العنوان قمة السبعة الكبار تشقها الخلافات ومحاولات الاستقطاب
الكاتب جمال الطاهر
تاريخ النشر الثلاثاء 27-يونيو-1995
مشاهدات 90
نشر في العدد 1155
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 27-يونيو-1995
- قرارات الدول الكبرى المتعلقة بالبوسنة جاءت ضعيفة وهزيلة
- السبع الكبار يدعمون يلتسين بلا حدود.. ويعتبرون صراعه في الشيشان أمرًا داخليًا
- قضايا البوسنة والشيشان فرضت نفسها على القمة.. وبدا أن الجميع حريص على عدم إنصاف المسلمين
تفجر الخلافات.. محاولات الاستقطاب.. تراجع أمام هيمنة المصلحة والاعتبارات «الوطنية».. عجز الكبار ومؤسساتهم أمام استراتيجيات الصغار ومبادراتهم.. تلك كانت أهم سمات وحقائق الدورة الحادية والعشرين والأخيرة لقمة «السبعة الكبار»، خلال أيام ١٥، ١٦، ١٧ يونيو الجاري بمدينة هاليفاكس في الشرق الكندي، خلال ثلاثة أيام كاملة ناقش وتدارس رؤساء دول وحكومات الدول السبعة الصناعية الكبرى ملفات وقضايا عديدة، ورغم حرص كندا باعتبارها البلد المنظم والمضيف للدورة والذي يرجع إليه أمر تحديد جدول أعمالها، على أن تتمحور أساسًا أشغال وفعاليات هذه الدورة حول دراسة أوضاع وإمكانيات تفعيل المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية وتأهيلها أكثر المواجهة وإدارة الأزمات المالية والاقتصادية المرتقبة والمفاجئة التي قد تطرأ على الدورة الاقتصادية العالمية وتمس اقتصاديات بعض البلدان.
لقد تميزت فعاليات هذه الدورة بحركية منفعلة ومتشنجة في بعض الأحيان عكست مدى تعمق المشكلات في العلاقات بين دول هذه المجموعة التي تعتبر أقوى وأهم تجمع سياسي في العالم «حكومة عالمية» يطرح ويعالج ويقرر في قضايا النظام الدولي ومؤسساته مراجعة وإصلاحًا وتأسيسًا الشيء الذي جعل هذه الدورة تبدو مسكونة بجملة من القضايا والتراكمات الخلافية الحادة في بعض الأحيان ومثقلة بقضايا أخرى عرفت تطورات هامة قبيل وخلال انعقاد الدورة مثل قضيتي الشيشان والبوسنة والخلاف الأمريكي الياباني. كل ذلك جعل هذه الدورة تعرف لحظات جد صعبة، وخاصة عند التقرير في بعض القضايا التي توجد حولها حساسية مشتركة، كما عرفت هوامش هذه الدورة لحظات أصعب عند معالجة بعض القضايا الثنائية مثل الخلاف الأمريكي-الياباني.
ولقد قامت «المجتمع» بتغطية فعاليات هذه الدورة «القيصرية»، وفيما يلي تقرير إجمالي عن ظروف انعقادها وقضاياها ونتائجها، وكان من أهم القضايا المطروقة:
- الملف الاقتصادي
مع أن هذا الملف يعتبر من وجهة نظر المنظمين الكنديين أهم نقطة في جدول أعمال الدورة، إلا أنه عمليا لم يحظ بالاهتمام اللازم وتدل على ذلك الحصيلة الهزيلة لمقررات القمة في هذا المجال الذي بقي محوريًا، على الورق فحسب تقريبًا، فقد وافق رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في مجموعة «السبعة الكبار» على إحداث صندوق دولي استعجالي رأسماله ٥٨ مليار دولار يعمل على التنبؤ بوقوع الأزمات المالية كالتي حصلت في المكسيك في ديسمبر من السنة الماضية، كما يعمل أيضًا على إدارة الأزمات في حالة وقوعها للتقليل من مضاعفاتها السلبية، كما تمت في هذا الإطار دراسة العديد من مشاريع إصلاح المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية القائمة من أجل الزيادة في فاعليتها، حيث وقع التأكيد بالنسبة لصندوق النقد الدولي مثلا على وجوب تمتعه بنظام «إنذاري» متقدم يمكنه من التدخل بالسرعة المطلوبة لمنع حصول الأزمات أو على الأقل يمكنه من حسن إدارتها إذا ما كان أمر منع وقوعها مستحيلًا.
