العنوان المجتمع التربوي (1739)
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 17-فبراير-2007
مشاهدات 116
نشر في العدد 1739
نشر في الصفحة 52
السبت 17-فبراير-2007
عبير الورود
قصص لفتيات التزمن بالحجاب في ظل ظروف صعبة للغاية
أختاه باحتشامك أنت كالدرة المصونة
الجيل القادم أفضل وأصدق إن صدقنا معه وكان تعليمنا إياه من منطلق التحرك بالقرآن أكثر من التلقين
سمية رمضان أحمد (*)
بعد عدة دروس لتدريب الفتيات على كيفية برمجة نهج حياتهن وصبغتها بآيات القرآن الكريم، حيث تكون تحركاتهن معبرة بصدق عن الكتاب والسنة أردنا أن نستمع إليهن لنلمس مدى استفادتهن مما سمعن، وكان موضوعنا عن الحجاب فاستمعنا إلى درر من القول.
قالت إحداهن: لم أكن أرتدي الحجاب ولا أتصور أني سأردتيه في يوم من الأيام، بل ولا أحب أصلًا أن أتعامل مع المحجبات أو أتصادق مع أي منهن، حتى أنار قلبي قول ربي: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ﴾ (يوسف : ۲۳)
فاتخذته شعارًا وأردت بصدق التحرك بهذه الكلمات التي لا تصدر إلا من إله، فكانت سببًا في تغيير كل حياتي ومن ضمنها حجابي، فأنا عادة عند استعدادي للخروج من منزلي أقوم بتصفيف شعري ووضع الماكياج على وجهي بشكل اعتيادي روتيني ولكن بعد أن تمكنت الآية العظيمة من نفسي في ذلك اليوم المبارك، كنت أصفف شعري في المرأة فقلت لنفسي: ما هذا الذي تفعلينه؟ وإلى من تقدمينه وقد أحسن إليك خالقك ببعثة النبي ﷺ ونزول القرآن؟ وشعرت وكأن المرأة وشعري وكل ذرة في جسدي تردد ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ﴾ (يوسف : ۲۳) فخجلت من نفسي، ولملمت شعري وخرجت، ولكن هذه المرة لم أكن بمفردي بل كانت في صحبتي الآية كالمصباح تنير لي الطريق.
علامة مميزة
وجلست في السيارة – ولأول مرة – أطالع من حولي، وأرى ما لم أكن أراه من قبل، وقد كان تركيزي على النساء، فهذه المحجبة بالتأكيد مسلمة، فقد ارتدت العلامة المميزة لذلك زي الرحمن ومرت بجانبنا سيارة تتيه فخرًا على جميع السيارات، فقد كتب على لوحتها «هيئة سياسية»، فكانت كالطاووس وسط الطيور فقلت في نفسي: والله إن الحجاب لهو هيئة ربانية قد شرف الله المرأة به، فهي ترفع رأسها فخرًا وعزًا، وهي تقول: إني مسلمة أنتمي إلى الرحمن واتبع رسول الله ﷺ.
ارتفعت هامتي
عندها وعندها فقط ابتسمت وقررت أن أكون مثلهن، فقد أحسن ربي مثواي، ولن أسيء إلى نفسي بعد هذه اللحظة، فطلبت من السائق أن يتوقف، وغيرت مسيري واتجهت إلى أقرب مكان لبيع هذه «الطرح» التي شرح الله صدري لارتدائها، وكان المحل مغلقًا، فوقفت على بابه أستجدي من الله الرحمة والغفران، وأسأله التوبة. وعندما فتح المحل أبوابه كأن باب رحمة الله قد أذن لي بالدخول، ووقفت أمام المرأة في محل الملابس أرتدي الحجاب وأشعر وكأن الكون يردد: إنه ربي أحسن مثواي فقلت: «حقًا وصدقًا، وخرجت وقد ارتفعت هامتي وأصداء نفسي تهتف «إني مسلمة».
