العنوان قضية العراق تعمق الخلاف بين الحلفاء
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 22-فبراير-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1539
نشر في الصفحة 28
السبت 22-فبراير-2003
أبعاد الموقف الألماني – الفرنسي – المعارض للحرب.. وهل يقود إلى طلاق أطلسي؟
لم يكن الموقف الألماني الفرنسي المشترك المعارض لواشنطن ولندن على صعيد الحرب ضد العراق مفاجئًا، إلا لمن لم يتابع تطور العلاقات الأمريكية - الأوروبية في اتجاه تناقض متزايد نوعًا وكمًا منذ سقوط الشيوعية ومعسكرها الشرقي، إلا أن الموقف الذي أعلن بقوة على هامش الاحتفال بالذكرى السنوية الأربعين لمعاهدة الصداقة الفرنسية - الألمانية «1963م» بعد علاقات اقتتال ونزاعات متوالية لقرون عدة، يعتبر نقلة نوعية يمكن أن تنبني عليها نتائج بعيدة المدى في نطاق الصراع الدولي المتواصل على رسم خريطة المستقبل العالمية، وليس على صعيد قضية العراق وما يتبع لها فقط.
نحن نرى عدم صحة توقعات تتردد في الوقت الحاضر بصورة تلفت النظر، وكأنما يريد أصحابها تثبيت تصوراتهم القائلة باستحالة التمرد على الإرادة الأمريكية، وهي توقعات تدور في محورين:
- المحور الأول يقول: إن فرنسا سبق وعارضت المواقف الأمريكية مرارًا، ثم نكصت على عقبيها في اللحظات الأخيرة، لا سيما في حالة حرب تريد ألا تخسر المشاركة في «حصد غنائمها»، فكيف إذا كانت الغنيمة الأكبر هنا هي النفط الخام في منطقة الخليج، بينما يميل أغلب المحللين الأوروبيين إلى القول إن موقف فرنسا سيثبت في قضية العراق، لأنها لم تكن في أي مرحلة سابقة أقرب منها اليوم إلى تحقيقها غايتها القديمة الجديدة؛ أن ترسخ دعائم سياسة أوروبية متميزة خارج نطاق الهيمنة الأمريكية.
- والمحور الثاني يدور حول القول إن هذا الموقف الثنائي ليس موقفًا أوروبيًا، لا سيما في غياب بريطانيا، وسيضمحل مفعوله تدريجيًا، وهي أقوال تغفل عن حقيقة أن المحور الفرنسي - الألماني كان طوال أربعين عامًا مضت المحور المحرك للمسيرة الأوروبية، وأنه لم يتفق البلدان مرة على خط مشترك، إلا وأصبح أوروبيًا جامعًا، آجلًا أو عاجلًا.
ولأن الموقف لا يتوقع له الاضمحلال كان مصدر إزعاج شديد وعلني في واشنطن ولندن، وصل إلى مستوى عبر عنه وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بقوله إن هذا موقف «يمثل أوروبا القديمة»، وهو تعبير ينطوي على معنى مزدوج، يمكن حمله على أن «شرق أوروبا» - وفيه دول انضمت أو على وشك الانضمام إلى المنظومة الغربية - بات يمثل أوروبا الجديدة، بينما يمكن حمل الكلمة نفسها على محمل التعريض بأوروبا ما قبل الحرب العالمية الثانية عندما كانت النازية تسيطر على ألمانيا ومن خلالها على أوروبا.
ويبدو أن هذا ما فهمه الألمان على الأقل، مما دفع حتى المعارضة الألمانية التي تنكر على حكومتها سياستها الحالية تجاه واشنطن، إلى إنكار أن يصل الرد الأمريكي إلى هذا المستوى، بل تظهر درجة الغضب أيضًا في أن بعض الساسة الأمريكيين، كالناطق باسم الخارجية فلايشر بات يذكر الموقف الفرنسي ويتنبأ بتغييره، ويشير إلى ألمانيا بتعبير «وتوجد دولة أخرى» وهو أسلوب من أشد الأساليب الدبلوماسية تعبيرًا عن الانزعاج.
الواقع أن الأمريكيين يدركون أن المعارضة الألمانية - الفرنسية لن تترك أثرها على الأوروبيين بوصفهم يشكلون «الاتحاد الأوروبي» فحسب، إنما تترك أثرها الأهم على حلف شمال الأطلسي، الذي كانت واشنطن تعول أهمية كبيرة على أن يقف - ولو من الناحية الشكلية - موقف المساند لقرار الحرب إذا ما صدر القرار خارج نطاق مجلس الأمن الدولي، كما كان في حالة الهجوم على «صربيا»، بحجة تحرير كوسوفا آنذاك.
