافرت هذه العوامل في إثارة نقمة الشعب على كافة الجهات، مما أدى إلى حرق أوراقها، وسحب البساط من تحت أقدامها.

  1. انتشار المحاكم الإسلامية

لقد بدأت المحاكم الإسلامية تبرز إلى حيز الوجود بشكل فعال بعد أن تأكد للجميع فشل القوى الدولية في إيجاد أي حل للأزمة الصومالية وقد أتاحت المحاكم الإسلامية استعادة الأمن والاستقرار في ربوع الصومال، ما عدا بعض المديريات من الأقاليم الشمالية الغربية التي صارت مؤخرًا مسرحًا لمعارك ضارية بين أنصار السيد محمد إبراهيم عقال وقوات المعارضة برئاسة السيد عبد الرحمن أحمد علي «تور»، وأجزاء من الشطر الجنوبي من العاصمة التي لم تتبن بعد مشروع المحاكم الإسلامية.

وتجدر الإشارة إلى أن المحاكم الإسلامية تمثل رقمًا جديدًا في المعادلة السياسية في الصومال إذ حققت ما عجزت عنه الفصائل المتناحرة في الصومال، وكذلك القوى الدولية من استعادة الأمن والاستقرار، واستئصال شافة الجريمة من سفك الدماء، ونهب الأموال وانتهاك الأعراض، وكذلك القضاء على أعمال السطو والقرصنة، ولاذ بظلالها الوارفة الفارون من لفحات الجريمة المحرقة، مما جعلها مطلبًا جماهيريًا عارمًا أرغم أشد الناس عداوة للمشروع الإسلامي على مسايرة هذا التيار الجارف، ولقد تكاتفت جهود العلماء والوجهاء والأعيان والمثقفين، ورجال الأعمال، وجميع شرائح المجتمع في تبني مشروع المحاكم الإسلامية، وتقديم الدعم اللازم لها حتى تؤدي رسالتها الإنسانية النبيلة، ولا غرو في ذلك لأن تطبيق الشريعة الإسلامية الغراء وفتح المحاكم الشرعية فريضة إسلامية، وضرورة أمنية، حيث انتشلت بحق هذا الشعب المنكوب من تحت الأنقاض، وعلى الرغم من أن تجربة المحاكم ابتدأت من العاصمة إلا أن نطاقها اتسع شيئًا فشيًئا حتى شملت كثيرًا من المحافظات والأقاليم وخاصة الجنوبية والوسطى، وإقليم نوجال من الأقاليم الشمالية الشرقية. 

ومن هنا ثبت صدى المقولة التي يرددها الإسلاميون في كل مكان «الإسلام هو الحل» بصورة عملية لا تقبل المراء والجدل، مما جعل مراسلة هيئة الإذاعة البريطانية السيدة جين أستنلي تنوه بدور المحاكم الإسلامية في الصومال في استعادة الأمن والاستقرار- والفضل ما شهد به الأعداء.. وكذلك القناة الفضائية المصرية التي أشادت هي الأخرى بدور المحاكم الإسلامية في القضاء على الجرائم البشعة التي كانت ترتكبها العصابات الإجرامية. 

وتؤكد أن المناطق التي تبنت المشروع الإسلامي، وفتحت المحاكم الإسلامية تتمتع بأمن واستقرار لا يتوفر في المدن الكبري في الولايات المتحدة وأوروبا، وبناء على ذلك فإن المحاكم الإسلامية خلقت أجواء أمنة تمكن للمنظمات الدولية والهيئات غير الحكومية من مزاولة أنشطتها، ولا عذر لها في التذرع بالأوضاع الأمنية المتدهورة على حد تعبيرها.