تعاسة لا حدود لها
علت الأصوات بالتكبير: الله أكبر.. الله أكبر وانسابت الدموع تشارك المكبرات تكبيرهن. وأرادت إحداهن الحديث وخرجت الكلمات من بين شفتيها سلسة عذبه ندية. حيث قالت: أنا فتاة في أسرة مفككة، الأب ليس له هم إلا النساء، وقد أهملنا فأهملته أمي وأهملتنا، حيث إنها صممت على الطلاق وتزوجت وأصبحت وإخوتي بمفردنا بعد أن لفظنا المنزلان فشعرت بتعاسة لا حدود لها كادت تفتك بجهازي العصبي ولكن الرحمن الرحيم أكرمني بهذه الدروس وكأنها قد أجابت على تساؤلاتي، وساعدتني على حل همومي وفرجت عن حزني، بعد أن أصبح حبيس نفسي، كان ذلك بعد أن عشت مع قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: ۹۷).
حياة طيبة
فقد كنت أتساءل دومًا: هل من الممكن أن تتغير حياتنا من هذه التعاسة إلى حياة أخرى طيبة طالما تمنتها نفسي وهتف لها فؤادي؟ فكانت هذه الآية هي الشمس التي أشرقت بها نفسي وأزالت ظلمة قلبي، فإن رب المشارق والمغارب يقول: «هناك أمل.. لا تيأس، فقط عليك بالعمل الصالح فتضمن هذه الحياة التي تمنيتها».
المرشد الصالح
أيقنت بصدق الله وتحقيقه للوعود وكانت الآية شعاري العمل الصالح، أين أنت أيها الحبيب الذي سيكون فيه سعادتي؟ سألت معلمتي ما هو العمل الصالح؟ فكانت الإجابة رائعة آيات وآيات كل آية تأخذ بيدي، وتشد من أزري، وترفع معنوياتي وأخرى تبث الأمل في نفسي بحنو وعطف لا يمكن أن يأتي إلا من إله هو قائل هذه المعاني الرائعة. ومن هذه الأعمال كان طاعة الرحمن، ومنها انبثقت في نفسي فكرة الحجاب، ومن حرصي الشديد وولعي وشوقي إلى هدفي وهو الحياة الطيبة، كان حرصي وولعي وشوقي لحجابي، فسألت عن كل شروطه، وكان وفائي بها بكل جوارحي بكل استطاعة تستطيعها نفسى. فهذه الآية ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ كانت المرشد الصالح لكل شيء في حياتي.
سألتها إحداهن: وهل تحقق وعد الله لك؟
ابتسمت المتحدثة ابتسامة أنارت وجهها وقالت: إن أختي التي تكبرني التزمت طريق الله، وكان معها أخوات صالحات كن لها نعم المعينات على الطريق، بل والحقونا معهن في دروس حفظ القرآن وأصبحت حياتنا –بحمد الله– أفضل مئات المرات مما كنا عليه، بل وأكرم الله أختي بزوج صالح يشرف على تربية إخوتي الذكور، وضمهم إلى مجموعة شباب ملتزمين بشرع الله، فأصبح جو البيت أكثر هدوءًا وتعاونًا وتألفًا.
