; قلبك.. أيها الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان قلبك.. أيها الإنسان

الكاتب د. عادل الزايد

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-1995

مشاهدات 102

نشر في العدد 1148

نشر في الصفحة 60

الثلاثاء 02-مايو-1995

اعتاد مشاهدو الأفلام العربية القديمة على تلك اللقطة السينمائية التي تظهر في معظم تلك الأفلام، وهي اللقطة التي يمسك بها الأب صدره بعد عراك مع ابنه الفاسد ويصرخ بأعلى صوته: قلبي.. قلبي.. ويسقط مرميًا على الأرض، ويتجمهر حوله أفراد أسرته وتتوالى بعد ذلك أحداث الفيلم المأساوية.

هذه الصورة هي التي جعلت ملايين من الناس تخشى هذه الآلام وتلك اللحظة التي سيضطر فيها الإنسان للإمساك بصدره، ولكن هل كل ألم يشعر به الإنسان في صدره يكون بالضرورة ناتجًا عن مرض في قلبه؟ وهل كل البشر هم عرضة للإصابة بأمراض القلب؟!

للإجابة على هذه الاستفسارات كان لابد لنا من التعرف على القلب، وعلى عمله حتى يتسنى لنا بعد ذلك التعرف على إجابات تلك الأسئلة.

ما القلب؟

القلب الذي نضعه اليوم تحت مجهرنا العقلي للتعرف عليه عن قرب، ما هو إلا عضلة كمثرية الشكل، يفوق في حجمه حجم قبضة اليد بقليل، ويتكون من ثلاث طبقات وهي:

1.      طبقة عضلية سميكة في المنتصف «Myocardium».

2.      تغطيها طبقة دقيقة من الخلايا من السطح الخارجي «Pericardium».

3.      وطبقة أخرى رقيقة من الخلايا تغطي السطح الداخلي «Endocardium».

القلب يمثل حجر الزاوية بالنسبة للجهاز الدوري في جسم الإنسان، فهو بمثابة المضخة التي تعمل على ضخ الدم عبر الأوعية الدموية المختلفة ليصل إلى كافة أعضاء وخلايا الجسم ليحمل لها الأوكسجين والغذاء ويحمل منها فضلاتها وثاني أكسيد الكربون.

ومن أجل تحقيق ذلك فإن قلب الإنسان الطبيعي ينبض تقريبًا 72 مرة في الدقيقة، ضاخًا بذلك في ذات الدقيقة ما مقداره 3.8 لتر من الدم تقريبًا، ومن خلال عملية حسابية بسيطة سنجد أن قلب الإنسان عندما يبلغ الـ70 من عمره يكون قد نبض تقريبًا 2.5 مليون نبضة، ضاخًا 132 مليون لتر من الدم.

ينقسم القلب إلى قسمين رئيسيين وهما اللذان يعرفان اصطلاحًا بالقلب الأيمن والقلب الأيسر، وكل قسم ينقسم إلى حجرتين؛ حجرة علوية وهي أقل سمكًا من الحجرة السفلية، وهكذا فإننا نستطيع أن نقول إن القلب يتكون من أربع حجرات وهي:

1.      الأذين الأيمن.

2.      البطين الأيمن.

3.      الأذين الأيسر.

4.      البطين الأيسر.

والأذينان هما الحجرتان المستقبلتان للدم الواصل إلى القلب من جهات الجسم المختلفة، أما البطينان فهما حجرتا الضخ والبطين الأيسر هو أكبر وأكثر سماكة من البطين الأيمن.

الدورة الدموية

بعد أن يُضخ الدم من القلب فإنه ينطلق عبر الشرايين المختلفة إلى كافة أعضاء وخلايا الجسم مادًا إياها بالغذاء والأوكسجين، ثم بعد ذلك يحمل فضلات هذه الخلايا وثاني أكسيد الكربون ليعود إلى القلب مرة أخرى عن طريق الأوردة، وكافة الأوردة التي تأتي من النصف السفلي للجسم تتجمع لتصب في الوريد البابي السفلي «Inferior vena cava» وجميع الأوردة القادمة من النصف العلوي للجسم تتجمع في الوريد البابي العلوي «Superior vena cava» ويصب كلا الوريدين في الأذين الأيمن، ومنه يصل الدم إلى البطين الأيمن الذي سيقوم بضخ الدم عبر الشريان الرئوي إلى الرئتين حيث ستتم عملية التبادل الغازي فيتخلص الدم من ثاني أكسيد الكربون ويحمل بالأوكسجين ثم يعود وعبر الوريد الرئوي إلى الأذين الأيسر وعبره يصل الدم إلى البطين الأيسر الذي سيقوم بضخ الدم عبر الشريان الأورطي ومنه تتفرع بقية الشرايين ليصل الدم إلى كافة أجزاء الجسم وخلاياه مبتدئًا دورة جديدة من دورات الدم في جسم الإنسان.

أما القلب فإنه يحصل على حاجته من الدم الذي يمده بالأوكسجين والغذاء عبر الشرايين التاجية التي تلتف وتتشعب في نظام دقيق حول القلب لتصل إلى جميع أطرافه.