وأكدت الدورة أن البنك الدولي والأمم المتحدة مطالبين في المستقبل بمحورة برامجهما أكثر حول إعانة الدول الأكثر فقراء وخاصة منها دول إفريقيا التي أخذت إجراءات بتخفيض نفقاتها العسكرية والزيادة مقابل ذلك في ميزانيات التعليم والصحة وغيرهما من البرامج الاجتماعية.
- الخلاف الأمريكي–الياباني
ورد في نص البيان الختامي للقمة تنديد واضح وصريح بالحمانية، وتأكيد على إعطاء الأولوية للمنظمة العالمية للتجارة لحل المشاكل الاقتصادية التي قد تنشأ بين أعضائها مثلما هو حاصل الآن بين الولايات المتحدة واليابان وأشار هذا البيان إلى التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات من «جهتها وحدها» ضد طوكيو في حالة عدم التوصل إلى اتفاق معها إلى يوم ۲۸ يوليو القادم، حول إمكانية السماح للسيارات الأجنبية، والأمريكية بالأساس بدخول السوق اليابانية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد حاولت من خلال إعلانها منذ منتصف مايو الماضي، أي قبيل انعقاد هذه القمة، عن نيتها في اتخاذ إجراءات تجارية وربما اقتصادية صارمة ضد طوكيو حاولت الضغط على اليابان حتى تفتك منها اتفاقا لصالحها، ولكن يبدو أن هذه المحاولات الأمريكية هذه لم توفق في عزل اليابان عن بقية شركائها الآخرين، خاصة وأن الولايات المتحدة قد عملت خلال هذه القمة على تعزيز مواقفها وإقناع أكثر ما أمكن من الأطراف الأخرى المشاركة من قادة الدول والوفود المرافقة لهم بحقيقة وبأحقية قرارها أو موقفها، وقد أبدت العديد من الجهات المهمة الحاضرة في هذه القمة مواقفها تجاه هذا «الخلاف الخطير»، فالاتحاد الأوروبي رغم أنه قد ظهر مؤيدًا دفع اليابان في اتجاه فتح أسواقها أمام السلع الأجنبية، إلا أنه قد أبدى في نفس الوقت، عدم موافقته على استعمال سلاح التهديد بالحرب التجارية ضد اليابان من جهة واحدة هي جهة أمريكا وذكرت مصادر أمريكية حاضرة في القمة أن واشنطن تنوي فرض رسوم جمركية صارمة تصل إلى ١٠٠ على ٥.٨ مليار دولار هي قيمة الصادرات اليابانية للولايات المتحدة من السيارات الفخمة في صورة إصرار حكومة طوكيو على موقفها بعدم فتح أسواقها للسيارات ولقطع الغيار الأمريكية خاصة الأجنبية عامة، بعد ۲۸ يوليو القادم، وهو ما سيعجل من تصدير اليابان لمثل هذه الكميةالضخمة من السيارات الفخمة إلى أمريكا في المستقبل أمرًا صعبًا بل مستحيلًا.