  1. تنامي تيار المصالحة والوفاق

لقد بدأت محاولات لإحلال السلام، ومنع نشوب حرب أهلية في وقت مبكر من الأزمة الصومالية الراهنة، فطفق أهل الخير في المجتمع بقيادة العلماء يطلقون صيحات الإنذار والتحذير من مغبة التقاتل والاحتراب بين الأشقاء، ويصدرون البيانات في هذا الصدد ،وعندما اندلعت الاشتباكات المسلحة شرعوا يقودون المسيرات الشعبية الحاشدة لمناوبة الاقتتال وفك الاشتباكات بين الأطراف المتحاربة، ثم تطورت بعد ذلك عمليات المصالحة إلى تشكيل لجان مختلفة للمصالحة والمساعي الحميدة مكونة من العلماء والوجهاء والأعيان، ولكن تدخل القوى الدولية والإقليمية في الشئون الصومالية غير منهجية المصالحة. حيث تبنت القوى الدولية المصالحة بين زعماء الجبهات والفصائل المتناحرة، كما قامت بتهميش دور القوى الخيرة، وعقدت لذلك عددًا من المؤتمرات، إلا أنها باءت بالفشل، وعندما نفضت هذه القوى الأجنبية يدها من القضية الصومالية عادت عمليات المصالحة إلى مسارها الطبيعي وإطارها الشعبي، ولدفع عجلة المصالحة إلى الأمام، وإعطائها قفزة نوعية في التخطيط والإدارة، تم إنشاء جهاز خاص يقوم بإشراف وتنسيق عمليات المصالحة في جميع بؤر التوتر في البلاد.

ولقد حقق هذا الجهاز الجديد للمصالحة والذي يطلق عليه اسم المجلس الصومالي للمصالحة إنجازات عظيمة، وأحرز انتصارات باهرة في معركة السلام في الآونة الأخيرة، وإليه يرجع الفضل –بعد الله– في إخماد نار الفتنة ونزع فتيل الحرب بعد رحيل القوات الدولية التي كانت تخطط لتفجير الوضع بعد رحيلها، وآخر هذه الجهود ما حققه المجلس في إقليم هيران من إصلاح ذات بين كثير من القبائل، وما يزال المجلس يمضي قدما يكسح الألغام أمام طريق المصالحة الوطنية المنشودة، كما يعتزم المجلس توسيع نطاق عمليات المصالحة حتى تشمل جميع البلاد، ويهيئ الأجواء المناسبة لعقد مؤتمر عام تشترك فيه جميع القوى الخيرة من المجتمع التقرير المصير السياسي للبلاد.

وفي إطار جهود المصالحة الشعبية تجدر الإشارة إلى مبادرة السلام والمصالحة التي تقوم بها لجنة مكونة من شخصيات بارزة بقيادة مندوب الصومال السابق لدى الأمم المتحدة السيد عبد الرحيم عابي فارح لحل النزاعات القائمة في الأقاليم الشمالية الغربية من البلاد، والشعب الصومالي بأسره إذ ينوه بجهود اللجنة يدعو الله لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها الإسلامية والوطنية والإنسانية.

  1. تصاعد حدة الخلاف السياسي داخل التحالف الوطني الصومالي SNA

لقد سبق أن دب ذلك الداء العضال في صفوف معظم الفصائل المتصارعة في الصومال، حتى حدثت انشطارات بسيطة أو مركبة داخل كل منها، مما جعلها تنقسم إلى أجنحة متصارعة يدعي كل جناح أنه هو الممثل الشرعي الوحيد لتلك الجبهة أو ذلك الفصيل ،ويبدو أن عدوى ذلك الوباء قد انتقلت إلى التحالف الوطني الصومالي SNA الذي يتزعمه الجنرال محمد فارح عيديد، حيث ظهرت مجموعة منشقة عن التحالف ومعارضة السياسات زعيمه يقودها السيد عثمان حسن علي «عثمان عاتو» رجل الأعمال الشهير والساعد الأيمن لزعيم التحالف الوطني الصومالي ومموله الرئيسي «سابقًا».

وقد عقدت هذه المجموعة المعارضة مؤتمرًا لها مؤخرًا، اشترك فيه ٢٥ عضوًا من اللجنة المركزية للتحالف الوطني الصومالي من أصل ٣٢ عضوًا تتألف منهم اللجنة، وأصدروا بيانًافي وقت سابق من الشهر الماضي ينددون فيه بسياسة زعامة التحالف، ودعوا إلى عقد جلسة استثنائية لأعضاء المؤتمر العام للتحالف لإجراء تعديلات هامة على القيادة العليا للتحالف، ويرى المحللون أن هذا الانشقاق قد وجه ضربة لا يستهان بها للجنرال عيديد.