وكان واضحًا أن أول لقاء للحلف على مستوى المندوبين في بروكسل عقب الموقف الألماني - الفرنسي مباشرة، انطوى على خلافات شديدة، جعلت الأمين العام للحلف روبرتسون مضطرًا إلى الإعلان عن وجودها، وإن تجنب تحديد نوعيتها، ولا يفصل المحللون الأوروبيون بين ذلك وبين قرار روبرتسون «البريطاني الجنسية» أنه ينوي اعتزال منصبه مع نهاية عام 2003، وهو ما يعتبر بدوره تطورًا مفاجئًا آخر يضاعف الضغوط المتزايدة على رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، بعد أن صار يوصف داخل بلده، ومن جانب بعض أصدقائه الحزبيين بأنه يمارس «سياسة تبعية» وليس سياسة تحالف وتعاون تجاه واشنطن.
الورقة العراقية في العلاقات الأطلسية
لا يصح بالمقابل تصوير الموقف الفرنسي - الألماني وكأنه موقف يدافع عن العراق، بغض النظر هل المقصود النظام أو الشعب.
- فمن جهة.. لا تتردد الصحف الأوروبية نفسها في القول إنه لا ينبغي تصوير الأمريكيين عشاق حرب والأوروبيين عشاق سلام، فهؤلاء أيضًا خاضوا وعلى استعداد لخوض الحروب لتحقيق أهداف اقتصادية.
- ومن جهة ثانية لا يوجد خلاف بين الأوروبيين والأمريكيين، وكذلك الروس والصينيين من حيث الرغبة في «احتكار أسلحة الدمار الشامل، والحيلولة دون انتشارها في البلدان العربية والإسلامية خاصة» وهو العنوان المرفوع حاليًا لتبرير الحرب ضد العراق.. وكانت باكستان حالة استثنائية صنعتها ظروف الحرب الباردة.
إنما تظهر خلفيات موقع القضية العراقية في العلاقات الأمريكية – الأوروبية، باعتبار انتشار الاعتقاد بين غالبية المفكرين والساسة الأوروبيين، أن الحرب المحتملة ليست سوى «وسيلة» يريد صانع القرار الأمريكي من خلالها تحقيق أهداف عديدة، أهمها تعزيز انتشار الهيمنة الأمريكية عالميًا، وهنا النقطة الرئيسة التي دارت وتدور حولها النزاعات المتزايدة بين حلفاء الأمس منذ اضمحلال العدو الشيوعي المشترك سابقًا، ولا يعني ذلك أن السياسات الأمريكية لم تكن تتطلع إلى الهيمنة من قبل، إنما اختلف الأمر من زاويتين :
1 - أن الأوروبيين كانوا في حاجة إلى المظلة النووية الأمريكية الواقية، فلم تصل اعتراضاتهم إلى مستوى العلن فضلًا عن المواجهة.
2 - أن الهيمنة الأمريكية كانت في تلك الفترة تنطوي في حصيلتها على الهيمنة الغربية المشتركة بما في ذلك الأوروبية، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، فقد كانت «قوة أوروبا» في حقبة الحرب الباردة جزءًا من قوة المعسكر الغربي المنسجمة مع الصيغة السياسية بل الأمريكية على الصعيد الدولي، أما الآن فقد خطت الولايات المتحدة خطوات عدة تؤكد أنها تتحرك لصالح هيمنتها الانفرادية، ولا تتجاوز مصالحها حلفاءها السابقين فحسب، بل تتصرف بما يمكن أن يشكل خطرًا مستقبليًا عليهم، كما هو الحال مع مشروع الدرع الصاروخي المشترك الذي لا يعني توسيع نطاق الهوة العسكرية الفاصلة بين الجانبين فحسب، وإنما تعزيز الهوة «التقنية» أيضًا، مع ما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية بعيدة المدى.
ومن هنا يأتي الموقف الألماني - الفرنسي الأخير بمثابة خطوة تالية لخطوات سبقته، وكانت تقترن غالبًا بتحرك أمريكي يزيد من عمق الخلافات، كما حصل أثناء حرب حلف شمال الأطلسي حول كوسوفا، عندما امتنعت القيادات الأمريكية عن وضع صور الأقمار الصناعية التابعة لها تحت تصرف حلفائها، فكانوا يتحركون في ساحة المعركة دون أن يتوافر لديهم قسط من المعلومات عن قوات الجبهة الأخرى مما هو متوافر لدى «حلفائهم» الأمريكيين، وهو ما جاء الرد عليه من جانب فرنسا وألمانيا آنذاك، بقرار إطلاق أقمار صناعية أوروبية للمراقبة، والقرار المتخذ عبر الاتحاد الأوروبي للإسراع بتشكيل قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن الأمريكيين، بعد التلكؤ السابق في توسيع نطاق النواة الأولى لهذه الفرقة، والتي تم تشكيلها عقب انتهاء الحرب الباردة مباشرة.
الورقة العراقية تبدو في نطاق هذا التطور للعلاقات الأوروبية - الأمريكية فرصة مواتية للمضي على طريق التميز الأمني والسياسي الأوروبي عن الولايات المتحدة، سواء وقعت الحرب بمعارضة أوروبية، أم أمكن منع وقوعها.