- الملف السياسي
في إطار الملف السياسي الذي تضخم كثيرًا على حساب المسألة المحورية للدورة وهي مراجعة وضعية المؤسسات الدولية، فقد تعرضت القمة إلى جملة المسائل التالية وقررت فيها ما يلي:
١- مقاومة الإرهاب:اتفق الثمانية «السبعة + روسيا» على دعم مقاومتهم للإرهاب الدولي المتنامي، وخاصة مع حادثة مترو طوكيو وتفجير أوكلاهوما، وعلى تطوير تعاونهم ضد الجريمة المنظمة وضد تبييض أموال المخدرات، وذلك من خلال زيادة تبادل الخبرات فيما بينهم وزيادة التعاون، خاصة في مجالي التكنولوجيا والبحث العلمي، ورغم مناشدة قمة الثمانية كل البلدان التي تمتلك السلاح النووي بوقف برامجهم وتجاربهم النووية، فإن البيان الختامي وكذلك المداولات واللقاءات الثنائية التي جمعت المشاركين لم يتعرضوا ولو بمجرد الإشارة إلى القرار الأخير للرئيس الفرنسي الذي اتخذه قبل انعقاد القمة بيوم واحد فقط، والقاضي باستئناف فرنسا لتجاربها النووية ما بين شهري سبتمبر ومايو القادمين «ثماني تجارب»، وقد كان اليابان البلد الوحيد الذي أصيب بالقنبلة النووية، هو البلد الوحيد الذي ندد بالقرار الرئاسي الفرنسي الأخير معتبرًا إياه خيانة لكل الاتفاقيات الدولية الممضاة حولوقف السلاح والتجارب النووين.
٢- مشكلة البوسنة: اكتفى قادة (۷ + ١ «روسيا») بدعوة كل أطراف النزاع العمل من أجل إيجاد حل سريع للمشكلة في البوسنة وذلك دون أن يطرحوا أية مبادرة واضحة ومقتصرين على التذكير بصلاحية جملة المبادرات السابقة رغم أنها لاتزال تواجه صعوبات عملية عديدة أمام إنفاذها في أرض الواقع بما في ذلك مبادرة مجموعة الاتصال التي تضم كل من ألمانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، والتي تدعو إلى تقسيم البوسنة إلى قسمين متساويين تقريبًا، وهو ما يواصل صرب البوسنة رفضه منذ البداية، كما أكد الثمانية بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية بأن مشكلة البوسنة لا يمكن أن تحل عسكريًا، وقد جاءت قرارات القمة فيما يخص البوسنة كالتالي:
أولًا:اقتصار البيان الختامي للكبار (٧+١) على مجرد ترديد دعوة أطراف النزاع في البوسنة من أجل وقف فوري للعمليات العسكرية واستئناف المفاوضات السياسية.. وتأكيده على انشغالهم الكبير من التصاعد المستمر للاعتداءات في البوسنة، وخاصة فيمنطقة سراييفو.
ثانيًا: تأييد «بدأ خفيفًا جدًا» لفكرة إحداث قوة للتدخل السريع في البوسنة تابعة للأمم المتحدة بعد «اعترافات» كلينتون بأن الأغلبية الجمهورية في الكونجرس الأمريكي قد حددت سقف حصة الولايات المتحدة في تمويل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة حيث خفضتها إلى ثلث المبلغ المقترح في الموازنة الأخيرة، وقد دفعت هذه الوضعية المالية الصعبة الكبار الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا إلى توجيه نداء شجاع وجرئ إلى بقية دول العالم، خاصة منها بلدان الخليج وآسيا الغنية لتمويل مثل هذه العملية الأممية السلمية الهامة التي سيكون قوامها ۱٢,٥٠٠ جندي أممي إضافي في البوسنة.