تهدم السدود
رفعت إحداهن يدها تريد الحديث، ثم تراجعت. ثم رفعتها، ثم تراجعت فانتهزنا فرصة إشارتها مرة أخرى لتسرع بإجابة طلبها لتتحدث وتروي لنا تجربتها:
نظرت إلى الجميع بعينين يملؤهما البشر والرضا، ثم نظرت الى معلمتها ممتنة لها، وبدأت تنثر علينا عبيرها بكلمات أثلجت صدورنا. حيث قالت: كنت بعيدة عن الطريق، فظروف منزلنا لا تسمح بالحجاب على الإطلاق، حيث إن والدي يعمل بالصحافة، وكان عمله الرئيس هو محاربة كل ما يقوله الله سبحانه وكل ما يقوله الرسول، وكان اختياره من هذا المنطلق لوالدتى، فهي نجمة من نجمات المجتمع كما يسمونها، وتكشف أكثر مما تستر، فرضعت من هذا الجو السموم ومن الزيف الذي يصبغونه بأصباغ الحقيقة فيأبى أن يتلون بها ويظهر بوجهه البشع البغيض، ولذلك كنت –مع دروس التحرك– بالقرآن أحاول أن أضع سدًا بيني وبين الاستماع، حتى لا يحدث أي تأثر تتغير به حياتي كان هذا هو ما أريده ولكن ما يريده الله تتهدم أمامه كل السدود وكل الحواجز، فقد أصبحت أشعر بالأنس مع هذه الدروس. ثم بدأت أحبها، ثم بدأت أستمع إلى معلمتي، ثم بدأت أستشعر روعة ما تقول، ثم أصبحت أتاثر، ثم أصبحت أطبق، ثم أصبحت إنسانة صبغت حياتها بصبغة الله فتغلغلت في كل أنحائى ولم تكن هناك أقوى ولا أحكم من صبغة الله فكأني ولدت عليها وخلقت بها.
صمتت الفتاة قليلًا، ثم واصلت قائلة: كنت بدأت أستمع وأحب هذه الدروس وكانت تنزل الآيات القرانية بردًا وسلامًا على نفسي وقلبي، وعندما أرجع إلى بيتي وأرى ما أرى تكاد أنفاسي تختنق فيضيق صدري ولا ينطلق لساني مع أحد والدي ببنت شفه.
التمسك بالإيمان
ولكني كنت لا أجرؤ أن أصلي مثلًا أمامهم أو أتصرف التصرفات الإسلامية الواضحة المعالم كالحجاب وغيره، حتى كان موعدي مع قول العلي القادر: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99)، فاعتبرت أن سلبيتي تلك لا بد وأنها من عمل الشيطان، وهو ليس له سلطان على الذين آمنوا، فلابد أن أتمسك بإيماني، حتى أستطيع أن أطرح الشيطان عن نفسي، فيخف حملي، وأستطيع أن أتصرف بحرية أكثر، لذلك فقد كنت في الدرس صاغية أريد أن أتحرك وأطبق كل آية أسمعها. وقررت أن أعلن عن إيماني، بل وأشرك معي من حولى، وبدأت بوالدتي حيث كنت أقوم بشرح كل آية مع كيفية تطبيقها في هذا الوقت والزمان لوالدتي واتفاقي معها أن نقوم سويًا بتطبيقها.
سعادتي هدف لأمي
وكانت والدتي كل هدفها أن تسعدني فهي لم تنجب سواى، وكانت تريد سعادتي في كل ما أحب وليس فيما تحب هي فقط. لذا فقد كانت تشاركني من منطلق حبها لي ثم أكرمني الله حيث بدأت تشاركني من منطلق حبها لله العلي القدير، وبدأت أسمع في منزلنا آيات القرآن تتلى، بل وأرى أمي ترتدي لباس الصلاة الساتر.
اعتزال الفن: ورجعت يومًا لمنزلنا ففجعت، وأنا أسمع والدي كالرعد يصب صواعقه على والدتى بعد أن سمع نبأ نيتها على اعتزال الفن الساقط والتزام الفن الذي يرضي خالقها، وأمي تبكي وترجوه أن يعينها - فيما تبقى لها من عمر - على طاعة الله وأبي يستهزئ ويضحك ساخرًا منها وقفت لا أستطيع حراكًا، ولا ردًا، سوى جدولين صغيرين من الدموع، وكانت ليلة عصيبة على كل أهل الدار وعراك فاصل بين الحق والباطل وجاءتني والدتي كعادتها قبل نومي وهي منكسرة حزينة فقلت لها: ماذا ستفعلين؟ قالت: ما بيدي حيلة، قلت لها: يا أمي بيديك كل شيء. فقد حرر الله سبحانه نفسك المؤمنة من الشيطان فلا يأسرها أعوان الشيطان، وهم أضعف وأنت على حق فتوكلي على الله يعنك ضمتني إلى صدرها وأنا أردد قول الله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل 99).