  1. تشكيل إدارة إقليمية لبعض المحافظات

بعد جهود مضنية ومفاوضات جادة ومناقشات حادة دامت قرابة سبعة أشهر توصل على إثرها الأعيان والوجهاء والعلماء والمثقفون في محافظتي باي ويكول إلى الاتفاق على تشكيل إدارة مدنية إقليمية جديدة خارج الإطار الجبهوي، مما يعتبر قفزة نوعية وعنصرًا جديدًا في المعادلة السياسية في الصومال، الأمر الذي قد يمثل بداية عهد جدید عهد الخروج من مرحلة الجبهات والفصائل المتناحرة والدخول في مرحلة الأحزاب والتكتلات السياسية غير المسلحة مما سيمهد الطريق نحو مصالحة وطنية شاملة، ويعطي أملاً جديدًا لاستعادة الكيان الوطني الصومالي المنهار، وتشكيل حكومة وحدة وطنية ذات تمثيل عريض، ويرى المراقبون أن موجة النعرات الإقليمية والانفصالية قد هدأت إلى حد كبير نظرًا للفشل الذريع الذي منيت به تجربة الأقاليم الشمالية الغربية في هذا المضمار، وعلى هذا فمن المستبعد أن تراود هذه الفكرة قادة هذه الإدارة الإقليمية في جنوب غرب البلاد مهما كانت المخططات الدولية الرامية إلى تمزيق وحدة الأراضي الصومالية إلى دويلات وإدارات هزيلة تعيش تحت هيمنة إمبراطوريةأثيوبية مسيحية عملاقة.

  1. زيارة وفد من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية للصومال

قام بزيارة استطلاعية في أوائل يونيو الجاري وفد مكون من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية لجس النبض، ورفع تقرير عن الاحتمالات الممكنة والفرص المتاحة لعقد مؤتمر جديد للمصالحة الوطنية بين الفصائل الصومالية المتصارعة، ولقد أجرى الوفد الزائر اتصالات مكثفة مع قادة الفصائل الصومالية، لإعداد تقرير عن الوضع الصومالي لرفعه إلى القادة الأفارقة الذين سيجتمعون فيأديس أبابا في مؤتمرهم السنوي وكل هذه المستجدات في الساحةالصومالية تشير إلى:

  1. بداية أقول نجم الجبهات المسلحة التي ظلت تسيطر على الموقف، وتهيمن على الساحة السياسية في الصومال طيلة السنوات الخمس الماضية، حيثظهرت ولأول مرة إدارة إقليمية Regional Administration خارج الإطار الجبهوي.
  2. تنامي دور القوى الشعبية الخيرية في المجتمع من خلال أنشطة المصالحة الوطنية، والمحاكم الإسلامية، والإدارات الإقليمية.
  3. أن مبادرات السلام من قبل منظمات إقليمية مثل جامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية لا تمثل إلا واجهات جديدة للتدخلات الدولية في الشئون الصومالية.

وفي الختام نرى أن حل الأزمة الصومالية لابد وأن يبقى في إطاره الصومالي من حيث الشكل والمضمون، على أن يكون قائمًا ومنبثقًا من معتقدات وقيم هذا الشعب المسلم، وبعيدًا عن الحلول المستوردة والقوالب الجاهزة التيتشكل عقبة كئودًا أمام الحل الدائم والعادل للمعضلة الصومالية، وأخيرًا لابد من اتخاذ كل الإجراءات الممكنة للحيلولة دون إجهاض الحل الصحيح بالتسرع والاستعجال والعشوائية والارتجالية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 53

134

الثلاثاء 30-مارس-1971

المسلمون في.. إفريقيا

نشر في العدد 836

84

الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

المجتمع الإسلامي (836)