ثالثًا: أبلغ الرئيس كلينتون حكومة البوسنة قبيل انعقاد هذه القمة بأنها لا يمكن أن تعول على حل عسكري لنزاعها مع صرب البوسنة الذي يتواصل منذ ثلاث سنوات، كما صرح كلينتون بأنه لا يعتبر تحرك الجيش البوسنوي الأخير لفك الحصار على سراييفو تطورًا إيجابيًا في القضية. رابعًا: على المستوى الديبلوماسي، تبدو الصعوبات جلية في إيجاد الوسائل الكفيلة بإجبار زعيم صرب البوسنة بأخذ تعهدات تؤدي إلى إعادة السلام للبوسنة، خاصة وأنه قد رفض إلى غاية الآن كل العروض السلمية المقترحة، بل وتجاوز ذلك إلى تحدي الأمم المتحدة والحلف الأطلسي والاستهتار بهما من خلال إقدامه على أسر مئات الجنود الأممين من أجل إجبار قوات الحلف الأطلسي على إيقاف حملاتها الجوية واستعادة أربعة من جنوده وقعوا في أسر قوات الأمم المتحدة.
ورغم ما أبداه الأوروبيون الذين يعتبر حضورهم في البوسنة من حيث عدد القوات الأكبر من بين بقية جهات العالم المشاركة في قوات حفظ السلام من السرور بعد إعراب الولايات المتحدة عن إمكانية مشاركتها في عمليات التدخل السريع لسحب قوات الأمم المتحدة، فإن القلق من مستقبل هذا الملف قد بقي كثيرًا ومهيمنًا على القمة ومحيطها فنحن مطالبون بمنع وقوع ما هو أسوأ خلال هذا الصيف وهو تمدد الحرب في «البوسنة»، حسب ما صرح به نیکولا یورنس –الناطق باسم وزارة خارجية الولايات المتحدة – وهو ما يؤكد أن هذا القلق وهذا الخوف من المجهول أمران مشتركان بين كل رؤساء بلدان وحكومات أعضاء السبعة ومعهم روسيا أيضًا. لقد حولت الثلاث سنوات الأخيرة من الحرب والمساعي الديبلوماسية هدف «الكبار» إلى مجرد محاصرة الخسائر والبحث عن إمكانية محتشمة ووديعة، لمنع تمدد النزاع ومحاولة إعادة الاعتبار لمصداقية الأمم المتحدة والحلف الأطلسي باعتبارهما حاميين لسلام غير موجود أصلًا في اتحاد يوغسلافيا المنحل، أمام ضعف «السبعة الكبار والأقوياء». عن إيجاد حل عادل ونافذ للقضية، فإن القمة وما سيأتي بعدها من مؤتمرات وندوات وربما قمم أخرى ستبقى عاجزة عن اتخاذ أي إجراءات عملية هامة لحل المشكل حلًا عادلًا وبقدر ما يبدو «الكبار ضعافًا»، بقدر ما يعظم قيمة الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا «المنهارة» في ملف البوسنة نظرًا لصداقتها الحميمة مع الصرب، وقد بدا واضحًا حرص بوريس يلتسين على استغلال ورقة التدخل لدى أصدقائه الصرب بقبول حل يحقق لهم طموحهم ويحفظ للكبار ما بقي لهم من ماء الوجه في هذه القضية، كما بدا من قبل حرصه على استغلال امتلاكه لرصيد كبير جدًا من السلاح والتكنولوجيا النووين زيادة عن الآلاف من أصحاب العلم والاختصاص في هذا المجال، وقد صرح الرئيس شيراك في ندوة صحفية على هامش هذه القمة بأنه على الغرب أن لا يقع في خطأ قد يكون قطعًا قاتلًا إذا ما أهمل روسيا وهمش قيمتها كقوة دولية «معتبرة»، لقد ظهر جليًا تضخم قيمة روسيا ورئيسها يلتسين في هذه القمة، الشيء الذي مكن هذا الأخير من امتلاك صك على بياض ليفعل به ما يريد، وليطلق به يده لا في بلاده فحسب، بل في كامل تركة الاتحاد السوفييتي المنحل يفعل فيها ما يشاء، وما مثال تدخله العسكري الغاشم في الشيشان إلا دليل واضح على ذلك، حيث مرت القضية في «أجواء هادئة»، لم تشوش عليها إلا بعض الأصوات النشاز التي أطلقتها للتمويه والتضليل بعض الجهات «الحرة» للتنديد بالتدخل العسكري.