قلبي يرقص فرحًا
وعند نزولي في الصباح كانت المفاجأة.. أمي وقد تحجبت بحجاب رائع أضفى على وجهها نورًا لم أشهده من قبل وفي عينيها بريق التوكل على الله، حيث قالت لي بحب غامر: اشتريت لك مثله بالأمس، وهي تشير إلى حجابها، فأريني إيمانك، وأعلني لشيطانك أنه بالفعل ليس له سلطان عليك، قبلت يدي والدتي وأخذت منها الحجاب، وقلبي يرقص فرحًا. وصعدت إلى حجرتي، وارتديته بسرعة فائقة، ولم أعبأ كثيرًا بالنظر إلى وجهي وكيف هو بعد ارتدائه، ولكني رددت: «اللهم اجعلني في عيون الجميع جميلة».. فكل شيء -بيقين– بيد الله ولا حول لنا ولا قوة على أي شيء على الإطلاق.
الجيل القادم
كان هدير التكبير يتلاحق الله أكبر.. الله أكبر وأقبلت الفتيات يقدمن التهنئة للفتاة. فقد كان اليوم هو أول أيام حجابها. نظرنا ونحن على المنصة إلى بعضنا البعض فقد أردنا أن نعلم، فتعلمنا من الفتيات الكثير والكثير، وحقًا إن الخير في أمة محمد إلى يوم القيامة.
تأملات في قصة الفداء (١٢)
ربح البيع -صهيب باع ماله لله ليفتدي دينه ونفسه
لو اقتضى الأمر عند صهيب أن يبيع النفس فداء لعقيدته وإسلامه لفعل راضيًا مطمئنًا
يجب أن نقوم بعملية «جرد» دقيقة لكل ما اكتسبت أيدينا لنستبين الربح من الخسران
ها هي نفحات الهجرة تغمرنا، فتتجدد معها الذكرى الطيبة تنشر أريجها وعبقها عبر الآفاق، وتهل علينا أيامها المباركة بمعانيها، وتتجلى أمام أعيننا قصص الفداء ومراميها، فنرى المنة لله ورسوله ثم لتلك النفوس الراقية التي ما آلت جهدًا في سبيل الله، وكلهم يغذ السير قائلًا بلسان حاله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ﴾ (طه: 84)! وتظهر منهم من صور الفداء العجائب التي قل أن ترى لها مثيلًا في تاريخ البشرية.
لقد صاغ الله تعالى هذه القلوب واصطفاها لتلك المهمة الجسيمة وجعلها أهلًا لصحبة خير البرية، فإذا بعلي بن أبي طالب يفتديه بنفسه ليلة الهجرة. وأبي بكر يحميه في الغار بنفسه ويسخر ماله لخدمة الدعوة، أما الفاروق عمر فكما أسلم علانية فقد هاجر أيضًا علانية، تاركًا وراءه مهد صباه ومراتع شبابه وهو يهدد المشركين ويتوعدهم فلا يجرؤ عليه أحد.
إنها مواقف متنوعة تتنوع معها قصص الفداء، وتتجرد معها النفوس من كل شيء إلا الله يعرض الكل فيها بضاعته ويوازن بين ربحه وخسارته، وبالتأكيد فليس هناك مجال للمقارنة ولا وجه للمشابهة، لذا فلم يحدث أن اغتروا بزخرف الحياة.. ولم تقف فتنة المال عقبة في طريقهم، أو يثنهم حب الأهل والولد عن إكمال سيرهم.