تأييد شعبي وظروف دولية ملائمة
إذا كانت الفترة التالية مباشرة لتفجيرات نيويورك وواشنطن قد أعطت «التضامن الأوروبي مع الأمريكيين» صورة الواجب المفروض، فالواقع أن هذه الصورة بدأت بالتبدل بعد ثلاثة أشهر فقط، وكانت نقطة البداية لذلك في منتدى میونیخ للشؤون الأمنية الدولية في مطلع عام 2002م، عندما طرح الطرف الأمريكي المشارك فيه «العراق»، هدفًا تاليًا فيما يسميه الحرب ضد الإرهاب، وسرعان ما برزت المعارضة الألمانية خاصة والأوروبية عامة لهذا الطرح، أثناء المنتدى الذي لا يتخذ قرارات قدر ما يرسخ الأرضية الفكرية - السياسية لاتخاذ القرارات لاحقًا.
ولهذا أيضًا لا يمكن اعتبار «المعركة الانتخابية في ألمانيا» هي السبب قدر ما ينبغي اعتبارها «الفرصة المناسبة» التي اتخذها المستشار الألماني جيرهارد شرودر للارتفاع بمستوى المعارضة الألمانية، من مستوى تصريحات متفرقة وتصورات عامة، إلى مستوى اتخاذ قرار برفض الحرب ورفض المشاركة فيها إذا نشبت بصورة قاطعة.
ومع بدء الحشود العسكرية وتصعيد الحملة السياسية الأمريكية، بدأت تظهر معالم خلاف جزئي، بين برلين وباريس حول «الأسلوب» الأجدى لمعارضة الحرب، وليس حول الموقف بحد ذاته، والسبب الرئيس هو ما يترتب على فرنسا من مسؤولية إضافية على الصعيد السياسي بحكم عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، وهذا ما بقي تأثيره حتى صدور الموقف الأخير الصادر عن الجانبين بوضوح أكبر، إذ كان التباين «الطفيف» ما بين تأكيد ألمانيا عزمها عدم الموافقة على قرار ما من جانب مجلس الأمن قد يسمح بالحرب، وبين إبقاء فرنسا مسألة التصويت على القرار المحتمل مفتوحة.
والواقع أن الموقف الألماني المبكر نسبيًا كشف عن عنصر آخر ازدادت أهميته في الأسابيع الماضية، وهو أن معارضة الحرب - كما يقول مؤيدو هذا الموقف ومعارضوه على السواء - أكسب الحكومة الألمانية مزيدًا من أصوات الناخبين، مما سلط الأضواء على أن الشعوب الغربية عمومًا تعارض الحرب، وقد بدأت بالفعل عمليات استطلاع الرأي تتوالى في الكشف عن أن الغالبية الأكبر من الرأي العام، في ألمانيا وسواها من الدول الأوروبية، تعارض الحرب ضد العراق من حيث الأساس، كما بدا ذلك يظهر في الولايات المتحدة بنسب وصلت إلى 80% إذا كانت الحرب دون قرار من مجلس الأمن الدولي، وإلى نحو النصف إذا صدر قرار بهذا الصدد.
ويعتبر كثير من المحللين الأوروبيين أن فرنسا بصورة خاصة استفادت من موقف الرأي العام لتقوم بتحرك ديلوماسي يرقى إلى درجة «ضربة معلم»، تجاه واشنطن، فاستنادًا إلى حقوق رئاستها لمجلس الأمن الدولي في يناير «تليها ألمانيا في الشهر التالي»، لم تكن تستطيع طرح قضية العراق قبل تقديم تقرير المفتشين الدوليين الذي كاد يتحول إلى «إشارة زمنية لبدء الحرب» وفق الرغبات الأمريكية، فدعت إلى اجتماع المجلس على مستوى وزراء الخارجية تحت عنوان «مكافحة الإرهاب»، وكما كان متوقعًا تحول الاجتماع إلى مظاهرة سياسية على أعلى المستويات لإبراز انفراد واشنطن ولندن بالدعوة إلى الحرب على مستوى مجلس الأمن الدولي، ثم أعقب ذلك طلب فرنسا استمرار عمليات التفتيش شهرين آخرين، مما لا يعتبر «مطلبًا كبيرًا» بالمقارنة مع ما تعنيه الحرب، وبالتالي ما يجعل رفضه أمريكيًا نوعًا من التعنت.
ويبدو أن هذا ما تركز عليه الاتصالات الألمانية والفرنسية الراهنة مع موسكو وبكين، فيما يدرك الأطراف المعنيون أن هذه الفترة لا تعني مجرد تأجيل الحرب، فحلول الصيف قبل بدء المعارك، يعنى احتمال الإحجام عن خوضها، بينما يتحول تأجيلها إلى ما بعد فترة الصيف إلى عبء مالي ضخم على الولايات المتحدة وبريطانيا بعد أن اكتمل حشد القوات نسبيًا في منطقة الخليج.
لقد حولت فرنسا ساحة الصراع «الدولية» بذلك إلى ساحة صراع بين الإدارة الأمريكية والرأي العام الأمريكي نفسه، مع إدراك أن المعركة بصورة مماثلة باتت خاسرة على مستوى بريطانيا منذ الآن.