لقد كسب يلتسين في هذه القمة الإشارة الخضراء لحل قضية الشيشان بطريقته الخاصة ضمن «الدستور الروسي» وهو نوعمن الإقرار الصريح بأن المشكلة داخلية بالأساس، وأنها وإن كانت انتفاضة وتمرد قام به بعض الانفصاليين، إلا أنه يحسن بيلتسين حلها سياسي؟ ضمن قوانين روسيا، كما جاء في البيان الختامي لهذه القمة.
ويمكن اعتبار رفض يلتسين الطلب الذي وجهه له الزعماء الكبار في هذه القمة بإلغاء قراره بيع وحدتين نوويتين لإيران محاولة أخرى منه لتعزيز موقفه ورصيده، خاصة وأن العديد من المؤشرات في الساحة الدولية توحي بمقدمات سيناريو لقضية أو أزمة دولية جديدة قد تكون إيران أحد أطرافها البارزين، وتظهر نجاعة هذه السياسة الانتهازية من طرف يلتسين من خلال تكريمه بخدمة هامة وجليلة من شأنها أن تدعم موقفه أمام الرأي العام الروسي وهو على أبواب انتخابات رئاسية في بداية الصيف القادم، هذه الخدمة تمثلت في إقرار القمة عقد مؤتمرًا دوليًا في ربيع السنة القادمة بموسكو، أسابيع فقط قبل الانتخابات الرئاسية في روسيا حول «منع التسلح النووي».
أمام كل هذه المعطيات في ملف البوسنة تبدو الانتصارات العسكرية الأخيرة التي سجلتها القوات البوسنوية الأكثر تأثيرًا في اعتبار الحق البوسنوي من طرف «الكبار» والأكثر وزنًا في فرض مشكلة البوسنة كمحور هام في هذه القمة منذ اليوم الأول لانطلاقاتها رغم أنه كان من المقرر أن لا يتم تناولها إلا في اليوم الثاني ضمن الملف السياسي، وبعد ألتحاق يلتسين بالقمة، لقد جعل هذا التغيير في جدول الأعمال وأصبحت بمقتضاه قضية البوسنة وبدون حسبان مسبق المحور السياسي الأهم المعروض والمهيمن على هذهالقمة منذ افتتاحها..
ختامًا.....
لقد انتهت هذه القمة بصدور بيانات مطولة ولكنها ليست ذات قيمة كبيرة، كما أشار إلى ذلك الرئيس الفرنسي ذاته الذي تألق في هذه القمة على حساب الأمريكي كلينتون، وظهر «مشاكسًا وعنيدًا» في بعضالأحيان، وقد وافق المشاركون على قبول اقتراح تقدم به الرئيس الفرنسي الجديد جاك شيراك يقضي بعقد القمة القادمة بمدينة ليون في فرنسا خلال يوليو المقبل تخصص الدراسة موضوع الشغل تأسيسًا على ما تم الاتفاق عليه في القمة المنعقدة خلال السنة الماضيةبمدينة ديترويت الأمريكية، كما نجح شيراك في إقناع زملائه بأن تكون القمة القادمة مسبوقة بمؤتمر دولي يعقد أوائل السنة القادمة بباريس حول الشغل أيضا، والحقيقة أن شيراك لم ينجح في استضافة القمة القادمة فقط، وإنما نجح أيضًا في توجيه رسالة إلى الناخبين الفرنسيين بأنه حريص على الوفاء بوعوده الانتخابية التي محورها قضية الشغل، وزيادة عن ذلك كله، فقد ظهر من خلال هذه القمة:
١- صعوبة التقرير والاتفاق بين «الكبار» على الملفات التي يكون المسلمون أحد أطرافها مثل قضيتي البوسنة والشيشان، وهو دليل على أن هذه الدول ولواحقها من المؤسسات والكيانات الدولية الأخرى تواجه معادلات صعبة عند التقرير أولوية عدم النفوذ على مناطق العالم، خاصة منها الاستراتيجية من جهة، وعدالة القضايا الإسلامية من جهة أخرى، لهذا .. فإن هذا التلكأ في التقرير يمكن أن نفهم منه أحيانًا محاولة ربح الوقت لصالحهم على حساب الأطراف المسلمة والبحث عن الصيغة الأنسب لتغليف حقائق الأمور والأشياء، وتجنب الوقوع في النفاق المعلن والفج والتناقض بين المبادئ والسياساتالواقعية أحيانًا أخرى.