ولقد لعب المال دوره في قيام الدعوة وثبات أقدامها، فقدمه الصحابة الكرام خالصا لوجه الله ليكونوا لنا النموذج والمثل على مر العصور والأزمنة، و«نعم المال الصالح للرجال الصالح» (الطبراني). وكذلك افتدوا به أنفسهم وإيمانهم وهجرتهم، فها هو الصحابي الجليل صهيب بن سنان مول يبيع ماله كله لله. ويبارك الله عمله ويتنزل القرآن ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة: 27).
حاول أن تعرف ما لك وما عليك
وأنت؟ مع حلول عام جديد هل جددت ذكرى الهجرة في نفسك، وأدبت بها جوارحك، وأصلحت بها قلبك؟ هل وعيت الدرس فهجرت السوء وقاطعت الشر والمنكر، ولبست لباس الدين السابع الذي يأمرك بكل جميل وينأى بك عن القبيح؟ هل انتهزت الفرصة فوصلت في نفسك ما انقطع من حبال القرب مع ربك ومولاك. وعقدت مع قلبك عقد صلح خالص، بعد جلسة محاسبة شديدة وجديدة؟
وهل فكرت يومًا أن تحصي كل ما تملك من رصيد، وتحدد قيمته دون غبن أو تطفيف، لتعرف ما لك وما عليك؟ أو حاولت أن تقوم بعملية جرد دقيقة لكل ما اكتسبت يداك لتستبين الربح من الخسران؟ إن إحصاءاتك في هذه المرة لا ينبغي أن تنحصر فيما تملك من مال ودار ولا ما تشيد من عقار، أو تخص ما تحفظ في البنوك، وما تنفق في الأسواق، إذ ربما ظننت ذلك كله أو بعضه إن هذا بالتأكيد مطلوب لكنا نريدها هذه المرة حملة نظافة وتطهير لكل ما كسبت يلازمها تقييم صادق لرأس مالك الحقيقي وبضاعتك من الأعمال والأقوال والمعتقدات والتصورات بل والأحلام والآمال، إنها حملة صادقة الرقي الروح وورع الجسد، وتلك هي البداية. هل أنت كهؤلاء السابقين أم أن فتنتك في دنياك هي المال؟
إن من الناس من يتاجر مع أمثاله من العباد بل ويشاركهم، ويقوم تبعًا لذلك بالحفاظ على حقه ونصيبه دون تفريط وحرصًا منه على الزيادة تجده يجرد بضاعته كل عام لينظر الربح أو الخسارة في حين يغفل عن عمد وسبق إصرار، أو نسيان وقلة اعتبار عن جرد بضاعته مع الله رب الأرباب مالك الأموال، وواهب الربح ومانح الفضل فيصل به التسويف مداه ويصل طول أمله منتهاه، فلا يرى أمامه إلا المال ولا يشعر بالخسارة إلا من خلاله ونسي أن المال من الله نعمة، وإن لم يسخر في طاعته صار نقمة تطيش معها أرباحه المزعومة أمام كفة الغفلة والتقصير والإهمال، وإذا بربحه يتحول إلى سراب ومن هنا كانت أهمية الجرد ودقة الحساب لذا فإن العجب كل العجب ممن ينام ملء جفنيه وهو لا يدري ما له وما عليه أو يضحك ملء شدقيه ولا علم له برضا الله عنه أو غضبه عليه عجيب أمر هذه الدنيا الفنانة الخادعة حين تخفي حقيقتها بقناع مزيف يخفي وراءه وجهها الآخر، فتبدو لنا وقد تزينت وازينت وأخذت زخرفها، فبدت عروسًا جميلة، وهي في الحقيقة ما هي إلا عجوز شمطاء والأعجب منها هو ذلك الإنسان الذي يسعى لتحصيل المال فيها بكل السبل، فيجافي من أجله الحبيب، ويعادي الصديق، يقطع رحمه، ويهمل زوجه، ويضيع أولاده، ومن قبل ذلك يفرط في حق الله تعالى عليه، حجته في ذلك أنه يسعى من أجل رغد عيشهم ويجمع لهم من بعده إرثهم، بل ويؤمن مستقبلهم! ألم يعلم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف: 46).