الصمامات القلبية

كما قرأنا في الأسطر السابقة فإن الدم ينتقل من بعد تجمعه في الأذين الأيمن إلى البطين الأيمن الذي يدفع الدم بدوره عبر الشريان الرئوي، وكذلك الدم القادم من الرئتين يتجمع في الأذين الأيسر ثم ينتقل إلى البطين الأيسر الذي يدفع الدم بدوره عبر الشريان الأورطي إلى كافة أنحاء الجسم، ومن هنا كان لا بد من وجود صمامات تنظم عملية مرور الدم في اتجاه واحد وتمنع ارتداده في الاتجاه العكسي، وهناك أربع صمامات قلبية تقوم بهذا العمل وهي:

1.      الصمام الثلاثي «Tricuspid valve»: وهو الصمام الذي يقع بين الأذين الأيمن والبطين الأيمن وهو يسمح بانسياب الدم في اتجاه البطين الأيمن مانعًا ارتداد الدم في اتجاه الأذين الأيمن وخصوصًا عندما ينقبض البطين الأيمن ليدفع الدم في اتجاه الشريان الرئوي.

2.      الصمام الميترالي «Mitral valve»: وهو الصمام الذي ينظم عملية تدفق الدم من الأذين الأيسر إلى البطين الأيسر مانعًا ارتداد الدم في اتجاه الأذين عند انقباض البطين الأيسر.

3.      الصمام الأورطي «Aortic valve»: ومن اسمه يتضح أنه الصمام الذي يحرس فتحة الشريان الأورطي النافذة على البطين الأيسر، فيفتح عند انقباض البطين الأيسر ليسمح للدم بالتدفق في اتجاه الشريان الأورطي ثم ينغلق بعد ذلك مانعًا ارتداد الدم في اتجاه البطين المتراخي.

4.      الصمام الرئوي «Pulmonary valve»: وهو الصمام الذي يقوم بدور مماثل لدور الصمام الأورطي، ولكن يقوم بهذا الدور بين الشريان الرئوي والبطين الأيمن.

ولا شك أن منع ارتداد الدم في الاتجاه المعاكس هو واحد من أهم وظائف هذه الصمامات، إلا أن وجود هذه الصمامات ضروري أيضًا لكي يؤدي انغلاقها في وقت معين إلى تراكم الضغط داخل الحجرات المختلفة للقلب فيعطي هذا الضغط قوى إضافية لعضلات تلك الحجرة عند دفع الدم من الاتجاه المقصود. وكي تؤدي هذه الصمامات واجبها على أكمل وجه، فمن الضروري أن تكون لها مرونة معينة، وألا تكون مرتخية أكثر من اللازم حتى لا يحدث أي خلل في نظام عملها.

كيف ينبض القلب؟

نبض القلب يحدث نتيجة عملية منتظمة من الانقباض والانبساط في عضلة القلب، فالأذينان ينقبضان سويًا في الوقت الذي يكون فيه البطينان منبسطين فيتدفق إليهما الدم المتجمع في الأذينين فيأخذ الضغط داخل البطينين في الارتفاع حتى يصل إلى حد معين فتنغلق الصمامات بين الأذينين والبطينين فينقبض البطينان دافعين بالدم عبر الشرايين.

وعملية الانقباض هذه ينظمها عقدتان عصبيتان: إحداهما موجودة في الأذين الأيمن وهي التي تعرف باسم عقدة «S-A node»، وهي المسؤولة عن انقباض الأذينين في حين أن عملية انقباض البطينين تنظمها عقدة جيبة أخرى، وهي الـ«A-V node» وهي تقع في الجدار الفاصل بين الأذينين وهناك ترابط بين هاتين العقدتين العَصَبيتين بل إن الإشارات الصادرة عن الـ S-A node تقود عملية الـ A-V node.

في حين أن الـS-A node واقعة تحت سيطرة الجهاز العصبي اللاإرادي وعن طريق هذا التواصل العصبي يقوم الجهاز العصبي اللاإرادي بتنظيم عملية تسارع وتباطؤ عملية دقات القلب، ففي حالات المجهود العضلي والانفعال النفسي تتزايد دقات قلب الإنسان وفي حالات الهدوء والراحة والسكينة تتباطأ دقات القلب وهكذا نجد أنه يستحيل أن يوجد عضو في جسم الإنسان يعمل بشكل منفرد بل هي جميعها تعمل في تناسق وتعاون دقيقين وسبحان ربي العظيم.

وأسرار أخرى

على الرغم من كل هذه التفاصيل الدقيقة التي وصلت إليها معرفة الإنسان من حقيقة عمل القلب وغيرها من الأمور التي لم يتسع المجال لذكرها، إلا أن هناك حقائق أخرى ما زالت غائبة عن دائرة معرفة الإنسان.

فالعلم -وعلى الرغم من مراحله المتقدمة من التطور التي وصل إليها- يقف حائرًا في إيجاد تفسير لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.. ألا وهي القلب».

فهذا الحديث يدلنا على أن للقلب وظائف أخرى نجهلها، فماذا عسى أن تخبئ لنا الأيام من اكتشافات جديدة؟

الرابط المختصر :