٢- الغالب على هذه الدورة هي أجواء الحملات الانتخابية أكثر من مناخات النجاعة في الدراسة والتقرير: فأهم زعماء الثمانية اليابان والولايات المتحدة وروسيا تنتظرهم امتحانات انتخابية ستكون صعبة للغاية خلال الفترة القريبة القادمة، وخاصة مع تنامي المعارضات الداخلية في هذه البلدان تراجع موقف يلتسين وتقدم الجمهوريين الساحق في الكونجرس الأمريكي، ودقة ملف النزاع مع الولايات المتحدة بالنسبة لحكومة اليابان ويضاف إلى ذلك حداثة عهد شيراك بكرسي الرئاسة وحرصه الواضح على اغتنام مثل هذه الفرص للوفاء ببعض وعوده الانتخابية خاصة وأن هذه القمة قد انعقدت خلال الانتخابات البلدية التي ظهر من خلال دورتها الأولى أن اليمين الحاكم يواجه منافسين أقوياء. كل هذه المعطيات جعلت من هذه الدورة دورة سطحية في معالجتها للقضايا المطروقة، ضعيفة في قرارتها، وعنيفة في الدفاع عن المصالح الوطنية.
٣- اختلاف الموازين: فرغم مبادرة الرئيس شيراك بإعلان قراره استئناف التجارب النووية في جنوب الساحل الأطلسي قبل يوم واحد من انعقاد الدورة، فإن فعاليات الدورة وبيانها الختامي لم يتعرضا لهذه المسألة ولو تلميحًا رغم مخالفة هذا القرار الواضحة للعديد من المعاهدات الدولية ، ولم يسجل سوی تنديد ياباني مر خافتًا ويتيمًا، نفس هذه المجموعة التي نراها تغض الطرف عن القرار الفرنسي تبدي حرصًا شديدا لإقناع يلتسين بإلغاء بيعه وحدتين نوويتين لإيران، وهي نفسها التي نراها لا تفتاً تلاحق البرامج النووية لبعض البلدان الإسلامية، وهي نفسها التي نراها تفتعل برامج نووية لبعض البلدان الإسلامية كمقدمة لضربها أو تركيعها أمام قرار معين أو تدجينها بسياسة ما.. لئن نجحت هذه القمة جزئيًا في استيعاب وتجاوز بعض الخلافات والأحداث المستشكلة فهل أن ما سيأتي بعدها من مناسبات دولية أخرى، سيكون كفيلا بتجاوز المشكلات الحقيقية واستتباعاتها التي لا تكاد تتوقف عن التولد، أم أن العالم ونظامه الدولي يتجهان حتمًا إلى التصدع نتيجة انسداد المسالك وعجز هذا النظام عن الفعل الإيجابي، وعن استيعاب إفرازاته في اتجاه صياغة تحولات هادئة وطبيعية؟ ثم أين يقف الجنوب ومن ضمنه أساسًا العالم الإسلامي؟ فهل سيبقيان على هامش الحدث الدولي أم أنهما سيقدران على فرض استراتيجياتهما وإن كانت صغيرة على استراتيجيات الشمال وإن كانت كبيرة؟.