ربح البيع ربح البيع
وهذا ما فطن له الصحابي الجليل صهيب بن سنان سابق الروم إلى الإسلام بل وسابق الكثير من العرب قديمًا والآن حين أعلنها عالية صريحة مدوية في آذان المشركين، وقد ظنوا أن المال هو كل شيء في الحياة بل هو الحياة كلها، فمنعوه من الهجرة والسفر إلى الله وأغلقوا في وجهه أبواب الصحبة لخير البشر رسول الله ﷺ فقالوا له: «أتيتنا صعلوكًا فقيرًا فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغت بيننا، والآن تنطلق بنفسك ومالك».
إن هذا هو المقياس في دنيا البشر إذا حادوا عن الطريق وتنكبوا عن صراط الله وهل أتى الإسلام إلا ليصحح هذه المفاهيم ويرتقي بتلك العقول فتكون كما أرادها سبحانه وتعالى، لكن صهيبًا يبيع ماله لله يفتدي بذلك دينه ونفسه ولو اقتضى الأمر أن يبيع النفس هي الأخرى فداء العقيدته وإسلامه لفعل راضيًا مطمئنًا، وها هو يقول للمشركين: أرأيتم إن تركت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، فدلهم على موضع ماله في بيته في مكة، فمضوا إليه وأخذوه منه، ثم أطلقوا سراحه.
إنه موقف عظيم، ونفس سخية، إيمان قوي وعقيدة ثابتة. قد يخطئ البعض حين يظن أن ذلك خسران وضياع للمال، فهذا هو الفوز بعينه، ألم يقل رسول الله ﷺ لصهيب: ربح البيع أبا يحيى.. ربح البيع. وتتنزل الآيات من فوق سبع سموات تبين القيمة الحقيقية للمال والغرض الأساسي الذي من أجله نوهبه، وكأني بأحدنا في ذلك الموقف وقد ظل يجمع القرش بجانب القرش والدرهم مع الدرهم، والدينار على الدينار، حتى صار عنده ما يبلغ به حاجته من شراء مسكن أو تكاليف زواج، أو شراء شيء من ضروريات الحياة، وهذا المال المدخر كما يقال عنه (تحويشة العمر) التي أفنى صاحبها في تحصيلها الأوقات وبينما هو في أمانيه وأحلامه بذلك البيت العامر، وتلك العروس الجميلة، إذا به يقع فريسة وطعمة للصوص، فيتعرض للنهب والسلب، ويسرق ماله في غيبة العدل وموت الضمير ترى كيف يكون حاله وما هو شعوره؟!
المال نعمة أو نقمة
نعم.. إن المال نعمة، وهو زينة الحياة وعصبها، لكنه إذا وقف عقبة في سبيل تحقيق الهدف المنشود منها وصد المرء عن سبيل الله فأخره عن ركب الصالحين ودرب الدعاة انقلب إلى فتنة تجر إلى فتنة، وعذاب يأتي بالعذاب. وها هو كلام الله الخالد يعلنها لنا جميعًا: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15). فطوبى لمن اتخذ من المال وسيلة ولم يكن له غاية، فهو بين يديه وليس في قلبه، وهو أمام عينيه لا بين جنبيه طوبى لمن كان بماله للفقراء مواسيًا، وللضعفاء ناصرًا.. وللمحرومين معطيًا، وللجائعين مطعمًا.. لليتامى كافلًا. وللأرامل ساعيًا، طوبى لمن كان كسبه من حلال ومطعمه ومشربه وملبسه من حلال إذا أنفق فمما يحب، وإذا أعطى أخفى فلا تعلم شماله ما تنفق يمينه، تجده يتقلب على فراشه تقلب الحزين، ويتململ تململ العليل، وقلبه وجل يخشى الرد وعدم القبول، يرجو من ربه عفوًا وغفرانًا، ولسان حاله يقول: ليت شعري هل ربح بيعي أم أنا خاسر مردود؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل